آراء ومقالات

إشراف مدير المركز

 الأستاذ الدكتور حسن المومني

إعداد: الباحث المتفرغ: د.تمارا الزريقات

أولا: الوعي الوطني كمفهوم (تأصيل نظري)

يشير الوعي لغويا لمفهوم يتداخل فيه الحفظ بالفهم، والإدراك بالتمييز، وقد جاء في لسان العرب لابن منظور أن الوعي هو: ((حفظ الشيء وفهمه))، وهو بذلك مناقض للنسيان، يربط حفظ الشيء بفهمه، واستقراره في الذهن على نحو يمكن استذكاره؛ أي أن الوعي ذاكرة مبنية على الفهم لا مجرد ذاكرة صماء؛ ويمضي هذا المعنى في المعجم الوسيط ليتسع إلى القول بأن: ((وعى الشيء: عقله وأدركه وحفظه))، وبذلك فإن الوعي هو إدراك مبني على العقل، أي إدراك مصحوب بتمييز، وليس معرفة محايدة أو انفعال عابر.

يلتقي هذا المعنى اللّغوي مع الدلالة الفلسفية التي يوردها جميل صليبا في ((المعجم الفلسفي))، حيث يُعرف الوعي من منطلق إدراك الوجود وبأنه: ((كون الشيء حاصلا في التجربة)) وحصوله فعليا يكون بإدراك حسي ووجداني، وجصوله تصوريا يكون بالاستدلال العقلي؛ أي أن الإنسان يعي حينما يدرك ذاته داخل الوجود المادي الخارجي (أي علاقاتها بالكون والعالم المحيط)، والوجود الذهني ((كون الشيء في الأذهان))؛ وانطلاقا من ذلك يصبح الوعي حضور الذات في فعل التفكير الجامع بين انعاكاسات الوجود الخارجي وتصورات الوجود الذهني، أما في الفلسفة المعاصرة، فقد غدا الوعي بنية علائقية، تُفهم باعتبارها القدرة على تمثل الواقع، وموازنته بالذات، واتخاذ موقف منه؛ فالوعي حركة نقدية يمارس فيها العقل دوره في التفسير والتقدير والحكم، بما يجعل الفكر مسؤولًا عن نتائجه، لا منساقا وراء الانطباعات؛ وعليه، يمكن القول إن الوعي هو حالة عقلية وأخلاقية في آن واحد؛ وهو إدراك منظم يجعل الإنسان: يعرف من هو، ومن أين ينطلق، وإلى ماذا ينتمي، وكيف يقدّر الأشياء وَفق ميزان المصلحة والمعنى.

في علم النفس يحتل الوعي موقعا هاما في تفسير وتحليل السلوك الإنساني؛ لأنه مبني على ادراك الفرد لمشاعره وأفكاره وبالتالي فهمه واستيعابه لذاته التي تشعر وتفكر وتحكم وتختار داخل محيطها الخارجي. وقد عرّفه وليام جيمس – مؤسس علم النفس الأمريكي- بأنه : تيار فكري وحالة ذهنية متصلة لا تتوقف داخل الانسان؛ تربط الماضي بالحاضر، والتجربة بالشعور))؛ أي ان الوعي لا يعبر عن لحظة انتباه عابرة او التفاتة مؤقته، ولكنه سيرورة مستمرة وتدفق مستمر من الحالات الذهنية، التي تُدرك الذات نفسها من خلالها؛ وبالتالي تعرف نفسها وتصبح ذات عارفة قادرة على الاختيار والحكم بناء على هذا التدفق الفكري المتصل؛ وبالتالي يمكن القول بأن جيمس يقدم الوعي من منظور براغماتي يرى بأن الانسان كائن يعيش خبرة متغيرة ويتفاعل معها باستمرار؛ من خلال عمليات ذهنية متصلة تربط خبرات الماضي بالحاضر المتغير؛ لتتمكن الذات من التكيف وبالتالي الاختيار والحكم؛ فالمصب الأخير لهذا السيل والتيار الفكري المتصل هو سلوك الذات واختياراتها وتفاعلاتها مع البيئة المحيطة والتي تتسم بالتغير وعدم الثبات؛ وهذا فعليا يلتقي مع حقيقة أن تطوير المذهب البراغماتي وعلم النفس الوظيفي يُنسب للعالم الأمريكي ((وليام جيمس))؛ فتعريفه للوعي مبني على وظيفته وهذا جوهر البراغماتية.

