آراء ومقالات

يوسف الجريري / مساعد بحث

مركز الدراسات الاستراتيجية

تشير أحدث استطلاعات الرأي الأمريكية المرتبطة بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس لعام 2026،  إلى وجود تقدم نسبي للحزب الديمقراطي على المستوى الوطني، إلا أن هذا التقدم لا يزال ضمن حدود المنافسة التقليدية بين الحزبين. فقد أظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة Emerson College أن الديمقراطيين حصلوا على نحو 48% من توجهات التصويت مقابل 42% للجمهوريين، في ما يعرف بمؤشر “التصويت العام للكونغرس”. ويعد هذا المؤشر من أهم الأدوات التي تقيس الاتجاهات الانتخابية قبل الانتخابات النصفية، لأنه يعكس المزاج العام للناخبين تجاه الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من هذا التقدم الوطني للديمقراطيين، إلا أن المشهد الانتخابي يظل أكثر تعقيداً عند النظر إلى الولايات المتأرجحة التي غالباً ما تحسم نتائج الانتخابات. ففي ولايات مثل بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن تظهر الاستطلاعات تقارباً شديداً بين الحزبين، حيث يتراوح الفارق عادة بين نقطة وثلاث نقاط مئوية فقط. ففي ولاية بنسلفانيا مثلاً تشير بعض التقديرات إلى تقدم طفيف للديمقراطيين يتراوح بين 1% و3% نتيجة الدعم القوي في المدن الكبرى مثل فيلادلفيا وبيتسبرغ، في حين تميل بعض مناطق الولاية الريفية إلى دعم الجمهوريين. أما في ميشيغان، فقد أظهرت بعض الاستطلاعات تقدماً ديمقراطياً محدوداً يتراوح بين 2% و4% مستفيدين من دعم النقابات العمالية والطبقة العاملة في المدن الصناعية. في المقابل تبقى ولاية ويسكونسن من أكثر الولايات تقارباً في نتائج الاستطلاعات، حيث تشير بعض التقديرات إلى تعادل إحصائي أو تقدم جمهوري طفيف لا يتجاوز نقطة واحدة.

تعود نتائج هذه الاستطلاعات إلى مجموعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر في توجهات الناخبين الأمريكيين. وتشير معظم الاستطلاعات الحديثة إلى أن الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم ما تزال القضايا الأكثر أهمية بالنسبة للناخبين. فغالباً ما يرتبط تقييم الناخبين للوضع الاقتصادي بتقييمهم لأداء الحزب الحاكم، الأمر الذي يجعل الانتخابات النصفية بمثابة استفتاء غير مباشر على أداء الإدارة الحاكمة. وقد أظهرت عدة استطلاعات أن القضايا الاقتصادية تتصدر أولويات الناخبين بفارق واضح عن القضايا الأخرى مثل السياسة الخارجية أو التغير المناخي.

إلى جانب الاقتصاد، تبرز قضية الهجرة كأحد أبرز العوامل التي تؤثر في المزاج الانتخابي، خصوصاً في الولايات الجنوبية، أو تلك التي تشهد جدلاً سياسياً حول إدارة الحدود. وتشير بعض الاستطلاعات إلى أن غالبية الأمريكيين تدعم من حيث المبدأ سياسات أكثر صرامة في ضبط الهجرة غير النظامية، إلا أن الرأي العام يظهر في الوقت نفسه تحفظات على أساليب تنفيذ هذه السياسات. فقد أظهر استطلاع أجرته وكالة رويترز ومؤسسة Ipsos أن نحو 61% من الأمريكيين يؤيدون أهداف ترحيل المهاجرين غير النظاميين، لكن نسبة كبيرة منهم تعتقد أن بعض تكتيكات إنفاذ قوانين الهجرة قد تكون مفرطة أو تتجاوز الحدود المقبولة.

ويتضح أثر هذا الجدل بشكل خاص في صورة قوات إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) لدى الرأي العام. فقد أظهرت استطلاعات حديثة أن نسبة معتبرة من الأمريكيين ترى أن بعض عمليات هذه القوات أصبحت أكثر عدوانية من اللازم. ففي أحد استطلاعات Marist Poll أشار نحو 65% من المشاركين إلى أن إجراءات ICE “ذهبت بعيداً” في تطبيق قوانين الهجرة. وقد يؤثر هذا الانطباع بشكل خاص في الناخبين المستقلين وسكان الضواحي، وهي فئات تلعب دوراً حاسماً في نتائج الانتخابات داخل الولايات المتأرجحة مثل أريزونا وجورجيا.

إلى جانب القضايا الاقتصادية والهجرة، برزت قضية رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين مجدداً في النقاش العام، بعد الإفراج عن وثائق ومحاضر جديدة مرتبطة بالقضية. وقد انعكس ذلك على مستوى الثقة في النخب السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين ترى أن هذه القضية تعزز الانطباع بأن النخب السياسية والاقتصادية قد تفلت أحياناً من المساءلة القانونية. ففي استطلاع أجرته Reuters/Ipsos أشار نحو 69% من المشاركين إلى أن الوثائق المرتبطة بالقضية تعزز الاعتقاد بأن الأشخاص الأقوياء يتمتعون بمعاملة تفضيلية داخل النظام القانوني.

ويؤثر هذا النوع من القضايا عادة في الانتخابات عبر التأثير على مستوى الثقة العامة في المؤسسات السياسية وليس بالضرورة عبر تغيير الانتماء الحزبي للناخبين. إذ قد تؤدي مثل هذه القضايا إلى زيادة مشاعر الاستياء تجاه الطبقة السياسية، الأمر الذي قد ينعكس في ارتفاع نسبة المشاركة الانتخابية أو في توجه بعض الناخبين إلى دعم المرشحين الذين يقدمون أنفسهم كبديل للنخب السياسية التقليدية.

بشكل عام تعكس استطلاعات الرأي الحالية صورة معقدة للمشهد السياسي الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي. فعلى الرغم من التقدم النسبي للديمقراطيين على المستوى الوطني، إلا أن النتائج داخل الولايات المتأرجحة لا تزال متقاربة للغاية، وهو ما يعني أن أي تغير في المزاج العام للناخبين نتيجة التطورات الاقتصادية أو القضايا السياسية المثيرة للجدل قد يؤدي إلى تغيير موازين القوى داخل الكونغرس. ولذلك تبقى الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد الاتجاه النهائي للانتخابات، خصوصاً في ظل استمرار حالة الاستقطاب السياسي الحاد داخل المجتمع الأمريكي.