مساعد بحث: بلال العضايلة
تعد الدبلوماسية الأردنية مثالاً نظرياً وعملياً على السياسة الخارجية لدولة يتجاوز تأثيرها الفعلي حدود إمكانياتها، موظفةً الجغرافيا في إطار جيوسياسي لترويض التهديدات المحيطة واستغلال ما أمكن من الفرص لخدمة الأمن القومي ومصلحة الاستقرار في الإقليم. فأي تتبع للتاريخ السياسي للأردن منذ 1921 يؤكد أن حصافة قرارات السياسة الخارجية الأردنية عوّضت كثيراً من عوامل الضعف المحلي، وتحديداً فيما يتعلق بالاقتصاد.
ويمكن القول أن كلمة السر خلف هذه الحصافة هي في “التكيف” البراغماتي دون التضحية بالأسس والثوابت الاستراتيجية، ففي الشرق الأوسط وتحديداً في جوار الأردن تعد الأزمات المفاجئة سمة طبيعية وظاهرة متكررة كل بضعة سنوات، فبخلاف أقاليم مثل أوروبا أو حتى إفريقيا تعد الأزمات العابرة للحدود حدثاً استثنائياً أما في الشرق الأوسط فهي سمة وخصيصة إقليمية بامتياز، فالبيئة الخارجية للأردن هي خشنة بامتياز.
تفرض هذه الأزمات انتهاج الدولة الأردنية قرارت سياسة خارجية قادرة على التأقلم وتوليد رد فعل يجنّب البلاد تبعات هذه الأزمات، وطوال 3 عقود من الأزمات المتتالية في القرن الحادي والعشرين اكتسبت الدبلوماسية الأردنية خبرة متراكمة في إدارة الأزمات عبر مروحة من الأدوات التي تمزج بين مختلف عناصر القوة بما فيها القوة الناعمة، وهو ما يتضح في سلسلة الأزمات، من الانتفاضة الثانية وصولاً إلى غزو العراق وما تلاه من تفشي للإرهاب، واندلاع اضطرابات ما يعُرف بـ”الربيع العربي” وفوضى المحاور العربية، وتقلبات الإدارات الأمريكية تجاه المنطقة، وجائحة كوفيد 19.
وفي الوقت الراهن تتعامل الدولة الأردنية مع تبعات شرق أوسط ما بعد 7 أكتوبر محاولةً الحفاظ على موقع في الهندسة الجيوسياسية الآخذة بالتشكل والتسلح بالحفاظ على السيادة وزيادة الزخم في شبكات علاقاتها، وفي هذا السياق تبرز ميزة عدم وجود أعداء صريحين للأردن في الإقليم لا بل تحظى عمان باحترام وتقدير لدى مختلف العواصم مما يسهّل من القدرة على فتح قنوات تواصل فعالة مع مختلف الأطراف وتوليد فرص من رحم الأزمات.
بهذا الاتجاه يمكن النظر إلى تفعيل عمان لقنوات تواصل مع مع إسلام أباد التي عززت حضورها ومكانتها الإقليمية في شرق أوسط ما بعد 7 أكتوبر عبر عنصرين أساسيين: الأول هو توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية، والثاني رعايتها للمفاوضات الأمريكية الإيرانية، وسواء كان دورها مجرد ميسّر للتفاوض أو وسيط فعلي ضاغط فإن ذلك يضعها في مكانة المساهمة في حل الأزمة الدولية الأبرز والتي تلقي بظلالها لا على غرف السياسات الدولية بل حتى على محطات الوقود حول العالم.
تجادل بعض القراءات بأن الدور الباكستاني الصاعد في السياسات الشرق أوسطية ليس شكلياً ولا مرحلياً بل هو يأتي في إطار موازنة السياسات التوسعية العدوانية الإسرائيلية، فتحركاتها تأتي ضمن إطار عربي إسلامي يضم السعودية ومصر وتركيا، والأردن ليست ببعيدة عن هذا الإطار بل هي في عمق الحوارات والجدالات التي تجري ضمن هذا الإطار الذي تبرز فيه باكستان كقوة نووية وحيدة في العالم السني.
