آراء ومقالات

د. عماد الحمادين

باحث متفرغ _مركز الدراسات الاستراتيجية

أعادت التصريحات الأمريكية الأخيرة، التي تلمح إلى احتمالية استئناف التجارب النووية، واحدة من أخطر الملفات إلى واجهة السياسة الدولية. فهل تهدف واشنطن إلى اختبار جاهزية ترسانتها النووية فعلياً، أم أن الهدف هو استخدام هذه الورقة للضغط على روسيا في ملفات التفاوض الاستراتيجي؟

وقعت الولايات المتحدة عام 1996 معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، والتي تحظر كل التفجيرات التجريبية النووية، سواء لأغراض عسكرية أو مدنية. . وبالفعل توقفت الدول النووية عن الاختبارات التفجيرية. حيث توقفت الولايات المتحدة عام 1992، وفرنسا عام 1996، كما لم يعرف أن الصين وروسيا أجرتا أي اختبارات منذ التسعينيات، وكانت كوريا الشمالية الدولة الوحيدة التي اختبرت سلاحا نوويا علنا بهذا القرن، وكان آخر اختبار لها عام 2017.لكن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس اعاد تاكيد على كلام الرئيس ترمب بالقول أن الترسانة النووية لبلاده تحتاج إلى اختبارها لضمان عملها بشكل صحيح، بدون إعطاء تفاصيل حول طبيعة تلك الاختبارات

ثلاث فرضيات لتفسير القرار الأمريكي

هناك ثلاث فرضيات رئيسيه يتداولها الخبراء تعبر او تحاول ان تفسر القرار الامريكي باعادة التجارب النوويه تتراوح بين رد فعل على الابتكارات العسكريه الروسيه الاخيره او اداة تفاوضيه جديده يلوح بها الامريكيون وهذا مخاطره قد تؤدي الى الدخول في سباقات تسلحيه جديده

اولا ردا على الاسلحه الجديده التي اعلنت روسيا عن اجراء تجارب عليها  حيث اعلنت روسيا انها اختبرت بنجاح طوربيدًا تجريبيًا يعمل بالطاقة النووية تحت الماء يُسمى “بوسايدون”، والذي يُشير محللون عسكريون إلى أن مداه قد يتجاوز 6000 ميل (9650 كيلومترًا).وأكد بوتين استحالة اعتراض الطوربيد ويمكنه السفر بسرعة تقارب 185 كيلومترا في الساعة.  بعد ساعات، أعلن ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي: “نظرًا لبرامج اختبار دول أخرى، فقد وجهتُ وزارة الحرب لبدء اختبار أسلحتنا النووية على قدم المساواة. ستبدأ هذه العملية فورًا”.

ثانيا: ان الولايات المتحده تحتاج فعليا لتجريب نوع من الاسلحه النوويه الدقيقه لذلك تريد استخدام ورقه عدم التزام  الصين وروسيا بهذه الاتفاقيه. وفي هذا السياق يقول الاستاذ هادي دلول “ان هذه التجارب في تهدف الى تخليص العينات المشعة أو النظائر المشعة لتحصيل مستوى تخريبي معين، في مكان ما تسمح لأمريكا، في حال تعرضت إلى ضربة نووية روسية أو كورية شمالية، أن تنفذ هذه العملية من خلال هذا التجهيز تحديدا”. ولكن حتى في هذه الحاله ايضا فان الهدف قد يكون ايضا ردعي او ورقه تفاوضيه للضغط على كوريا الشماليه وروسيا ولا يمكن معرفة الى اي مدى قد تؤدي هذه التجارب الى استجابه من قبل تلك الدولتين. وكذلك فان الولايات المتحده قد لاتحتاج للاعلان عن تجارب نوويه لتطوير نمط معين من الاسلحه.

ثالثا: ورقة تفاوضية لإنقاذ معاهدات الحد من التسلح من خلال اجراء تجارب نوويه دون الحرجه:
تُعد “التجارب دون الحرجة” – وهي تجارب محدودة النطاق لا تؤدي إلى تفجير نووي كامل – أحد الخيارات التي قد تلجأ إليها واشنطن كأداة للضغط. ورغم أنها مسموح بها نظرياً في إطار معاهدات الحد من الانتشار، إلا أن الواقع يشير إلى اختلاف في تفسير الالتزام بها بين القوى العظمى. فبحسب وليام ألبرك، المدير السابق لمركز منع الانتشار النووي في حلف الناتو، “لا تتبع الولايات المتحدة وروسيا والصين القواعد نفسها فيما يتعلق بحظر التجارب النووية”. وتلتزم واشنطن بسياسات أكثر تشدداً مقارنة بمنافسيها في نطاق هذه التجارب المسموح بها.