بناء على ما سبق نجد أن الوعي يتشكل بدءا من لحظة إدراك الفرد واستيعابه لذاته، وقدرته على ضبط أفكاره وسلوكه، إلا أن هذا الادراك لا يكتمل إلا عندما يدرك الفرد أن ذاته ليست منفصلة عن الجماعة التي ينتمي إليها، فالإنسان لا يمكنه تعريف نفسه بمعزل عن الآخر، بل إن وعيه يتشكل في سياق العلاقات الإنسانية التي تمنحه المعنى، وتحدد له دوره وموقعه، وهكذا، ينتقل الوعي من مستوى الفرد إلى مستوى الجماعة والمجتمع الذي تتبلور في داخله واللغة الرمزية، والقيم المشتركة، والذاكرة الجمعية؛ وحينما يدرك الفرد أن تلك القيم والعلاقات المشتركة مع الجماعة لا يمكن لها الاستمرار دون وجود إطار تنظيمي سيادي تصاغ داخله هذه القيم بصورة مؤسسية تضبطها قوانين وتحكمها إجراءات، تحمي المصلحة العامة وتنظم العيش المشترك وتجسد التاريخ الجمعي والغاية الأخلاقية للوجود الجماعي، ينتقل الوعي من نطاق المجتمع، ويرتقي إلى مستوى الدولة بوصفها الإطار السيادي المنظم الذي تصاغ داخله تلك القيم؛ فالدولة من هذا المنطلق هي الصيغة المؤسسية للمجتمع نفسه، والبنية الأكثر انتظاما وتجليا لحياة الجماعة السياسية حيث تتجسد فيها شخصيتهم التاريخية، أي أنها هي الشكل المعبر عن إرادة الشعب المشتركة، يتحول فيها المجتمع من جماعة بشرية إلى كيان منظم قادر على الاستمرار عبر الزمن، يوفر الأمن والنظام، ويحمي الحقوق والحريات، وينظم المصالح المشتركة.

وفي هذا الإطار يتحدد موقع الشعب والمواطن بصفته مكون أساسي من مكونات الدولة، وفاعل مسؤول يساهم بوعيه ومشاركته على استدامة النظام العام؛ وبذلك، لا قيام لدولة دون شعب يشكل كتلة سكانية تعيش داخل هذا الإطار المؤسسي، ولا قدرة للشعب على الاستمرار دون وجود سلطة عليا تصون النظام العام وتوجه الية صناعة القرار وتحمي المصلحة العامة، فالمواطن هنا فاعل أصيل ينهض بدوره في منظومة الحقوق والواجبات، وتستند الدولة إلى وعيه وثقته وانضباطه لتعزيز استمراريتها واستقرارها.

ومن هذا المسار الانتقالي الجدلي والأشبه بالديالكتيكية الهيجلية؛ ومن تفاعل الذات مع المجتمع مع الدولة؛ أي من إدراك الفرد لذاته وخصوصيته وسؤال (من أكون؟) إلى الوعي بالآخر والمجتمع واتساع رؤية الفرد ليدرك أن وجوده لا يتحقق بمعزل عن شبكة العلاقات التي ينتمي إليها وسؤال (لمن أنتمي؟)، وصولا الى إدراك الفرد – مع اتساع التجربة –  بأن الجماعة لا تستقيم إلا من خلال كيان مؤسسي يمتلك القدرة على حماية هذه الروابط وتنظيم التفاعلات فيما بينها أي الدولة؛ عند هذه اللحظة ينتقل الوعي ويرتقي من مجرد إدراك الانتماء الاجتماعي إلى الوعي السياسي؛ فيعي الفرد موقعه داخل البنية المؤسسية ويدرك أن ممارساته ينبغي أن توزن بمعيار مصلحة الدولة العليا، هنا يتشكل الوعي الوطني باعتباره إدراك منظم للموقع والدور والمسؤولية داخل الجماعة السياسية، والقدرة على ترتيب الانتماءات على أساس المصلحة الوطنية العليا، وترجمة ذلك الى سلوك عام يعكس معنى الدولة واحترام قانونها وصون مؤسساتها والمشاركة الفاعلة والايجابية في تعزيز منعتها واستقرارها، وكنتيجة لهذه السيرورة الواعية والانخراط في مؤسسات الدولة على نحو يجسد الالتزام بقواعد العيش المشترك يتولد لدى الأفراد شعور بالانتماء للجماعة السياسية، قائم على مجموع القيم والرموز ومسيرة التاريخ المشتركة على نحو يعكس الوحدة؛ في الوعي والسلوك ضمن إطار الدولة وفي لحظة تتجسد معها معنى الهوية الوطنية.

