متدرب/ رشا قطامي
تعتبر الكوتا الخاصة بالمرأة خطوة أولى ومهمة لتمكين المرأة واشراكها في العمل السياسي، ومع ذلك لا يجب اعتمادها كأسلوب حياة بل ان تكون لفترة معينة تهدف الى تهيئة المرأة والمجتمع لدورها في شغل أماكن صنع القرار، من بعدها يتم الاستغناء عن كوتا المرأة في حال تحقيق الأهداف الأساسية لوجودها، لكن يبقى السؤال: إلى أي مدى أسهمت تطور التشريعات الانتخابية والحزبية في الأردن إلى نقل مشاركة المرأة من التمثيل الرمزي إلى التمكين السياسي الفعلي؟
جاءت كوتا المرأة في العام 2003 كحل مؤقت لمشكلة ضعف التواجد النسائي في الساحة السياسية في الأردن على الرغم من إعطائها حق الترشح و الانتخاب منذ عام 1974 إلا ان المنافسة الفعلية بدأت مع استئناف الحياة البرلمانية عام 1989 ،حيث اقتصر دورها على الانتخاب بدل من الترشح الذي غلب عليه الطابع التبعي ، خاصة مع إلغاء العمل الحزبي في الأردن عام 1957 حيث غلب الطابع الفرداني على انتخابات مجلس النواب ؛ فلم تحصل المرأة على تمثيل فعلي – الا مرة واحدة عام 1993 حيث حصلت السيدة توجان الفيصل على مقعد نيابي عن طريق ترشحها عن كوتا الشيشان و الشركس -، حتى صدور قانون كوتا المرأة 2003 حيث تم تخصيص 6 مقاعد للنساء من اصل 110 مقعد في مجلس النواب في تلك الفترة مع إمكانية الفوز بمقاعد إضافية عبر التنافس.
رغبة من الحكومة الأردنية بتمكين المرأة وزيادة فرصها في المشاركة السياسية لما له أثر إيجابي على التنمية السياسية والاقتصادية والذي عرفه البنك الدولي ب ” قدرة المرأة على امتلاك “الصوت والوكالة” للتأثير في العمليات والمواقف السياسية، والمساهمة الفعّالة في صنع القرار داخل المؤسسات السياسية، وتحليق مشاركتها في المستويات المختلفة للسلطة العامة، بحيث تتحول من مجرد متلقية للسياسات إلى فاعلة في تحديدها وتنفيذها.”
فقد عملت الحكومات على زيادة التمثيل النسائي في مجلس النواب عن طريق زيادة مقاعد الكوتا وتعديل قوانين الانتخاب من الصوت الواحد الذي كان معمولا به منذ 1993 والذي حد من قدرتها على الحصول على مقعد عبر المنافسة الحرة بسبب قلة الدعم المادي والمعنوي.
مقارنة بما كانت عليه قوانين الانتخاب والأحزاب في عام 2003 و ما وصلت له تلك القوانين من التطوير في آليات تمكين المرأة من زيادة نسب مقاعد الكوتا للمرأة و التعديل على قوانين الانتخاب و الأحزاب مثل القانون الحالي 2022 فقد ساعد القانون المرأة على اثبات جدارتها في هذا المجال حيث استطاعت الحصول على مناصب قيادية داخل مجلس النوب كرئيس لجنة و عضو المكتب الدائم، وقد نجحت في الحصول على مقاعد في مجلس النواب عبر المنافسة الحرة من خلال ترشحها داخل القوائم و الأحزاب و حصولها على الدعم المادي و المعنوي الذي طالما احتاجت له في السنوات السابقة؛ و قد انعكس ذلك على نتائج انتخابات عام 2024 حيث تم رفع نسبة مقاعد كوتا المرأة الى 13% بالإضافة للمرشحات الحاصلات على مقاعد عن طريق المنافسة الحرة فقد ارتفعت نسبة تمثيل المرأة إلى ما يقارب 20% من مجموع مقاعد مجلس النواب حيث ان هذه النسبة تعتبر من أعلى نسبة تمثيل نسائي على مستوى الإقليم، الذي وصل إلى 17.7% في المنطقة بحسب تقرير الاسكوا و الأمم المتحدة الخاص بالمرأة في منطقة الشرق الأوسط و غرب إفريقيا.
