تقدير الموقف

إشراف: مدير المركز الاستاذ الدكتور حسن المومني

إعداد: الباحثة المتفرغة د. تمارا زريقات، ومساعد الباحث بلال عضايلة

لم تكد احتفالات بدء العام الجديد تهدأ حتى قامت وحدة دلتا في القوات الخاصة الامريكية بعملية غير مسبوقة نجحت فيها في جلب الرئيس الفنزويلي، مادورو، وزوجته، من إحدى غرف المكان المحصّن الذي يقيمان فيه في العاصمة كاراكاس إلى الأراضي الأمريكية وتحديداً إلى مدينة مانهاتن في نيويورك. توّجت هذه العملية مسار من التصعيد السياسي واللفظي من إدارة ترامب تجاه الرئاسة الفنزويلية بسبب ما بدا أنه تعمّد فنزويلي لإغراق الأراضي الأمريكية بالمخدرات بطريقة تضر بالسلم الأهلي وتعرض الأمن القومي للخطر.

وبالفعل استلمت سلطات إنفاذ القانون ومكتب مكافحة المخدرات “المتهم مادورو” بناءً على مذكرة اعتقال سابقة صدرت بحقه إبان إدارة ترامب الأولى تمهيداً لمثولة أمام القضاء الأمريكي بتهم “التآمر لارتكاب جرائم إرهاب المخدرات، والتآمر لاستيراد الكوكايين، وحيازة أسلحة رشاشة وأجهزة تدميرية ضد الولايات المتحدة”. إلا أن السياق الذي تمّت فيه العملية لا يدع مجالاً للشك بأن ما جرى يتجاوز الحرب الأمريكية على المخدرات ويتصل بإدارة النفوذ الدولي وتثبيت واشنطن لحدود وقواعد فيما يتعلق بمحيها الجيوسياسي.

ففنزويلا الواقعة على ضفاف البحر الكاريبي تعد ساحة خلفية لصيقة للأمن القومي الأمريكي وترتبط بمبدأ راسخ في أسس السياسة الخارجية الأمريكية هو مبدأ مونرو نسبة للرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو 1817-1825 الذي أدار سياسة خارجية انصبّت على دعم استقلال كل دول نصف الكرة الغربي من التدخلات الأوروبية ومنح شعوب أمريكا اللاتينية حق تقرير المصير، في المقابل تلتزم الولايات المتحدة الحياد فيما يتعلّق بالشؤون الأوروبية.

أصبحت هذه السياسة الخارجية تعرف باسم “عقيدة مونرو” كناية عن رسوخها كتقليد ثابث لا يتزعزع في الاعتبارات الأمريكية، ومنذ أن تم تحييد الوجود الأوروبي في أمريكا الجنوبية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، تمكّنت واشنطن من التفرغ لقضايا محلية وتطوير اقتصادها وجيشها بعد أن أمنت محيطها من التهديدات الدولية. في المقابل كانت أوروبا منهمكة في التعامل مع تبعات ما بعد الحروب النابليونية وحرب القرم بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية (1853-1856)، وبلغ الاضطراب الأوروبي ذروته في الحربين العالميتين التي لم تكن الأراضي الأمريكية إحدى ساحاتها، وتُوجت الولايات المتحدة الأمريكية كقطب قوي معافى يمتلك فائض قوة يتجاوز تأمين اقليمه المحيط لتصبح اعتبارات الزعامة والهيمنة الدولية في صميم الاعتبارات الأمريكية.

لم يكن لواشنطن أن تمارس الزعامة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية لولا أن كانت مسبقاً قد أمّنت محيطها الجيوسياسي، وهنا امتزجت عقيدة مونرو مع المدرسة النيوواقعية في العلاقات الدولية، إذ تفترض هذه المدرسة – وتحديداً الواقعية الجديدة التي يعد المنظر جون ميرشايمر أبرز المتبنين لها- أن لا يمكن لأي دولة أن تدعي أنها دولة عظمى وذات حضور دولي ما لم تكن مهيمن إقليمي “Regional Hegomon” في نطاقها وأن لا ينافسها منافس في هذا النطاق.