والوعي الوطني لا ينشأ في فراغ ؛ بل من خلال ثقافة وطنية تشكل المصدر النظري للمعنى الوطني والأساس الذي ينتظم الوعي من خلاله، حيث تعتبر ركيزة أساسية للذاكرة الجمعية والهوية المشتركة، تمنح المجتمع منظومة وطنية فكرية مؤطره علميا لجملة الرموز والقيم والمعاني الجمعية والتي تحدد طبيعة الانتماء وتؤطر العلاقة بين الأفراد والجماعة على نحو يعكس قدرة المواطن على تمييز المصلحة الوطنية من الأهواء الخاصة؛؛ ما يعني أن استيعاب هذه الثقافة وتملُّكها يعني بداية انتقال الفرد من مستوى الانتماء الشعوري (الغرائزي والعاطفي) إلى مستوى الانتماء المبني على العقلنة والإدراك المسؤول لدور الفرد المضبوط داخل الدولة (فهو انتماء مدرك وممكن غير انفعالي)؛ وعليه، يتجلى الوعي في السلوك العام ومستوى الانضباط في احترام القانون وصون المؤسسات؛ وعلى نوعية المشاركة في الشأن العام ونضجها، لا كميتها فقط؛ وبذلك يمثّل الوعي الوطني المظهر العملي للعلاقة الناضجة بين المواطن والدولة؛ والنابع من فهم الفرد لثقافة وطنه وبالتالي دوره ومسؤوليته داخل الدولة، أي أن الوعي الوطني معرفة فموقف فسلوك، ليعكس حقيقة مفادها: كيف يتصرف الفرد بإيجابية تجاه وطنه.

وبالتالي فإن ارتفاع درجة الوعي والثقافة الوطنية ضرورة استراتيجية لاستمرارية الدولة في زمن التحولات المتسارعة؛ فالمجتمع الواعي يصون مؤسساته، ويمتص الأزمات، ويمنح الدولة القدرة على الاستباق والتكيّف والاستمرار بثبات؛ ومن هنا، يصبح الاستثمار في الوعي الوطني جزءًا من الأمن الوطني، لا من المجال الثقافي وحده؛ إذ إن الدولة تُمكّن وتقوى بقوة الوعي الذي يُنظم الإرادة العامة.

ثانيا: الجامعة مؤسسة وعي ومعرفة

تكتسب الجامعة أهميتها بوصفها مؤسسة معرفية تساهم في صياغة وتشكيل البنية الفكرية (الفوقية)  للمجتمعات؛ متجاوزة دورها التقليدي في منح الشهادات إلى دور أعمق يتمثل بإنتاج الفكر وتنمية الوعي العام وبناء رأس المال المعرفي للمجتمع بإكساب الطالب مهارات التحليل والنقد والتطوير، وتمكينه من تبني نظام تفكير منهجي مبني على الربط بين الأسباب والنتائج؛ يُعلم الفرد كيف يطرح الأسئلة، وكيف يفهم ذاته في علاقتها بالعالم، وكيف يربط بين ما يتعلمه ويبحث عنه وآلية تطبيقه؛ ولن نبالغ اذا قلنا بأنها مركز إشعاعٍ حضاريّ، ومحرك رئيسي لبناء مجتمع المعرفة وتعزيز التنافسية الوطنية، ناهيك عن دورها في صناعة التنمية من خلال البحث العلمي وتوليد الأفكار القابلة للتحويل إلى حلول وسياسات، والجامعة في هذا السياق ليست كيانا معزولا عن بيئتها، بل جزء فاعل من نسيجها الاجتماعي والثقافي؛ تؤثر فيه وتتأثر به، وتشكل الجسر الذي يصل بين الفكر والعمل، وبين النظرية والممارسة، لتظل العقل المؤسسي للدولة والمصدر الأصيل لإنتاج الوعي المستنير، فالمجتمعات لا تتقدم إلا بقدر ما تُنتج جامعاتها معرفة جديدة وتنشرها وتُفعّلها في واقعها الوطني.

