إشراف: أ.د. حسن المومني
اعداد مساعد الباحث : بلال العضايلة
قبل بضعة أيام هدّد ترامب بأن أسطول أرمادا بحري في طريقه للاكتمال قرب إيران، وسرعان ما خضعت “أرمادا” ترامب للتحليل من زاوية عملياتية عسكرية، إذ أن أرمادا هي أسطول عسكري بحري إسباني كان له صولات وجولات في أوروبا، وارتبط هذا الأسطول بموقع إسبانيا كقوة رئيسية أوروبية في العصور الوسطى. إلا أن هذا الأسطول اصطدم بالقوة البحرية البريطانية خلال سنوات الحرب الأنجلو-اسبانية 1585-1604، إذ نجحت هذه القوة في تحطيم أرمادا الإسبان عام 1588، ولتصبح هذه الهزيمة نقطة تحول في تنافسية القوى العظمى الأوروبية ولتبدأ قوة إنكلترا تتعاظم على حساب المملكة الإسبانية.
وقد أثار الحشد البحري الإسباني حينها ذعرا في انكلترا، ووثق هذا الذعر رائد المدرسة الواقعية، توماس هوبز (1585 – 1679)، في عبارة لا تزال تحتل صدى في أدبيات النظرية السياسية، إذ استهل ظروف حياته في كتابه الأيقوني المرجعي “اللفياثان” بالقول : ولدت أنا والخوف توأمين، في إشارة إلى ولادته المبكّرة بسبب خوف والدته من حشد أرمادا العسكري. وقد انعكست عاطفة الخوف على أفكار هوبز بصورة جلية، وجاءت أفكاره في العلاقات الدولية لتأسس نظرياً حالة الطبيعة التي تخلو من وجود سلطة عليا “الأناركية”، والتي تتصف بحالة قصوى من التنافس الجشع لتعظيم القوة على حساب الآخر من أجل الحفاظ على الوجودية ونزع مصادر التهديد المحتملة.
واعتُبرت أفكار هوبز نقطة أساس في النموذج الواقعي لفهم العلاقات الدولية، فمنه برزت مفاهيم حفاظ الدولة على وجوديتها، وسباق التسلح، والأناركية، ومعضلة الأمن. والعامل المحرّك في كل ذلك هو الخوف المتأصل من فقدان الحياة سواء كان الأمر يتعلق بحياة الفرد أم الدولة، فهذا الخوف هو الذي يدفع الأفراد للتنازل عن حريتهم المطلقة لصالح كيان أعلى هو الدولة – أسماه هوبز اللفياثان – يحتكر القوة ويحفظ حياة الأفراد المنضوين في عقد الدولة الاجتماعي. ولأن النظام الدولي يفتقر إلى مثل هكذا كيان فإن هوبز الواقعي نظر إلى العلاقات الدولية على أنها حالة فوضى يُحارب الكل فيها الكل في ظل غياب لفياثان دولي يُنظم ويحدد العلاقات الدولية
و بإسقاط أرمادا الإسبان على أرمادا ترامب التي تتحشد ضد إيران، يمكن القول أن النظام الدولي يعيش حالة من أناركية القرن الحادي والعشرين المتّصلة بظرف انتقالي مفتوح على كل الاحتمالات، وسط تراجع الاهتمام بالقواعد المسيّرة للنظام الدولي، وعودة تنافسيّة القوى العظمى الأوروبية في القرن التاسع عشر لتكون نموذجاً صالحاً للقياس على التنافسية الدولية في القرن الحادي والعشرين.
وتؤكد استراتيجية البنتاغون الدفاعية المُعلنة أواسط يناير 2026 سيطرة المنطق الأحادي “الأناني” المبتعد عن العمل الدولي متعدد الأطراف، فجاءت الاستراتيجية صريحة في تأكيد وتعريف المصالح الأمريكية التي ترتبط بأمنها القومي المباشر، فلم تعد مسألة دعم الحلفاء تحتل أولوية إلا بقدر ارتباط هذا الدعم بالمكاسب الأمريكية. وبالتالي نظام العون الذاتي “self – help system” الذي طرحه هوبز قبل 4 قرون يعد مفتاحياً لفهم النظام الدولي الحالي.
أمام هذه القراءة يبدو أن ترامب يستعير تاريخيا الأرمادا لإسقاطها على إيران، بغية إحراز تغيير جوهري في هذه الدولة المعضلة منذ بداية الثمانينات وأزمة رهائن السفارة الأمريكية في طهران. ووسط سيطرة البعد العملياتي الذي يحلل ميدانياً وعسكرياً الحشدَ الأمريكي قربَ إيران، لا بد من توفير قراءة سياسية لهذا الأرمادا، فليس بالضرورة أن يُتوج التحشيد العسكري الأمريكي بضربة ضد إيران، ذلك أن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران تتمثل بتحقيق (صفر تخصيب نووي، تقليم برنامجي الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، إعادة ضبط علاقة إيران مع كوريا الشمالية والصين وروسيا، تغيير منطق سياستها الخارجية) وكل هذه الأهداف يصعب تحقيقها بعملية عسكرية في إيران التي تبلغ مساحتها 1.6 مليون كيلو متر مربع – أي قرابة 4 أضعاف مساحة العراق.
فما يجري من تحشيد عسكري ليس الغاية الحقيقية منه تجهيز مسرح عمليات ضد إيران، وإنما تجهيز طاولة تفاوض ترغِم طهران على تقديم تنازلات جدّية عبر خلق وضع تفاوضي تتفوق فيه أمريكا على إيران.وبالتالي لا بد من قراءة التحشيد الأمريكي من زاوية استراتيجية سياسية وليس من زاوية عسكرية عملياتية، فسياسة حافة الهاوية وإدارة صراعات ما دون العتبة “sub-threshold conflicts” قد تنتهي بحل تفاوضي وليس بعملية عسكرية، وهو ما يُطلق عليه في أدبيات التفاوض الواقعي بالدبلوماسية المستندة على القوة Diplomacy Backed by Force أو الدبلوماسية الإرغامية “Coerceive Diplomacy”.
ووسط ترنح السيناريوهات بين عملية عسكرية كبيرة تقوض شوكة النظام الإيراني أو التوصّل إلى حل تفاوضي، فإن الخوف الهوبزي مفتاح فهم ما يدور في النظام الإقليمي، والنظام الدولي أيضا. وفي قراءة تالية سيتم إسقاط هذا الخوف على النظام الدولي وما إذا كان الرعب النووي في القرن الحادي والعشرين هو مكافئ الخوف الهوبزي في القرن السابع عشر!.