بهذا الاتجاه لا بد لأي دولة رئيسية أن تحسم مسألة النفوذ في إقليمها قبل أن تتفرّغ إلى النفوذ الدولي. وعليه، يبدو مفهوماً الحرص الأمريكي على أن لا يتم كسر قواعد النفوذ في البحر الكاريبي، فحتى في أوج الحرب الباردة ورغم استعار التكتلات في أوروبا وآسيا؛ حرصت واشنطن على عدم زعزعة الستاتس كو -الوضع القائم- في أمريكا الجنوبية، وتقدم أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 المثال على ذلك.

وبالتالي لا بد من فهم الدوافع الأمريكية وراء عملية “العزم المطلق – Absolute Resolve” التي لم تكن في الدرجة بهدف التخلص من رأس النظام ولا حتى التحكم في ما يصل إلى 300 مليار برميل نفط من الاحتياطات الفنزويلية – الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً تقريباً من النفط – وإنما هدفت العملية إلى البرهنة عملياً على التزام الولايات المتحدة الراسخ بعدم السماح بالإخلال بالوضع القائم في أمريكا الجنوبية  وإلى الإعلان بالقوة أن القارة الأمريكية منطقة مغلقة أمام تدخل القوى الخارجية في رسالة حادة إلى روسيا والصين.
وقد جاءت استراتيجية ترامب للأمن القومي المعلنة قبل أقل من شهر من عملية العزم المطلق لتقدم الأساس النظري والمفاهيمي لمبدأ مونرو في القرن الحادي والعشرين، وتفاخر ترامب في المؤتمر الصحفي الاحتفالي بعد العملية بأن عقيدة مونرو مهمة، لكن ما قامت به إدارته يتجاوزها إلى حد بعيد، مقترحاً تسمية العقيدة الحالية بعقيدة “دونرو” (دونالد + مونرو)، متوعداً في إطار الاستراتيجية الجديدة “لن تُمَسَّ بعد الآن السيطرة الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية”.

بكل الأحوال ثمة ترقّب لما ستسفر عنه “استراتيجية ترامب الجديدة” كما يصفها من تداعيات دولية، فمبدأ مونرو هو مبدأ انعزالي يملي على السياسة الخارجية الأمريكية اتباع نهج تفك فيه واشنطن ارتباطها بالقضايا البعيدة، إلا أنه هنالك شبه إجماع على أن ما جرى في كراكاس يتردد صداه في أزمات العالم العالقة بما فيها الشرق أوسطية، مما يتطلب فحص السياق الدولي الذي وقعت فيه غزوة فنزويلا.

سابقة يمكن القياس عليها

إن ما حدث في فنزويلا لا يمكن قراءته بوصفه عملية عسكرية أو أمنية معزولة، ولا حتى باعتباره تطورا خاصًا بأمريكا اللاتينية، بل هو لحظة تسجل في الالفية الثانية على غرار الأحداث ذات الدلالات البارزة في القرون الماضية، ويعبر في مضمونه عن انتقال مدروس في النهج الأمريكي من مرحلة إدارة الأزمات عبر العقوبات الطويلة إلى مرحلة إنتاج السوابق السياسية عبر الفعل المباشر، ثم إدارة التداعيات لاحقا، إذ أنه وبالربط مع الاستراتيجية الأمريكية يصبح المشهد أكثر وضوحا؛ حيث تناولت الوثيقة التأكيد على تفعيل النسخة المحدثة من مبدأ مونرو “The Trump Corollary to the Monroe Doctrine”، في إشارة لاستعداد واشنطن استخدام القوة لمنع خصومها من ترسيخ نفوذ استراتيجي في فضاءات تُعد حساسة لأمنها القومي ومصالحها الحيوية، خصوصا حين تتراجع فاعلية الأدوات التقليدية كالعقوبات.

فمنذ نهاية الحرب الباردة، شكلت العقوبات الأداة المفضلة للقوى الغربية في ضبط سلوك الدول((المخالِفة))؛ بهدف تجفيف الموارد وتعطيل التجارة وبالتالي خنق القطاعات السيادية، ليتحول الضغط الاقتصادي إلى تصدع سياسي داخلي، من دون الانزلاق إلى حرب؛ إلا أن الواقع، أظهر محدودية هذا المسار كما حدث في فنزويلا؛ فالعقوبات الطويلة أعادت تشكيل النظام الفنزويلي؛ وأنتجت اقتصادا موازيا، وشبكات بديلة، حولت الحصار إلى دليل على ((الصمود لا على الفشل)).