ومن زاوية أخرى فإن المرحلة الجامعية هي مرحلة يخرج بها الطالب من عباءة الذات الفردية إلى مظلة الوعي الاجتماعي والسياسي؛ ويبدأ بتفكيك صورته عن ذاته، ويدرك أن هويته ليست فقط عائلة أو منطقة أو انتماء ضيق، بل جزء من كيان وطني أوسع؛ وبهذا الشكل، تصنع الجامعة “الذات المفكّرة” التي تتجاوز الغريزة والانفعال إلى الفهم والاختيار. وهذه هي البداية الحقيقية للوعي، لأن الوعي لا يقوم على “ما نعرفه” بقدر ما يقوم على كيفية معرفته وسلوكنا تجاهه.

وبالتالي لا يمكن أن يختزل دور الجامعة في كونها مؤسسة تعليمية فقط بل هي أيضا أحد أعمدة الوعي الوطني ومختبر العقل الجمعي الذي تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة في صورتها العقلانية؛ عبر التعليم والتفكير والحوار، فتتحول المعرفة إلى وعي وإدراك يحقق معنى الربط بين الذات والعالم وبالتالي بين الفرد ومجتمعه ودولته؛ فالوعي، كما تقول اللغة، هو حفظ مقرون بالفهم، وهو القدرة على أن يرى الإنسان ذاته في مرآة الوطن، وان يتمكن من خلال هذا الوعي المشاركة في مسيرة البناء والتطوير.

وفي امتداد الحديث عن الجامعة بوصفها مؤسسة للمعرفة والوعي تعيد إنتاج الثقافة العقلانية الواعية والمنظمة والتي تجعل من الوطنية التزامًا معرفيًا وأخلاقيًا في آنٍ واحد، تتبدى أهمية ما طرحه أهم منظري تطور المجتمع الغربي الحديث – عالم الاجتماع والسياسة-  ماكس فيبر في كتبه (العلم كمهنة Science as a Vocation))، و(الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism)، تحديدا في الجانب المرتبط بقراءته للعقلنة الثقافية بوصفها جوهر تشكل الدولة الحديثة وثمرة اكتمال العقل في التاريخ، ونتاج لتحول ثقافي عقلاني أعاد للإنسان قدرته على فهم العالم وضبطه فأنتج تبعاً لذلك نمط جديد من الوعي الإنساني أدرك فيه الإنسان أن تفسير الظواهر وإدراكها لا يحتاج إلى قوى غيبية بل إلى نظام معرفي، تجسد في رؤيته العميقة لماهية الحداثة، وأدرك فيبر أنّ الدولة لا تنشأ من المادة وحدها ولا تقوم على القوة المجردة، بل على الثقافة، حتى في استعراضه لمفهوم البيروقراطية قدمها كنظام إداري يتسم بالهيكلية الصارمة والقواعد والإجراءات المحددة بدقة، وبالتالي هي ذروة التجلي العقلي المنظّم الذي يُعيد للإنسان قدرته على فهم العالم وضبطه ؛ وبناء على ذلك هو لم يُؤمن بأحادية العامل المادي، بل رأى في (الأفكار والقيم والثقافة وشبكة الأفعال المشبعة بالمعنى والغاية) المحرك الحقيقي للحياة الاجتماعية وبالتالي فإنّ الفعل الاجتماعي هو الشرارة الأولى لكل تحوّل حضاري شهده التاريخ، مؤكّدًا أن نهوض المجتمعات يبدأ حينما يتحول الفعل الفردي إلى وعيٍ عام منظم.