أمام تزايد الحضور الباكستاني في المنطقة ووجود مؤشرات منطقية وعملية على أن هذا الحضور سيكون أحد أعمدة الهندسة الجيوسياسية الدائرة، تمتلك عمان ذاكرة جيدة وحاضر متصل في العلاقة مع باكستان، فصحيح أن العلاقات بين البلدين ليس معتاد تصدرها أجندة السياسة الخارجية هنا أو هنالك إلا أنه مرت مراحل كانت فيه هذه العلاقات حيوية وتحديداً في الستينات والسبعينات وعلي صعيد عسكري، إذ ساهم الخبراء والمدربون الباكستانيون في منتصف الستينات في تأهيل طياريين أردنيين في وقتٍ كان فيه التوتر مع الاحتلال الإسرائيلي يحيق بالأردن، وشارك طيارون باكستانيون في حرب عام 1967 بطائرات أردنية وتمكن أحدهم من إسقاط طائرات إسرائيلية. في المقابل لم يتردد الأردن -بحسب مصادر إعلامية- في دعم باكستان عملياتياً عبر سلاح الجو في الاشتباك واسع النطاق الذي وقع مع الهند عام 1971.
إذاً، يمثل التعاون الدفاعي مظهراً أساسياً في العلاقات الأردنية الباكستانية يمكن توسيعه والبناء عليه في مجالات أخرى، كالزراعة مثلاً إذ أن ربع الناتج الاجمالي المحلي الباكستاني يقوم على الزراعة، في المقابل يمكن للأردن دعم باكستان عبر صناعاتها من الأدوية والأسمدة. وهذا الطرح الهدف منه توسيع أطار العلاقة كي لا تظل حكراً على شق بعينه لأن هذا التوسيع يوطد من العلاقة ويجعل هنالك نوع من الاعتمادية التي تعزز من موقع كل دولة في حسابات السياسة الخارجية للدولة الأخرى.
ومن المشجع في هذه المرحلة أن دول الإقليم خرجت من الإطار التقليدي القائم على علاقات الأمن الصلب إلى آخر تنموي عماده لا سياسات المحاور وإنما مشاريع المحاور والربط العابر للحدود، فمشروع سكة الحديد الذي يصل سواحل الخليج العربي بالأراضي التركية والموانئ السورية عبر الأراضي الأردنية يعد محاكاة لوجستية للجماعة الأوروبية للفحم والصلب التي تأسست عام 1951 والتي نمت إلى الاتحاد الأوروبي والذي يمثل أعقد شبكة من العلاقات الوظيفية التنموية بين دولة متجاورة. وقد أثبتت التجربة لدول المنطقة العربية أن التنافرات السياسية قد قوضت من إمكانية الاستفادة من كثير من الفرص الاقتصادية الكامنة لا سيما وأن هذه التنافرات يكون لها كلف أمنية واقتصادية ولا تقتصر تأثيراتها على تشويش منظومة صناعة القرار.
خلاصة القول، أمام واقع شرق أوسطي يتشكل؛ تدرك الدبلوماسية الأردنية أنه من الضروري البحث عن أنصاف الفرص والبناء على ما أمكن من العلاقات لتعزيز موقع عمان الإقليمي كي لا يكون الواقع الجديد في الضد من مصالح الدولة الحيوية واعتبارات أمنها القومي. ويعد تعزيز العلاقات مع باكستان أحد العناصر الأساسية للتكيف مع الواقع المستجد والذي يمكن أن يسهم في أن يكون مثال آخر على تسخير عمان الأزمات السياسية لخدمة مصالحها وتحويلها إلى فرص، كما في الحرب على الإرهاب التي نجحت عمان في إثبات قدرتها على المساهمة في بلورة استراتيجية دولية للمعالجة الجذرية للإرهاب.