هنا تحديدا النهج الأمريكي الذي شهدناه مؤخرا في فنزويلا لم يكن قطيعة مع منطق العقوبات، بل تتويجا لتراجعها، والرسالة عُرضت علنا وعلى مرأى من العالم، مفادها: أن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة إذا لزم الأمر؛ كما حدث في فنزويلا للسيطرة على مؤسسات الدولة ومكامن الطاقة، وبالتالي نحن أمام توسيع في خطاب التحذير الأمريكي ليشمل الإقليم؛ وبهذه الصيغة فإن واشنطن تصدر إعلان غير مباشر عن قاعدة جديدة: عندما تستنفد أدوات الضغط الناعم دون نتيجة، فإن خيار الفعل المباشر يصبح مطروحا وإن كان مثيرا للجدل قانونيا.

لكن العبقرية الاستراتيجية هنا لا تكمن في استخدام القوة بحد ذاته، بل في اختيار المسرح؛ فنزويلا تمثل ما يُعرف في علم السياسة بـcross-theater signaling:،بمعنى تنفيذ حدث صادم في مسرح منخفض الكلفة نسبيا، لكن عالي الرمزية، لإعادة تشكيل حسابات أطراف في مسارح أعلى كلفة؛ أمريكا الجنوبية، تاريخيا، تُعد مجالا حيويا أمريكيا، حيث قدرة واشنطن على احتواء التصعيد أعلى، والمخاطر أقل مقارنة بالشرق الأوسط أو حتى أورآسيا؛ وبالتالي فإن الرسالة الحقيقية اليوم لم تكن موجهة إلى كاراكاس فقط، بل إلى طهران وموسكو وأنقرة وبكين وغيرها.

وفي ذات السياق يدور جدل متصاعد يقارن ما جرى في فنزويلا بسابقة بنما عام 1989، غير أن هذه المقارنة – رغم تشابه الأداة العسكرية- تحمل فارقا جوهريا في السياق والدلالة؛ فالتدخل الأمريكي في بنما جاء في لحظة تاريخية كانت فيها الولايات المتحدة تثبت هيمنتها الإقليمية وتعلن عمليا ميلاد نظام دولي أحادي القطبية مع أفول الحرب الباردة، أما فنزويلا اليوم، فإنها تمثل لحظة مختلفة تماما؛ تدخل رمزي في نظام دولي لا يزال تقوده الولايات المتحدة، لكنه لم يعد أحاديا بالمعنى التقليدي بل متعددا في مراكز القوة والتأثير في الصين، روسيا، إيران…..في ضوء تراجع فاعلية العقوبات فإن الرسالة الأمريكية أضحت واضحة للعالم كله؛ بأن هناك تغيير في القواعد والهدف ليس فنزويلا فقط.

لهذا يجد المراقبون والمحللون بأن فنزويلا تقلق عواصم كثيرة حتى تلك التي لا تتعاطف مع النظام الفنزويلي؛ لأن المسألة غير مرتبطة بمادورو أو غيره بقدر ارتباطها باحتمالية استنساخ أو قياس هذا الفعل ليصبح أداة سياسية عادية؛ وبالعودة لمربع الشرق الأوسط نجد أن انعكاسات هذا الحدث عميقة، تتجاوز حدود الجغرافيا الأمريكية اللاتينية؛ فالمنطقة تضم دولا خاضعة للعقوبات وتعيش ضغوط اقتصادية وساحات صراع بالوكالة؛ أي أن الرسالة من المحتمل أن تشمل طهران و بكين والمشهد الروسي الأوكراني؛ وهذا لا يعني بالضرورة تكرار نفس السيناريو؛ ولكنه يؤكد الجدية الأمريكية واستعدادها لاستخدام أدوات غير متوقعة لإعادة ضبط التوازنات بغض النظر عن الأسلوب والذي من المرجح أن يتجاوز المفهوم التقليدي للردع ولكنه يبقى مرتفع الرمزية والأثر.