وفي ذات السياق، تشير المقاربة البنيوية في علم الاجتماع والسياسة، كما طورها ألكسندر وندت (Alexander Wendt) وبيتر كاتزنشتاين (Peter Katzenstein)، إلى أن الدولة ليست كيانا ماديا فحسب، بل بناء اجتماعي ينتج عن تفاعل الأفكار والقيم، والمعايير الثقافية. فالهويات الوطنية، ومصالح الدولة، وأنماط سلوكها الخارجي، تتكوّن من داخل بيئة ثقافية ومعرفية تُعيد تعريف ما هو “ممكن” وما هو “مشروع” في الفعل السياسي. ومن هذا المنطلق، تصبح الجامعة — في بنية الدولة الحديثة — مؤسسة سيادية للمعنى، تنتج البنية الإدراكية التي تُوجه التفكير العام وتصوغ التصورات الجماعية حول الهوية، والمصلحة، والانتماء.

إن الثقافة التي تنتجها الجامعة في الإطار البنيوي ثقافة عقلانية – مؤسسية – قيمية؛ تعيد ضبط وعي النخبة والجيل الجديد على أسس العقلنة في التفكير المسؤولية المعرفية؛ والانضباط الإدراكي؛ وتمثل ما يمكن تسميته بـ “الثقافة الاستراتيجية للدولة الحديثة”؛ ثقافة تُنتج الفهم وتوازن بين الانفتاح والتماسك، وبالتالي تمنح الدولة أدوات المناعة الفكرية أمام الفوضى المعرفية العابرة للحدود. فهي تُمكّن الدولة من الانتقال من “إدارة التعليم” إلى إدارة الوعي الوطني كمسألة أمن وطني.

في السياق الأردني، تتقاطع هذه الرؤى مع مشروع التحديث الوطني الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين – حفظه الله ورعاه- في مساراته الثلاث السياسية والاقتصادية والإدارية لترسيخ نهج وطني متكامل في الإصلاح والتطوير، يستند في جانبه النظري على تطوير البنية التشريعية والتنظيمية، ويرتكز في الجانب التطبيقي على بناء القدرات وتحفيز التفكير العملي القائم على الكفاءة والمساءلة، وبالتالي الارتقاء بمستوى الأداء العام وترسيخ الحوكمة وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؛ خاصة وأن الشباب والمرأة يحتلان موقعا مركزيا في قلب هذا المشروع، باعتبارهم الركيزة الأساسية لاستدامة عملية التحديث وبناء المستقبل؛ وبناء على ذلك، فإن إدراك الدور الوطني للجامعة بوصفها إحدى روافع الدولة الفكرية يشكل مدخلا استراتيجيا لتوجيه مسار التحديث نحو الاستثمار الممنهج والمدروس في رأس المال البشري، التي تقوم عليها التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ والجامعة من هذا المنطلق منصة إنتاج الفكرة وصياغة القيم وتطوير كفاءات قادرة على الارتقاء والتنمية والتطوير في سياق المصلحة الوطنية؛ ومن هنا، فإن نجاح مسار التحديث مرتبط طرديا بمدى قدرة الجامعات على بناء وعي مؤسسي منظم، قائم على الكفاءة والمساءلة، يجسد دور ومكانة الافراد باعتبارهم المورد الاستراتيجي الأول للدولة ومحور استدامة نموذجها الوطني وتعزيز تقدم الدولة، مستذكرين المقولة التاريخية الشهيرة للمغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال “الإنسان أغلى ما نملك”، والتي تجسد نهج ورؤية القيادة الهاشمية في وضع الإنسان الأردني؛ كركيزة مهمة وقيمة أساسية وأولوية قصوى في توجيه خطط التحديث والتنمية في النهج الحكومي.

