مساعد باحث: بلال العضايلة
علاء القضاة
في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يُعد قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من عضوية الولايات المتحدة في نحو 66 منظمة دولية، خطوة استراتيجية ذات تداعيات عميقة ومتعددة الأبعاد، هذا القرار لا يمثل مجرد تعديل في السياسة الخارجية أو إعادة ترتيب للأولويات المالية، بل يشكل صدمة هيكلية للنظام الدولي متعدد الأطراف ككل، وللمجتمع المدني العالمي على وجه الخصوص ، بحيث انه وخلال العقد الماضي، شكلت الولايات المتحدة العمود الفقري المالي والسياسي للعديد من الوكالات الأممية والمنظمات الدولية، حيث ساهمت بنسب تتراوح بين 22% و28% من التمويل الطوعي السنوي لهذه الجهات وفقاً لتقارير الأمم المتحدة الرسمية، وكان هذا الدعم يتجاوز كونه تمويلاً مالياً بحتاً، إذ كان يمنح المنظمات الأهلية درجة من الاستقرار التشغيلي والثقل السياسي الذي يتيح لها العمل في بيئات معقدة وخطرة ، ولكن مع الانسحاب الأمريكي، يواجه المجتمع المدني العالمي أزمة وجودية متعددة المستويات، على الصعيد المالي يتعرض أكثر من 40% من المنظمات غير الحكومية العاملة عالمياً لخطر مباشر نتيجة اعتمادها الجزئي أو الكلي على مصادر تمويل أمريكية، سواء من خلال المنح المباشرة أو البرامج المشتركة مع وكالات الأمم المتحدة، ويتجلى الأثر بشكل أكثر حدة على المنظمات المحلية في دول الجنوب، والتي تشكل نحو 70% من الفاعلين الفعليين على الأرض، وتفتقر في الغالب إلى احتياطات مالية تمكنها من امتصاص الصدمة.
في المجال الإنساني، يصبح التأثير أكثر وضوحاً وحِدة، إذ كانت واشنطن تغطي في بعض الحالات ما بين 30-35% من التمويل المطلوب للاستجابة للأزمات الإنسانية الكبرى، ومع تراجع هذا الدور تنخفض القدرة الجماعية على الاستجابة السريعة والمستدامة، خاصة في مناطق النزاع المزمن في إفريقيا والشرق الأوسط، ولا يقتصر الأمر على نقص الأموال، بل يمتد إلى تدهور القدرة على التنسيق الدولي وإدارة سلاسل الإمداد الإنسانية ، اما على صعيد حقوق الإنسان، يُضعف الانسحاب الأمريكي المنصات الدولية التي تعتمد عليها المنظمات المدنية لتوثيق الانتهاكات وعرضها على الرأي العام العالمي، حيث تشير الدراسات إلى أن أكثر من 60% من الملفات الحقوقية العابرة للحدود تمر عبر آليات أممية أو شبه أممية، وكان التمويل الأمريكي يشكل ما بين 15-20% من ميزانيات برامج الرصد وبناء قدرات المنظمات المحلية، ومع تراجع النفوذ الأمريكي داخل هذه المنصات، يتسع الفراغ السياسي لصالح قوى أخرى قد لا تضع حقوق الإنسان ضمن أولوياتها، مما ينعكس على طبيعة القرارات والمعايير الدولية المُنتجة ، وفي ملفات أخرى بالغة الحساسية مثل التغير المناخي والصحة العالمية، تظهر الخسائر بوضوح، إذ كانت الولايات المتحدة تساهم بنحو 20% من تمويل المبادرات المدنية المتعلقة بالمناخ، وبأكثر من 25% من ميزانيات برامج مكافحة الأوبئة، ويؤدي غياب هذا الدعم إلى تراجع قدرة المنظمات على أداء وظائف المراقبة والمساءلة والدعم الفني للأنظمة الصحية الوطنية الضعيفة.