إن ما جرى في فنزويلا يحمل دلالات إيجابية وأخرى سلبية؛ فمن الزاوية والمنظور الأمريكي ينظر للمشهد بأ،ه تحقيق لمكاسب استراتيجية واضحة من أهمها الجانب الاقتصادي خاصة النفط، وإعادة التأكيد بأن واشنطن مازالت تمتلك الإرادة والقدرة على الانتقال من الضغط الكلامي إلى التنفيذ، متى رأت أن أدواتها الأخرى استُنفدت؛ وهذه نقطة لا يمكن إنكارها، في حين يتمثل المكسب الثاني في إحداث صدى سياسي عابر للجغرافيا في مسارح أعلى كلفة وتعقيدا، دون أن تتحمل تبعات المواجهة المباشرة مع قوى كبيرة نسبيا، في نهج يندرج تحت بند الردع غير المباشر لضبط المنافسة مع دول كالصين وروسيا دون أن تقحم نفسها في حرب شامة. ومن جهة أخرى فإن المكسب الثالث يدور فلكه في إطار الداخل الأمريكي والمرتبط بالانتقادات الداخلية الموجهة للإدارات الأمريكية المتعاقبة بأنها مترددة وتفرط في الحذر وهذا يمنح صانع القرار الأمريكي مساحة حركة أوسع في مواجهة هذه الانتقادات.

لكن مقابل كل هذه الإيجابيات، تظهر سلبيات يحملها تساؤل مفاده: بأن هل ستعرض واشنطن نفسها بهذا الفعل للانتقال من فلك إدارة الأزمة إلى التورط في المستنقع؟

والإجابة المنطقية بأنها، وإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على امتصاص وإدارة الضجيج القانوني والإعلامي المرافق للفعل إلا أن تكرار هذا النمط قد يحول هذا الاستثناء إلى قاعدة؛ وبالتالي تآكل الشرعية الأمريكية القائمة على تقديم نفسها كحارس للنظام الدولي والقانون الدولي وقواعده؛ وهذا بالضبط ما حدث بعد اجتياح العراق عام 2003، فالكلفة الاستراتيجية لما بعد الاجتياح العسكري للعراق تراكمت في صورة فقدان الثقة وتنامي الخصوم وتراجع القدرة على حشد التحالفات، وفي هذا السياق اذا ما وضعنا في الحسبان اللحظة التي تلي اعتقال (مادورو) والمتمثلة بضبط الفراغ الأمني وإدارة الانقسامات وتجنب الفوضى، من منطلق ((من يفتح الباب عليه تحمل مسؤولية ما بعده))، فإن الولايات المتحدة ستواجه نسخة أخرى من عراق ما بعد الغزو، ولكن هذه المرّة في جوارها القريب! 

وبالتالي على واشنطن أن تضع في الحسبان بأن الإقدام على هذا النمط وتكراره في المستقبل قد يدفع الخصوم لتطوير استراتيجيات مضادة تتراوح بين زيادة الاعتماد على الوكلاء وتعميق التحالفات الاقتصادية والعسكرية، أو حتى نقل سالثراع إلى مسارح أقل قابلية للضبط.، وبالتالي تعقيد المشهد بدلا من تبسيطه.

الخلاصة أن ما جرى في فنزويلا يعكس مفترق طرق في السلوك الأمريكي، يمكن قراءته كتعزيز ذكي للردع لكنه قد يتحول إلى بوابة مستنقع جديد إذا لم يحسن الإعداد للحظة التي تلي الفعل؛ لكن وفي ضوء كل ذلك تبقى فنزويلا علامة على دخول النظام الدولي مرحلة جديدة تقوم على الردع الانتقائي، ومن يقرأ فنزويلا كقصة محلية، قد يفاجأ بأن أثرها الحقيقي يُكتب في مسارح أبعد بكثير من شواطئ الكاريبي!

تثبيت القواعد الدولية المقبولة أمريكيا

تشهد القواعد المسيّرة للنظام الدولي أو ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ”النظام الدولي القائم على القواعد – Rules Based International System” مرحلة انتقالية يتم فيها تحدي بعض من هذه القواعد  والتي اتخذتها واشنطن منذ الخمسينات أساساً لإدارة تفاعلاتها الخارجية. لم يعد كسر القواعد مقتصراً على خصوم ومنافسي الولايات المتحدة، فمع تراكم أعباء القيادة الدولية برز نهج سياسي أمريكي يعبّر عنه ترامب – وحركة MAGA – لا يكترث ببعض أسس النظام الدولي الذي نسجته واشنطن أصلاً بعد الحرب العالمية الثانية.