ثالثا: الجامعات الأردنية مؤسسات وعي ومعرفة فكرية

إن الاستطراد بمفهوم الوعي الوطني يقتضي ضرورة تناول دور الجامعات الأردنية كرافعة ومحطة هامة في تشكيل الوعي السياسي؛ بوصفها البيئة التتي يعاد فيها تنظيم علاقة الفرد بالمعرفة والمجال العام، من خلال ربط التعلم بالممارسة، وترسيخ ثقافة الانضباط الواعي وربط المعرفة بالمصلحة العامة، بما يعزز قدرة الدولة على تجديد كفاءتها وتطوير مؤسساتها بصورة مستمرة، ويغدو التعليم العالي، من هذا المنطلق أداة استراتيجية لإعداد رأس مال بشري قادر على المشاركة السياسية الرشيدة، ودعم التنمية الاقتصادية، والمساهمة في إدارة المؤسسات العامة بكفاءة؛ فالجامعات ليست مجرد جهات مانحة للشهادات العلمية فحسب؛ بل تشكل إطارا لبناء الوعي وترسيخ السلوك المؤسسي لدى الجيل الذي سيشغل مواقع المسؤولية العامة لاحقا.

ومن نافلة القول بأنه من المفترض ان يلتحق الناشئة في الجامعة بشخصيات قد تم اعدادها سابقا وتزويدها بالخبرات العلمية والعملية ذات العلاقة بإكساب الأفراد المعايير والقيم والاتجاهات والأنماط السلوكية والاجتماعية الوطنية المقبولة في مجتمعاتهم؛ لأن عملية تشكيل الوعي الوطني بحد ذاتها عملية مستمرة تتولى مسؤوليتها مؤسسات التنشئة السياسية باختلاف أنواعها؛ بدءا من الاسرة (نواة المجتمع)،  مرورا بالمدرسة فجماعة الرفاق وصولا للجامعة؛ المحطة الأبرز في بناء المواطن الفاعل والمسؤول والواعي بدوره ومسؤولياته وحقوقه وواجباته في المجتمع.

وفي سياق متصل فإن تسليط الضوء على أهمية الجامعات الأردنية في مسيرة بناء الوعي الوطني يتطلب تشريح ومحاكاة واقع هذه المرحلة المفصلية والتي تمثل منعطفا انتقاليا في تطور الوعي المعرفي والسلوكي لدى الشباب من ناحية الاختلاف الواضح في أسلوب التعليم ونمط العلاقات الاجتماعية؛ حيث ينتقل الطالب من أسلوب التعليم القائم على المتابعة المباشرة إلى نموذج المحاضرة المفتوحة والاعتماد على الذات في البحث العلمي وإدارة الوقت، ومن ناحية اجتماعية تتسم الجامعات بوصفها فسيفساء جامعة لثقافات مختلفة على نحو يعكس الصورة الواقعية للمجتمع؛ وبالتالي فإن الطالب في الجامعة يجد نفسه أمام حياة مختلفة نوعا ما عن سابقتها تتطلب منه تبني طرق جديدة في تشكيل وتغذية بنيته الإدراكية، وأمام صورة مطابقة للمجتمع الواقعي يمارس فيها الشباب دورهم على أساس الاختيار أو العزوف.

أي أن الجامعات الأردنية أمام مسؤولية حقيقية في صياغة المشروع الوطني المتكامل والذي يعول فيه على الوعي الوطني كسلوك عام يعكس العلاقة الناضجة بين المواطن والدولة؛ والنابع من فهم الفرد لدوره ومسؤوليته داخل الدولة وإدراكه لموقعه، على أساس المواطنة، وهنا تظهر أهمية الفئة التي تحتضنها الجامعة فئة المواطنين الشباب الشريحة الأكبر من الأمة (مصدر السلطات/ استنادا للفقرة الأولى من المادة (24) من الدستور الأردني لعام (1952))، وهم بذلك فئة معنية ومعوّل عليهم في الحفاظ على القيم المجتمعية والاعتزاز بالهوية الوطنية والتضحية من أجلها.

