آراء ومقالات

عبدالله زهير قرباع

مساعد باحث/المشاريع

بلا شك، فإن الحرب هي الظاهرة الأعقد في التاريخ الإنساني. فعلى مدى آلاف السنين، واجه الإنسان من الأمراض والكوارث الطبيعية ما أدى إلى موت العديد من البشر وهدم بناءهم الحضاري. وقد استطاع الإنسان المعاصر التخلص من بعض هذه الكوارث، كعلاج بعض الأمراض والفيروسات، وتخفيف آثار أُخرى، كالزلازل؛ بالرغم من أنها ناجمة بالأساس عن عوامل طبيعية خارجة عن الإرادة الإنسانية. في حين نجد أنه وبالرغم من أن الحرب في جوهرها ظاهرة إنسانية، إلا أن الإنسان لم يتمكن بعد من التخلص منها. فلماذا لم يتمكن الإنسان حتى الآن من التخلص من ظاهرة الحرب بالرغم من أنه هو من بدأها، بينما استطاع التخلص من ظواهر طبيعية خارجة عن إرادته؟

حتماً، لقد لعب التطور العلمي الدور الأساسي في الحد من الأخطار الطبيعية، لكن لم يكن هذا التطور حكراً على العلوم الطبيعية. فدراسات النزاع تعود لتاريخ قديم أيضاً، إذ يُطلعنا ثوسيديديس Thucydides بتأريخه للحروب البيلوبونزية قبل أكثر من 2400 عام عن مسببات الحرب بين أثينا وإسبرطة، بأنها ناتجة عن “الخوف الذي تركه صعود أثينا لدى إسبرطة”. وإذا انتقلنا من التاريخ القديم للتاريخ المعاصر، نجد أن حقل العلاقات الدولية، قد شهد تطوراً معرفياً ونظرياً غير مسبوق في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن تراجعاً في ظاهرة الحرب لم يحدث، بل على العكس، تصاعدت. فبحسب تقرير أعده معهد أبحاث السلام في أوسلو (PRIO)، شهد العالم في عام 2024 أكبر عدد من النزاعات المسلحة منذ 1946، مسجلاً 61 نزاعاً في 36 دولة. ويشير الرسم البياني أدناه المُعَد من قبل برنامج بيانات الصراع التابع لجامعة أوبسالا (UCDP) في السويد، حجم التصاعد في عدد النزاعات المسلحة في أقاليم العالم المختلفة منذ العام 1946 وحتى العام 2024.

 فإذا افترضنا منطقياً أن هناك حالة تنامي في المعرفة المتعلقة بدراسات النزاع، تشير الاحصاءات السابقة إلى حالة من عدم الاتساق بين المعرفة وغايتها. فبينما أدت المعرفة في حقل العلوم الطبيعية إلى تخفيف حدة الكوارث الطبيعية، لم تساعد المعرفة المُنتَجة في حقل العلاقات الدولية في علاج أو تخفيف حدة ظاهرة الحرب. بل إن النظر في الحروب الحديثة يشير إلى مدى توظيف الإنسان للعلم الحديث، وهو مفهوم محايد، في تعميق ظاهرة الحرب بدلاً من التخفيف منها. ناهيك عن أن جزءاً من المعرفة في حقل العلاقات الدولية قد أُنتج بهدف بناء استراتيجيات لمواجهة الدول بعضها البعض بدلاً من بناء السلام، كما أن المعرفة المنتجة في حقل العلاقات الدولية لا تلقى ذات الاهتمام التطبيقي الذي تلقاه العلوم الطبيعية.

أضف إلى ذلك، ما يدله التاريخ على أن الحرب ظاهرة قادرة على التكيف مع التغيرات وإعادة إنتاج ذاتها في بيئات مختلفة. فتأسيس الدولة الحديثة لم يلغِ الحرب، بل انتقلت لتصبح بين الدول بعدما كانت بين المجتمعات في مرحلة ما قبل الدولة. بل إن الدولة الحديثة تأسست من خلال التراكم السلبي الناتج عن ظاهرة الحرب. فالدولة القومية الحديثة التي نعرفها اليوم نشأت بعد حرب الثلاثين عام 1618-1648 بين الكاثوليك والبروتستانت، وقد كانت مبادئها الأساسية، كالسيادة، تتعزز بعد كل حرب كبرى من حروب القرنين التاسع عشر والعشرين. فهناك مستوى من الترابط بين الحرب والدولة ما يجعل الحرب جزءاً من بنية الدولة وسلوكها، وهو ما عبّر عنه عالم الاجتماع تشارلز تيلي بأن “الحرب صنعت الدولة والدولة صنعت الحرب”. علاوة على ذلك، تشكلت خلال العصر الحديث شبكة من الاقتصاديات تتغذى على الحرب، ما جعل الحد منها أصعب من ذي قبل. فكما كان اقتصاد الحروب القديمة معتمداً على الغنائم، فقد خلقت ثورتا الصناعة والتكنولوجيا، في ظل النظام الليبرالي، شركات تسلح ونفط وإعادة إعمار، يرون في الحرب أداة منفعة، وأن الحد منها يمثل ضرراً على مصالحهم. ففي إفريقيا مثلا، سلّحت بعض من شركات النفط جماعات انقلابية مقابل الحصول على امتيازات تنقيب واستخراج نفطي عند وصول الانقلابيين إلى الحكم.

بالرغم من افتقاد حقل العلاقات الدولية للإجماع بين علمائه حول الدوافع المسببة للحرب وكيفية الحد منها، خاصة مع تزايد التداخل بينه وبين الحقول المعرفية الأُخرى، فإن النظر للحرب يشير إلى أن دافعها العام يتمثل في الاعتقاد بأنها نافعة، سواء كان نفعاً سلبياً، مثل التخلص من تهديد معين كما هو الحال في مثال حرب إسبرطة وأثينا، أو نفعاً إيجابياً، وذلك في تحقيق مكسب إضافي، كما هو الحال في المثال الذي تم الإشارة إليه حول دعم انقلابيين أفريقيين لتحقيق امتياز نفطي.