تقدير الموقف

اشراف: أ.د. حسن المومني

إعداد الباحث المتفرغ : د. عماد الحمادين

اولا: خلفية الموقف

تشهد الجهود الدولية الرامية إلى إنشاء قوة استقرار دولية في قطاع غزة تبايناً واضحاً في مواقف الدول المعنية بسبب الغموض الذي يلف حدود وصلاحية ودور هذه القوة. ففي حين أبدت بعض الدول الإسلامية غير العربية، مثل إندونيسيا وأذربيجان وباكستان، استعداداً مبدئياً للمشاركة، ما تزال هذه الدول مترددة في الانتقال إلى مرحلة التنفيذ. في المقابل، ترفض الدول العربية الانخراط العلني في هذه القوة، نظراً لحساسية المشهد الفلسطيني وتعقيداته السياسية والأمنية. ضمن هذا السياق تبرز تركيا بوصفها الدوله الاكثر اندفاعا نحو لعب دور قيادي في قوة الاستقرار.تنطلق تركيا كما اوضح وزير خارجيتها من ان موضوع غزة شائك وبالغ التعقيد ويتطلب المحافظه على مصالح الفلسطينيين وضمان تدفق المساعدات واعمار غزة وترى ان هذه المهمه لكي تنجح تتطلب قوة محترفه ومقبوله من طرف حماس وباقي فصائل المقاومه الفلسطينيه في عزة. وهو شرط تعتبرة انقرة اساسيا لاستدامة اي ترتيبات امنيه مستقبليه.

ثانيا: جوهر الخلاف التركي -الاسرائيلي

تختلف تركيا مع اسرائيل في نظرتها لموضوع سحب سلاح الفصائل فبينما ترى اسرائيل ان نزع السلاح يجب ان يكون مدخلا للمرحلة الثانيه من الخطة الامريكيه للسلام تقدم تركيا مقاربةمختلفه.  فهي لا ترى ضرورة لنزع السلاح في المرحله الثانية من الاتفاق وانما في مرحله لاحقة بعد ادخال المساعدات واعادة الاعمار وتثبيت خطوط التماس ومن ثم يطلب من الفصائل تسليم السلاح. وقد اقترح الرئيس اردوغان ان يتم تاجيل سحب السلاح لمدة عامين ولكن اسرائيل رفضت لعلمها ان تاجيل سحب السلاح يعني ان السلاح لن يسحب بل سيتطور اكثر وتصبح الفصائل مواليه لتركيا بعد ايران. هذا تفصيل ترى اسرائيل فيه ا ان حماس ستستمر في المماطله بتسليم السلاح وستعيد بناء قدراتها مع دخول المساعدات.

 اسرائيل تنظر الى ان تركيا غير محايدة في هذه المساله وتتهم القيادة التركيه المنتميه الى تيار قريب من الاخوان السلمين يتبنى اجندة معادية لاسرائيل وان لديهم اجندة غير واضحه في غزة.  ومن هذا المنطلق فان الزيارة التي سيقوم بها نتنياهو الى امريكا قريبا سيكون محورها الرفض الاسرائيلي الكامل لوجود تركيا ليس فقط في قيادة قوة الاستقرار بل في وجودها اصلا من ضمن القوة المزمع انتشارها قريبا. تدرك اسرائيل ان قبول تركيا سيضعف قدرتها على فرض رؤيتها الامنيه والسياسيه لغزة وقوض خطط نتنياهو المرتبطه بتفكيك حماس ونزع سلاح الفصائل واعادة هندسة القطاع بما يخدم حساباته الداخليه المتعلقه بالانتخابات القادمه

تركيا ايضا في هذه المسالة لديها اوراق قويه تلعبها ومن ضمنها ان وجود تركيا سيجعل نجاح  خطة الرئيس الامريكي مضمونه نظرا لعدة اسباب من اهمها ان الدول الاسلاميه التي سبق ذكرها سيكون لديها ذريعه قويه امام شعوبها لمشاركة قواتها بسبب وجود تركيا. ثانيا وهو الاهم ان وجود تركيا وعلاقتها القويه بحماس قد يضمن عدم تعرض هذه القوة للاذى من الفصائل المسلحة فيما اذا تطورت الامور للاسواء. وهذا اغراء يصعب على الرئيس ترمب الاعراض عنه جانبا والاستماع الى نتانياهو .