لقد انعكس الارتفاع الملحوظ في نسب تمثيل النساء في مجلس النواب الحالي على مستوى المشاركة الفاعلة لعضوات مجلس النواب (البرلمانيات) داخل المؤسستين التشريعيتين، إذ تولّت أربع سيدات رئاسة لجان نيابية في مجلسي النواب والأعيان، إضافة إلى مشاركة عشر برلمانيات في مواقع نواب الرؤساء والمقررات. كما انتُخبت سيدتان في المكتب الدائم لكل من المجلسين. ويشكّل هذا المسار التصاعدي دلالة واضحة على أنّ تمكين المرأة في المجال السياسي لم يعد استثناءً، بل بات عنصرًا بنيويًا في مشروع الإصلاح الشامل الذي يستند إلى الإيمان بقدرة المرأة الأردنية على الإسهام في صناعة القرار والتأثير في صياغة السياسات الوطنية..
أما بالنسبة للأحزاب السياسية في الأردن، فهي لم تلزم – منذ عودتها الى الحياة السياسية عام 1992- بوجوب تضمين المرأة ضمن أعضائها ، حتى عام 2012 حيث اشترط القانون تخصيص كوتا للمرأة بنسبة 10% من الأعضاء بشكل عام ، مع ذلك بقي دور المرأة في الحزب منحصر كتابع بدل من تطويره للوصول الى الأدوار القيادية، بعدها جاء قانون الأحزاب رقم (39) المعدل لعام 2015 لكنه لم يتضمن أي نص يتعلق بالمرأة في الحزب، حتى عام 2022 حيث جاء قانون الأحزاب السياسية رقم (7) نتيجة لمخرجات التحديث السياسي الذي اهتم بزيادة نسبة المشاركة السياسية للمرأة، فقد ألزمت هذه الخطة بالقوانين التي تبنتها بإدراج امرأتين على الأقل ضمن أول ستة أعضاء ضمن قوائم المرشحين للانتخابات النيابية و الأحزاب -بواقع امرأة لأول 3 مرشحين وامرأة ضمن المرشحين المدرجين في الخانة 4 إلى 6-،كما الزم القانون المعدل لعام 2022 بتخصيص كوتا للمرأة بنسبة 20% من الأعضاء المؤسسين حسب الفقرة (أ) من المادة (11)، الأمر الذي يعمل على نقل دور المرأة الى الأدوار القيادية في الأحزاب و يساعدها في الحصول على الدعم المادي و المعنوي عند الترشح لمجلس النواب الأمر الذي افتقرت له القوانين السابقة.
تتوافق هذه التطورات مع اتجاهات القياس الدولية؛ فبحسب تقرير قناة المملكة الإخبارية الذي صدر في تاريخ 15 نيسان/أبريل 2025 فقد أشارت وزيرة التنمية الاجتماعية معالي السيدة وفاء بني مصطفى خلال مشاركتها في المنتدى العربي للتنمية المستدامة 2025 في بيروت إلى تحسن ترتيب الأردن ضمن “مؤشر الفجوة الجندرية العالمي ” لعام 2024 فقد ارتفع تصنيف الأردن من درجة 124 عام 2023 الى 115 عام 2024 من بين 146 دولة ،و فيما يخص “مؤشر المرأة و الأعمال و القانون” بحسب تقرير البنك الدولي فقد سجل الأردن ارتفاع بمقدار 12.7 نقطة حيث ارتفع من 46.9 عام 2023 الى 59.6 عام 2024 نتيجة التعديلات و الإصلاحات التي أدخلت الى القوانين و الخطط الاصلاحية . بناء عليه يمكن القول بأن التعديلات التشريعية التي أقرت ضمن منظومة التحديث السياسي لعام 2022 لم تسهم فقط في رفع نسب تمثيل المرأة رقميا، بل أسست لانتقال نوعي في موقعها داخل البنية السياسية الأردنية من المشاركة الوصفية العددية الرمزية إلى الفعل المؤسسي، و يتوقع أن ينعكس هذا المسار خلال السنوات القادمة على نضج التجربة السياسية البرلمانية و الحزبية للمرأة الأردنية، الأمر الذي يعزز استدامة الإصلاح السياسي و يقلل تدريجيا الاعتماد على نظام الكوتا، ضمن مسار تقوده الدولة نحو تمثيل قائم على الكفاءة و التنافس.