فتمّ إهمال قضايا مثل الديمقراطية وحقوق الانسان والالتزام بالعمل الدولي متعدد الأطراف، فأصبحت واشنطن أكثر ميلاً إلى رهن تحركاتها بنطاق أمنها القومي الضيّق المرتبط بالريادة التكنولوجية والتفوق العسكري والتقدم الاقتصادي. وتأتي عملية “العزم المطلق” لتقر حقيقة أمريكية جديدة: لم يعد التدخل الإنساني هدفاً بل العمليات الجراحية المرتبطة بالداخل الأمريكي، فالتهديدات الناشئة المرتبطة بالعصابات وتهريب المخدرات تتطلب حسماً عسكرياً، مما يضع هذه التهديدات في مرتبة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة.

وكأن لسان حال واشنطن ينطق بأنها لا تزال قادرة على التصرّف كوكيل آمر “Ordering Agent” في النظام الدولي، سواء للتحرك ضد خطر جغرافي قريب انطلاقاً من عقيدة مونرو، أو للتحرك لتأمين الملاحة في الخليج العربي انطلاقاً من عقيدة كارتر، وهو ما يعني أن ما جرى في كراكاس يهدف إلى بث رسائل تخاطب وعي ومدركات صناع القرار في العواصم الرئيسية بأن واشنطن جادة في إنفاذ إرادتها الدولية، وهذه الرسائل تندرج في كونها استعراضاً للقوة وتثبيتاً لصورة الزعامة الأمريكية وتكريساً لحالة الردع التي تلجم الدول المنافسة من التعدي على الخطوط الحمر الدولية.
وهنا لا بد من مراقبة ردة الفعل الاستراتيجي على العملية الأمريكية في العواصم الرئيسية، إذ أن استعراض القوة أحياناً يقود إلى إثارة حفيظة دول أخرى بما يرفع من وتيرة الاستنفار الدولي وقد يقود إلى زيادة حدة الرفض للتوجهات الأمريكية.
إذا ما انتقلنا إلى انعكاسات ما جرى في فنزويلا على الشرق الأوسط، يتضح أن تداعيات الفعل الأمريكي لا تنفصل عن السياق الإقليمي الأوسع، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي. ففي هذا الإطار، تبرز احتمالية تراجع أولوية ملفات مزمنة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، على جدول القرار الأمريكي، لا بوصف ذلك انسحابًا من الدور، بل انتقالًا مدروسًا إلى نمط إدارة الأزمة ومنع الانفجار، في ظل انشغال واشنطن بترميم الردع وإعادة ضبط السلوك في مسارح أخرى.

ولا تكتمل قراءة ما جرى في فنزويلا دون استعراض البعد النفطي، بوصفه إحدى أهم أدوات إعادة ضبط النظام الدولي، وأحد المفاتيح المركزية للفهم الاستراتيجي للحدث؛ إذ تكتسب واشنطن، من خلال سيطرتها على مفاصل القرار في دولة تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في العالم، قدرة إضافية على التأثير في معادلات العرض والطلب في سوق الطاقة العالمي، وما يترتب على ذلك من ارتدادات مباشرة وغير مباشرة على الدول الأعضاء في تحالف أوبك+.

وبمعنى أدق، يجري توظيف فنزويلا كورقة ضبط وتحكم أمريكي متزايد داخل سوق الطاقة، بما يضع الدول الأعضاء في أوبك+ أمام مفارقة دقيقة: التوفيق بين حماية مصالحها الاقتصادية النفطية، والحفاظ على هوامش سيادتها، في نظام دولي يتجه بوضوح متزايد نحو الارتكاز على القوة لا التوافق.

وهو ما يفضي عملياً إلى إضعاف التوازنات والتحالفات الداخلية داخل أوبك+، وتوسيع هامش التأثير الأمريكي في القرارات السيادية الحرة للدول الأعضاء، لا سيما في اللحظات الحرجة، ودفعها طوعاً لا قسراً إلى التكيف مع الرغبات الأمريكية تحت ضغط الواقع الجيوسياسي الجديد.