ثالثا: المخاوف الامنيه الاسرائيليه من المشاركة التركيه

التخوف الاسرائيلي من مشاركة تركيا ليس فقط من ناحية المماطلة في سحب سلاح الفصائل بل في عدد من الامور التي تراها اسرائيل تهدد امنها الوطني. اولا: ترى اسرائيل ان تركيا دولة لديها امكانيات عسكريه واستخباريه متقدمه تمكنها من مراقبة خطوط التماس وفرض قواعد اشتباك قد تفقد الجيش الاسرائيلي حرية الحركه مما قد يعرض القوات الاسرائيلية للخطر ويؤدي الى مواجهة مباشرة مع تركيا . ثانيا: ان تركيا ستعمد الى الحصول على كل المعلومات الاستخباريه الحساسه التي  لدى حماس عن اسرائيل والمواد والمعلومات التي حصلت عليها حماس في هجوم 7 من اكتوبر وبالتالي تصبح اسرائيل مكشوفه اكثر من قبل لتركيا. ثالثا: تتمتع تركيا بعلاقات قوية مع حماس وكذلك بشعبيه لدى الغزيين وباقي فصائل المعارضه وحتى للسلطة الفلسطينيه مما قد يؤدي الى مصالحة وطنيه تعيد اسرائيل للمربع الاول وخاصة انها تصر على ان لا يكون للفلسطينيين اي كيان سياسي مستقبلا. رابعا: ان اسرائيل لا يظهر انها مهتمه بنجاح قوة الاستقرار اصلا وان تقدم تركيا بطلب قيادة القوة يعني ان خطط نتنياهو في غزة من ناحية التهجير الناعم مستقبلا وعزل مناطق غزة وتدمير حماس ونزع سلاح الفصائل والنجاحات التي سيبني عليها حملته الانتخابيه القادمه ذهبت ادراج الرياح. اخيرا لا تغيب المصالح الاقتصاديه عن هذا المشهد حيث سيكون للشركات التركيه دور في اعادة اعمار غزة مما يفسر جزئيا قرار نتنياهو الاخير بالسعي الى ان تتولى اسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحده  ازالة الانقاض في القطاع في محاولة للحد من النفوذ الاقتصادي والسياسي التركي.  

رابعا: الحسابات الاستراتيجيه التركيه

تركيا ورغم خطابها الايدلوجي لا تتحرك خارج منطق المصالح العليا للدوله التركيه فهي ترى ان دورها في المنطقه يجب ان يكون اكبر مما هو علية الان ويجب ان تكون لها كلمة في مايخص شؤوون المنطقه وخاصة بعد نجاح حليفها المقرب الرئيس الشرع في حكم سوريا واستثمارها الناجح في قوى التغيير في سوريا. ان وجود تركيا في مستقبلا في غزة بالاضافة الى وجودها العسكري والسياسي في سوريا اضف الى ذلك العلاقه الشخصيه القويه بين الرئيس ترمب واردوغان_ والذي يرى كثير من المحللين انه يفضله على نتنياهو _فرصة استراتيجيه لتركيا لتلعب دورا اكبر في المنطقه وتوسيع نفوذها الاقليمي وتضمن ان اي مواجهة مستقبليه مع اسرائيل ستكون مكلفة على الاخيرة. في هذا السياق  ترى تركيا نفسها قوة اقليميه للشرق الاوسط وريثة للنفوذ الايراني في المنطقه وتقوم بتعبئة الفراغ الذي تركه الايرانيون ولكن هذه المرة برعاية امريكيه.

خامسا: الموقف الامريكي وحسابات واشنطن

امريكا تتوافق مع تركيا في كثير من الامور وترى واشنطن ان تركيا لديها القدرة على القيام بامور لاتستطيع اسرائيل القيام بها ولا حتى حلفاؤها من العرب. اهمها قواتها المنتشره في سوريا وخبراتها واستخباراتها في مكافحة الارهاب. اضف الى ذلك قبولها كوسيط من قبل الجماعات الاسلاميه وخاصة الفصائل في غزة. كل هذه المعطيات تجعل تركيا شريكا وظيفيا مغريا من وجهة النظر الامريكيه.