على المستوى السياسي والرمزي، يُمنح الانسحاب ذريعة قوية للحكومات السلطوية لتشديد قبضتها على المجتمع المدني، وقد أظهرت تقارير قانونية حديثة ارتفاعاً بنسبة تقارب 20% في التشريعات المقيدة للعمل الأهلي في الدول التي تتبنى خطاب السيادة الوطنية، كما يزداد الاعتماد على مصادر تمويل خاصة أو إقليمية، والتي غالباً ما تأتي محملة بأجندات محددة، مما يقلص من حرية الحركة والمرونة التي كانت تميز العمل المدني التقليدي ، بحيث يُسرع انسحاب الولايات المتحدة من المنظمات الدولية اتجاهاً موجوداً أصلاً نحو تراجع النموذج الليبرالي الدولي للعمل المدني الذي تبلور بعد انتهاء الحرب الباردة، ويدخل المجتمع المدني العالمي مرحلة انتقالية قسرية تتحول فيها الأولوية من التوسع والتأثير إلى البقاء والاستدامة الدنيا، في ظل نظام دولي يتسم بدرجة أعلى من التسييس ودرجة أقل من الدعم متعدد الأطراف ، هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية المجتمع المدني، لكنه يفرض عليه إعادة اختراع ذاته في ظروف أكثر قسوة ومحدودية، مما يستدعي استراتيجيات جديدة للتمويل و للتحالفات، ولأنماط العمل ذاتها و يمكن القول انه يجب على الدول التي تعتبر نفسها مُستفيد أول من تمويل هذا المنظمات ، ان تسأل نفسها ماذا يعني أن تتخلى الولايات المتحدة عن تمويل هذه المنظمات ؟ ، هل هذا السلوك السياسي مؤشر واضح لهذه الدول لتبحث عن بديل ؟ ومن هذا البديل ؟.
التداعيات الشرق أوسطية
لطالما كانت المنظمات الدولية، سواء تلك المتفرّعة من الأمم المتحدة أو المستقلة عنها، واحدة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة، فمولت المشاريع المدعومة أمريكياً منظمات تعمل على سد فجوة تنموية أو إغاثية في كثير من دول المنطقة في مختلف المجالات.
وبالنظر إلى أنواع المنظمات التي شملها قرار الانسحاب الأمريكي، فإن بعض القطاعات قد تلمس أثر هذا الانسحاب، كقطاع الطاقة المتجددة وإدارة جهود الحد من التغير المناخي، ذلك أن القرار الأمريكي تضمّن الانسحاب من معاهدات ومؤسسات المناخ، وهو ما قد يقلّ الدعم الفني والنقدي لمشاريع الطاقة البديلة في دول تهدف إلى التحول الطاقة كالأردن والمغرب ومصر، كما أن الانسحاب الأمؤيكي من هذه المنظمات قد يحرمها – أي المنظمات – الاستفادة من المعرفة العلمية التي توفرها المؤسسات الأمريكية.
والأمر نفسه ينطبق على المنظمات الصحية ( تحديداً المعنية بكافحة الأوبئة) والمعنية بدعم اللاجئين وقضايا حقوق الانسان ودعم استقرار مجتمعات ما بعد الصراعات، فهذه القطاعات تقع في قائمة المنظمات التي شملها قرار الانسحاب وبدرجات متفاوتة.
بطبيع الحال تعاني منظمات المجتمع المدني الشرق أوسطية ضائقة مالية بسبب جفاف مصادر التمويل منذ جائحة كورونا وما تلاها من أزمة أوكرانية أعادت توجيه كثير من المخصصات المالية من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا ودعم لاجئيها، وليأتي قرار حل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية “USAID” في مارس 2025 ليضاعف من الأعباء المالية لكثير من منظمات المجتمع المدني سواء تلك التي ترتبط بعلاقة تمويلية مع الوكالة أو لا ترتبط، لأن الأمر لا يتعلق فقط ببعد مادي تمويلي وإنما له بعد رمزي قيمي يتصل برؤية واشنطن للعالم وكيفية إدارته.
في المقابل، يمكن التطرق إلى زوايا إيجابية في قرار الانسحاب الأمريكي من منظمات دولية، فبعض عواصم المنطقة عانت كثيراً من موضوع تسييس حقوق الانسان وتسليط المنظمات الدولية كوسيلة للتدخل أو لتبرير التدخل في شؤون دول المنطقة، وتوفّر الفترة الزمنية لإدارة أوباما الأولى خلال ما اصطُلح على تسميته “الربيع العربي” مثالاً على الدور السلبي لتسييس المنظمات الدولية.
كما أن الانسحاب التمويلي الأمريكي يمكن له أن يشجع دول المنطقة على إيجاد صيغ إقليمية بديلة لملئ الفراغ المؤسسي عبر تطوير أطر تعاون إقليمي مشترك وتقليل الاعتماد على الدور الأمريكي، فبعض الدول، كالسعودية مثلاً، يمكن لها أن تشكّل رافعة تمويلية مهمة في هذا الصدد، وهذا الأمر يسهم في تعزيز الشراكات الإقليمية بما يساهم في تقليل حدة الاستقطاب ويشجع التعاون في قضايا غير سياسية الطابع “Low -Politics Issues”.