  • ما المطلوب إذن؟ الممطلوب أن تقف الجامعات الأردنية في مكانها الحقيقي كمؤسسات فكرية قائدة للتحول العلمي والثقافي وبيئة صانعة للعقل الأردني تؤدي دورها في تطوير وتحديث الأردن، وأن تعي ان الجهد الملقى على كاهلها مضاعف في ظل العولمة والانفتاح التكنولوجي والإعلامي وتبعات الجيل الخامس وعصر السرعة، ومن هنا تظهر أهمية تبني آليات حقيقية لبناء الوعي الوطني لدى الشباب؛ ولعل أولاها:

الجانب المعرفي الذي يقع داخل إطار التدريس والتركيز على المناهج ودورها في تعريف الناشئة بمؤسسات بلادهم واحترام القانون والنظام واللوائح والتعليمات، والتعاون بين المواطنين واتقان مهارة الحوار وتقبل الاخر، واعتناق القيم والاتجاهات الوطنية وبالتالي تنمية الشعور بالولاء والانتماء، وفي سياق مطرد تظهر أهمية ربط مشاريع التخرج والبحث العلمي بالأولويات الوطنية كالأمن الغذائي، الطاقة والمياه، التكنولوجيا والتحول الرقمي وتنمية المجتمعات المحلية ، وهذا يعني أن تتحول المناهج إلى مشروع وطني حقيقي يعتمد منهجية البحث العلمي في توثيق السردية الأردنية وتاريخ الأردن العريق، وتترجم الحَدَث بلغة الشباب وتربطه بالقيم العليا: السيادة والأمن والكرامة والإنجاز؛ بدءا من الثورة العربية الكبرى والتي تجسد ذروة الوعي العربي القومي وصولًا لمحطة الأرواق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه؛ والتي تشكل خارطة الطريق لمحاور مدنية عصرية للأردن ومشروع التحديث بمساراته الثلاث، في تعبير أصيل عن الهوية الأردنية، فالجامعات هي خط الدفاع الأول ضد كل ما يندرج تحت خطابات التشكيك والإشاعة؛ وبالتالي هي مصدر المناعة الفكرية الأول.

وهنا يظهر دور الأستاذ الجامعي الفاعل الحقيقي في معادلة الوعي الوطني والموجّه والممثل الأول لأعمدة تشكيل الوعي الوطني داخل الحرم الجامعي وصانع الصورة الوطنية في وعي الشباب، تجسيدا لمفهوم (المثال القدوة) والذي يساهم بفكره وسلوكه غرس القيم والتوجهات والأفكار المقبولة وطنيا واجتماعيا وبناء المواطن الصالح الواعي والمنتمي والقادر على المشاركة الإيجابية في مجتمعه.

ثانيا: الأنشطة اللامنهجية: إن الإحاطة الكاملة بدور الجامعات الأردنية في بناء الوعي الوطني لدى الشباب يعني أهمية تنظيم الأنشطة الطلابية ضمن إطار مؤسسي واضح ومستمر وتفعيل الأنشطة اللامنهجية خارج إطار المنهج الدراسي؛ لأهميتها في استثمار وتوجيه طاقات الشباب وأوقات فراغهم، وسواء كانت هذه الأنشطة ندوات ام مسابقات أم احتفالات وطنية فإن الغاية منها يجب أن تكون تصب في تعزيز قيم الانضباط والاحترام والمسؤولية داخل الحرم الجامعي، وتدريب الطلبة على الحوار وإدارة الاختلاف بشكل واعٍ ومتزن، وبالتالي تحويل السلوك الإيجابي من مبادرات فردية إلى ثقافة جامعة، ومن زاوية أخرى تحقق هذه الأنشطة الجانب التدريبي والتطبيقي للوعي الوطني كسلوك يُمارس داخل الحرم الجامعي، تساهم في صقل شخصيات الطلبة وإكسابهم مهارات القيادة والمهارات الحياتية والاجتماعية التي تمكنهم من التعاطي مع المواقف التي تعترضهم بإيجابية أكبر وبالتالي، يبرز دور هذه الأنشطة في صياغة مجموعة من ((الممكنات)) التي تعزز من قدرة الشباب على تقبل الآخر وتبني ثقافة الحوار والتعاون والقدرة على التعايش، والتجمع والمشاركة حول مجموع القيم والرموز والقواسم الوطنية المشتركة والتفاعل معها؛ بمعنى أدق أهمية هذه الأنشطة في تحقيق حشد الجموع والجهود حول نقطة تجمع (وطنية) يتشارك فيها الطلبة ويتعايشون حولها ويتقبلونها ويحبونها ويعملون من خلالها في الجامعة، أي تأطير وصياغة القاعدة المتينة والصلبة (للهوية الوطنية) كهدف استراتيجي للوعي الوطني، وتجسيدها لدى الشباب كقيمة حاكمة يعتزون بها، ويزنون أولوياتهم وفق ميزانها المستند على المصلحة الوطنية العليا، والمرتبط بالشعور والاحساس بالحب والانتماء للوطن وحضارته وأرضه ورموزه الوطنية، وضمان بناء الوعي الوطني العقلاني والمنظم لدى الشباب المتعلم، لترجمة هذا الوعي والمعرفة إلى سلوك نابع من كفاءة عارفة لنقاط قوتها وجدارتها، تشارك في صناعة المنجز الحضاري للدولة وتساهم في مسيرة التنمية والتحديث الوطنية.