سادسا: السيناريوهات المحتمله والقرار المرتقب

  1. سيناريو القبول المشروط لتركيا

موافقه امريكيه على الدور التركي مع فرض قيود واضحه على مهام القوة وهو ما قد يؤدي الى توتر اسرائيلي- تركي مستمر دون انفجار مباشر. مثل هذا السيناريو قد يكون مضعف لفرص نتنياهو في النجاح في الانتخابات القادمه. وفي حال الضغط على اسرائيل للقبول بالدور التركي سيكون له عواقب على العلاقه الامريكيه الاسرائيليه المتوترة نوعا ما منذ انشاء مركز التنسيق المشترك على حدود غزة. بعض المحليين رأو ان انشاء هذا المركز دليل على عدم ثقه بالطرف الاسرائيلي للمحافظة على خطة السلام الامريكيه. من حسنات هذا القرار انه سيجعل نجاح القوة وخطة الرئيس ممكنا وسيشجع كثير من الدول العربيه والاسلاميه على لعب دور ما في غزة سواءا عملياتيا او لوجستيا. هذا القرار قد يزيد من نفوذ تركيا في المنطقه على حساب اسرائيل وبعض الدول العربيه الاخرى ويزيد ايضا من شعبية اردوغان وتركيا بشكل عام لدى الشارع العربي والفلسطيني. من جهة اخرى قد يثير هذا السياريو حساسية بعض الدول العربيه من وجود تركيا كقوة لها وزن وشعبية في غزة مثل مصر والسعوديه وما تمثلة من اسلام سياسي.  ولتجاوز هذه الحساسيه قد يكون وجود تركي مسيطر عليه مرتبط بتوقيتات معينه اهون الشرين بالنسبة للدول العربيه التي ترى ان عودة الحرب في حال فشل تشكيل قوة الاستقرار الدولي في غزة سيكون كارثيا على المنطقة وعلى الفلسطينيين بشكل اكبر. بالنسبه للاردن فان وجود تركيا بما تمثله من تاثير على حماس والفصائل ايضا افضل من عدم تشكيل القوة نهائيا وبهذا السياق قد يكون من الافضل للاردن الانفتاح اكثر على تركيا وابقاء الباب مفتوحا للاستفادة السياسيه والامنيه من وجود تركيا في غزة.

  • سيناريو الاستبعاد التركي

نجاح اسرائيل في اقناع واشنطن باستبعاد تركيا مع الاتجاه نحو دور مصري- عربي او اقناع الدول الاسلاميه التي اعلنت موافقتها المبدئيه على قيادة القوة. بالرغم من انه هو السيناريو المتوقع الا ان له تبعات قد تؤدي الى افشال الخطة بشكل كامل والعودة للحرب. فحماس والفصائل اعلنت رفضها المسبق لنزع السلاح وقد تعمد الى مهاجمة القوة واعتبارها دخيلة. حتى الفلسطينيين في غزة رفضوا في اخر استطلاع راي سحب السلاح من المقاومه بهذه الطريقة مما يعني ان بيئة غزة ستكون معادية لهذه القوة. كذلك كثير من الدول الاسلاميه قد يصعب اقناعها بالمشاركة بهذه القوة بدون وجود تركيا . افشال القوة وخطة الرئيس ترمب بسبب تعنت اسرائيل سيكون لصالح حماس وتركيا وضد اسرائيل التي ستظهر امام الرئيس الامريكي هي من افشلت الخطه.

الخلاصه

يُمثل دخول الجيش التركي إلى غزة وضعًا بالغ الخطورة من وجهة نظر إسرائيل، وقد ينتهي بحرب بين إسرائيل وتركيا في المستقبل القريب. تجدر الإشارة إلى أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مما قد يزيد الأمور تعقيدًا. تفضل إسرائيل خيار دخول مصر، بدعم من الدول المعتدلة، الأمر الذي قد يعزز بالفعل إمكانية دخول السلطة الفلسطينية إلى غزة، وهو ما تأسف له حكومة نتنياهو، ولكنه بلا شك الحل الصحيح.

سيُتخذ القرار بنهاية الشهر من قِبل الرئيس ترامب، الذي يُولي اهتمامًا أقل لتفاصيل المعنى وأكثر لمن هو أقرب إليه. لن يُحدد قرار ترامب بين نتنياهو وأردوغان من هو الأقرب إليه فحسب، بل سيُحدد أيضاً مستقبل أمن دولة إسرائيل. وقد تتضح عواقب رهان نتنياهو المطلق على ترامب سريعًا، إما لصالح إسرائيل أو لكارثة تُهددها

د عماد الحمادين

مركز الدراسات الاستراتيجيه