استراتيجية الأمن القومي 2025 والقواعد “المقبولة أمريكياً”
لا يمكن فهم منطق السياسة الخارجية الأمريكية التي تتبناها إدارة ترامب دون اعتبار شعار “أمريكا أولا” حجر الرحى في هذه السياسة، فهذا الشعار يُعلي من قيمة المصالح المادية الأمريكية ويرهن القرارات الخارجية إما بتعظيم المكاسب أو تقليص الأعباء الأمنية. وقد شكّل “أمريكا أولا” صدمة في إدارة ترامب الأولى لأنه تحدى اعتبارات شكلية وفعلية حكمت سلوك واشنطن الدولي، وتراجعت هذه الصدمة في إدارة ترامب الثانية ليس لحدوث تغير في “أمريكا أولا” وإنما لأن العالم أخذ بالتكيف مع متطلبات واستحقاقات هذه السياسة التي توصف بالانعزالية سياسياً وبالحمائية تجارياً.
وجاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي المُعلنة في ديسمبر 2025 لتضفي مزيداً من التعقيد على هذه السياسة التي سرعان ما أعادت إلى الأذهان مبدأ مونروو، واعتبرها ترامب ملحقاً بهذا المبدأ. وكانت “غزوة” العزم المطلق التي أدّت إلى اقتياد الرئيس الفنزويلي مخفوراً إلى محاكم نيويورك التطبيق العملي لهذا المبدأ. ولم يخفِ ترامب التأثر بهذا المبدأ الذي دعا إلى تعديل تسميته ليصبح مبدأ دونرو “دونالد + مونرو”.
هذه التغييرات في الوثائق الأساسية والمبادئ العامة التي تؤطر عمل سياسة ترامب الخارجية تنسجم تماماً مع سياسة انتقائية في تفاعلاتها، فالمنظمة الدولية التي لا تتسق مع المصالح والقيم المرغوبة أمريكياً – مع أن ثمّة جدال على ماهية الرغبات الأمريكية في عهد ترامب- يتم الانسحاب منها ليس فقط لاعتبارات مادية أو لتوجيه مخصصاتها المالية نحو الداخل الأمريكي، وإنما أيضاً لمعاقبة هذه المنظمات على ما تحمله من قيم وما تروّج له من قضايا مجتمعية، كتلك المتصلة بحقوق بعض الفئات المهمشة أو حقوق المثليين أو مشاريع تمكين المرأة، وكثيراً ما هاجم ترامب وسياسيون محافظون هذه المنظمات التي تتبنى هذه المطالب. وبالتالي يمكن القول أن الانسحاب من هذه المنظمات يتصل بالِشأن المحلي الأمريكي بمثل ما يتصل بالشأن الخارجي.
الخلاصة
لا يمكن قراءة القرار الأمريكي بالانسحاب من منظمات دولية على أنه قرار منفصل أو معزول، بل هو يأتي متسقاً مع تحولات استراتيجية تريد إدارة ترامب تكريسها متصلة بسياسة أمريكا أولاً وتفضيل الطابع الأحادي على العمل متعدد الأبعاد عند إدارة الشؤون الدولية. فإدارة ترامب تحاول فك الارتباط مع ما تقيّمه على أنه تركة ثقيلة من أعباء القيادة التي تراكمت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ولكن فك الارتباط هذا محسوب بدقة بما يراعي عاملين: الأول هو عدم تأثر المصالح الحيوية الأمريكية سلباً، والثاني عدم افساح المجال لاستغلال منافسي وخصوم واشنطن (كالصين وروسيا وإيران) لهذا الفكاك الأمريكي. وهنا لا بدّ من متابعة ردة الفعل الصينية على قرار واشنطن الانسحاب من منظمات دولية، إذ أن الصين تعتبر ثاني ممول لميزانية الأمم المتحدة عام 2025 بواقع 20%، في حين تعد أمريكا هي الممول الأول بنسبة 22%.
ولكن من المستبعد أن تقوم بكين بتسريع تمويلها لمنظمات دولية لأن ذلك يتعارض مع نهجها المتوازن التدريجي، ولأن هذا التمويل ليس فقط مجرد حوالة مالية وإنما يرتبط به التزامات سياسية قيمية قد لا تحبّذها الصين في المرحلة الحالية، ولكن استمرار الانكفاء الأمريكي عن إدارة المنظمات الدولية وتصاعد الدور الصيني في هذا المجال قد يتحول ليكون إدارةً للشؤون الدولية المتصلة بهذه المنظمات، وهو الأمر الذي سيكون له أبعاد سياسية استراتيجية على النظام الدولي.