وهنا تتحدد ملامح الوعي الوطني عملياً: إذا وُجدت بيئة مؤسسية تنظم المشاركة وتوجّه النشاط، يصبح الفراغ فرصة لبناء المسؤولية والعمل الجماعي؛ وتعزيز هوية وطنية مستقرة قائمة على الفهم والممارسة، بينما غياب هذا الإطار قد يؤدي إلى بحث الطالب عن ذاته خارج إطار المؤسسات الوطنية الرسمية، الأمر الذي قد ينتج تصورات مشوشة حول الدولة والمجتمع ودوره فيهما، وبالتالي فإن دور الجامعة يتمثل باعتبارها بيئة استراتيجية لإعادة تشكل الوعي الوطني بصورة عملية، وهي المرحلة التي يصبح فيها الانتماء: قراراً وسلوكاً وممارسة يومية لا مفهوماً نظرياً؛ وهذا ما يجعل تفعيل الدور البنائي للجامعة ضرورة استراتيجية مرتبطة بأمن المجتمع واستقرار مسار التحديث الوطني وإعادة تعريف الانتماء الوطني من كونه شعوراً عاماً إلى كونه قدرة عملية على العيش ضمن مجتمع متنوع تحت مظلة وطن واحد، وليس مجرد تطوير قطاع التعليم.

وعليه، فإن إعادة تعريف الجامعة بوصفها مؤسسة لبناء المناعة الفكرية تُعيد للمعرفة دورها الوظيفي في بناء الدول وتساهم في إنتاج الوعي الوطني، لا مؤسسة تعليمية فقط، يعد ضرورة لتعزيز الاستقرار واستدامة مشروع التحديث.

رابعا: الاستنتاجات:

  1. تحصين الهوية الوطنية يبدأ من الجامعة بوصفها الحاضنة التي يعاد فيها تشكيل الوعي العام، وترسيخ إدراك الفرد لذاته ضمن الدولة ومؤسساتها.
  2. إن تعزيز منظومة التعليم العالي هو استثمار في الوعي الوطني لا في القطاع الأكاديمي فقط، باعتبار الجامعة جزءًا من بنية الأمن الوطني الناعم.
  3. يمثل الطالب الجامعي الجيل الذي سيشغل مواقع القرار والإدارة في الدولة خلال السنوات المقبلة، وعليه فإن تشكيل وعيه الآن هو تشكيل لمستقبل الدولة.
  4. إن السيادة المعرفية أصبحت عنصراً حاسماً في قوة الدولة السياسية والاقتصادية، والجامعات تشكّل مساحتها المركزية.
  5. تفعيل الدور الوطني للجامعات يدعم مشروع التحديث السياسي والاقتصادي عبر بناء رأس مال بشري منتم و كفؤ ومسؤول.

📌 الخاتمة

إن ترسيخ الدور الوطني للجامعة لا يُعد خطوة إدارية أو تطويرًا أكاديميًا فحسب، بل هو خيار وطني يرتبط بتعزيز قوة الدولة واستقرارها المجتمعي. فالجامعة هي البيئة التي يتشكل فيها وعي الشباب، وتُبنى فيها قيم المسؤولية والالتزام، ويُعاد من خلالها تعريف علاقة الفرد بوطنه؛ وعندما تستثمر الدولة في وعي طلبتها، فهي لا تبني الحاضر فقط، بل تؤسس لجيل يحمل مستقبل الأردن بثقة ووعي وانتماء.