أخبارنا

في المؤتمر الذي نظّمه معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي عبر منصة زووم بعنوان “فلسطين 2026، إلى أين؟” يومي الثاني والثالث من شباط، قدّم الدكتور حسن المومني، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، قراءة معمّقة للدور الأردني تجاه القضية الفلسطينية، مبرزاً خصوصيته من حيث التاريخ والجغرافيا والسياسة. ما طرحه يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة الدبلوماسية الأردنية، وكيف تحوّلت من واجب سياسي إلى “دور ضرورة” لا يمكن تجاوزه في أيّ مقاربة للقضية الفلسطينية.

أوضح د. المومني أنّ الأردن أسّس مدرسة دبلوماسية نشطة يقودها الملك عبد الله الثاني، تتمحور حول القضية الفلسطينية، وأنّ هذا الدور لم يكن مرتبطاً بلحظة سياسية محددة، بل هو مسار ممتد عبر عقود من العمل الدبلوماسي والإنساني. 

لم يقتصر الأردن على الدفاع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، بل وفّر مظلة تفاوضية للفلسطينيين في التسعينيات، واعترف مبكراً بالدولة الفلسطينية، وسعى لترسيخ استقلالية القرار الفلسطيني، وصولاً إلى حماية المقدسات في القدس.

وأشار د. حسن إلى أنّ العلاقة بين الأردن وفلسطين ليست مجرد علاقة جوار، بل علاقة فرضتها الجغرافيا وضريبة الدم والعيش المشترك، ما جعل القضية الفلسطينية جزءاً من الأمن القومي والهوية الوطنية الأردنية، وليست مجرد ملف خارجي. ومن هنا، أصبح السعي لتجسيد الدولة الفلسطينية جزءاً أصيلاً من السياسة الأردنية.

خلال الحرب على غزة، اتسمت الدبلوماسية الأردنية بالفعل الميداني الملموس أكثر من الخطابات، حيث نفّذ الأردن أضخم عمليات إنزال جوي إنساني منذ الحرب العالمية الثانية بالتنسيق مع شركائه العرب. وكان جزءاً من “الخماسية العربية” (مصر، السعودية، قطر، الإمارات، والأردن)، لكنه تميّز بقدرته على توظيف شبكة علاقاته الدولية، خاصة مع الاتحاد الأوروبي وفرنسا، لدفع النقاش حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي. وقد تجلّى ذلك بزيارة الملك عبد الله الثاني إلى باريس في شباط 2024 واجتماعه مع الرئيس الفرنسي ماكرون، وما تبعها من تصريحات فرنسية حول ضرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما يعكس كيف يوظّف الأردن حضوره الدولي لتقريب لحظة التجسيد وتحويل الفكرة إلى واقع سياسي ملموس.

هذا السلوك لم يكن مجرد دعم سياسي، بل محاولة عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية عبر الاعتراف بها والدفع باتجاه قبولها دولياً وربطها بمسار السلام القائم على قرارات الشرعية الدولية.

 والأردن في ذلك لم ينفصل عن السياق العربي، بل ظل منسجماً مع الموقف الجمعي، مع الحفاظ على خصوصيته باعتبار القضية الفلسطينية قضية داخلية وخارجية في آن واحد. هذا التوازن جعل من الأردن لاعباً محورياً في إبقاء فكرة الدولة الفلسطينية حيّة وتحويلها من شعار إلى مشروع سياسي قابل للتحقق.

يمكن القول إنّ حديث د. المومني يضعنا أمام حقيقة أنّ الأردن لم يكن يوماً متفرجاً على مسار القضية الفلسطينية، بل كان جزءاً من عملية تجسيد الدولة عبر الاعتراف والدعم الدبلوماسي والجهد الإنساني وحماية المقدسات وتوظيف شبكة العلاقات الدولية. 

هذا الدور التراكمي هو ما حوّل الدبلوماسية الأردنية إلى “دور ضرورة” لا يمكن تجاوزه في أيّ مسار نحو الدولة الفلسطينية، حيث لا يمكن تصوّر أيّ حل دون حضور أردني فاعل ومؤثر. وهو ما يفسر لماذا يشكّل الملف الفلسطيني النسبة الأكبر من الجهد الدبلوماسي الأردني.

ورغم تغير الظروف الإقليمية والدولية، حافظ الأردن على ثبات موقفه، معتبراً أنّ لا استقرار في المنطقة دون حل عادل للقضية الفلسطينية. 

من نقاط القوة للدور الأردني التي أبرزها د. المومني: الدبلوماسية الأردنية النشطة، العمل الميداني الإنساني، حماية المقدسات في القدس بما تضيفه من بعد ديني وسياسي، والعمق التاريخي والجغرافي الذي يمنح الأردن شرعية خاصة في الانخراط. لكن بالمقابل، هناك تحدّيات واضحة تتمثّل بما يلي: الحاجة إلى توافق فلسطيني داخلي متماسك، ضرورة دعم عربي ودولي مستمر، التحولات الإقليمية التي غيّرت أولويات بعض الدول، صعوبة تحويل الاعتراف الدولي إلى واقع ملموس دون وحدة فلسطينية ومشروع سياسي متكامل.

الأردن يمثّل “دور الضرورة” في أيّ مسار نحو الدولة الفلسطينية، ويمثّل “اللاعب الذي لا غنى عنه”، لكنه يحتاج إلى تكامل مع الفاعلين الفلسطينيين والعرب والدوليين حتى يتحوّل من دعم دبلوماسي وإنساني إلى إنجاز سياسي فعلي. الأردن يوفّر الأرضية والشرعية، لكنه لا يستطيع وحده أن يحقّق التجسيد الكامل للدولة الفلسطينية، ونجاحه مرتبط بمدى قدرة الأطراف الأخرى على التوحّد خلف مشروع سياسي متكامل.