الهدف من ورقة “العودة المحتملة للتجارب” هو دفع روسيا والصين للعودة إلى طاولة المفاوضات، في محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من الإطار الدولي للحد من التسلح. فقد بات النظام الحالي على شفا الانهيار، مع اقتراب انتهاء العمل بمعاهدة “نيو ستارت” بين واشنطن وموسكو في فبراير المقبل، وهي آخر اتفاقية استراتيجية كبرى بينهما، وسط شكوك حول إمكانية تمديدها. كما ترفض الصين حتى الآن المشاركة في أي معاهدة مستقبلية ثلاثية.

وتكتسب الفرضية الاخيره زخماً من خلال السياق الذي صدرت فيه التصريحات الأمريكية الأخيرة، التي ربطت بين الحديث عن التجارب والمطالبة بنزع السلاح. فالقلق الأمريكي الحقيقي لا ينبع من التجارب بحد ذاتها، بل من انهيار نظام الحد من التسلح الذي يمنع انطلاق سباق تسلح غير مقيد. فمن مصلحة الولايات المتحدة الحفاظ على معاهدات مثل “نيو ستارت”، لأنها تُبقي المنافسة ضمن نطاق يمكن التحكم به، وتحافظ على التفوق الأمريكي التقليدي. أي سباق تسلح جديد، خاصة في ظل التطور التكنولوجي الصيني المتسارع، قد ينتج أسلحة ثورية تزعزع قوة الردع الأمريكية وتقلب موازين القوى بشكل غير متوقع.

اكثر السيناريوهات احتمالاً: التفاوض تحت وطأة التهديد المحدود

بناءً على تحليل ديناميكات القوة والمواقف الجيوسياسية الحالية، يبرز سيناريو (التفاوض تحت وطأة التهديد المحدود) كأكثر الاحتمالات واقعية. فبدلاً من انزلاق مباشر إلى سباق تسلح مفتوح، تشير المعطيات إلى أن واشنطن ستسعى لتحقيق توازن دقيق بين التصعيد والاحتواء، حيث تتحول التهديدات بإجراء تجارب نووية  سواء كانت دون حرجة أو حتى تجارب محدودة تتجنب التفجير النووي الكامل  إلى عملة تفاوضية ثمينة في لعبة الدبلوماسية عالية المخاطر.

مع اقتراب موعد انتهاء معاهدة “نيو ستارت” في فبراير المقبل، تدخل الأطراف في مرحلة مفاوضات مضنية تتميز بالتراجع والتقدم. هنا تبرز براعة التوقيت الأمريكي، حيث يُستخدم التلويح بالتجارب النووية كورقة ضغط استراتيجية. فبدلاً الدخول في مواجهة مباشرة، تعلن واشنطن عن استعدادها تعليق التجارب المخطط لها مقابل حزمة من التنازلات تشمل تمديد المعاهدة الحالية بشروط جديدة تواكب التطورات التكنولوجية، أو البدء بمفاوضات جادة حول إطار جديد للحد من التسلح.

ولا تقتصر المكاسب الأمريكية المتوقعة على الجانب الروسي فحسب، بل تمتد إلى محاولة جر الصين إلى طاولة المفاوضات. فمن خلال هذه الاستراتيجية، تسعى واشنطن إلى كسر الحاجز الصيني المتعنت، حيث قد تنجح في انتزاع التزام  ولو كان رمزياً في البداية – بالمشاركة في حوار ثلاثي حول الحد من الأسلحة الاستراتيجية المستقبلية. كما أن هذه الورقة التفاوضية تتيح للولايات المتحدة فرصة للوصول إلى اتفاقيات ثانوية تستهدف تقييد أنظمة الأسلحة الهجومية الجديدة، مثل الطوربيد النووي “بوسايدون” الروسي، الذي يشكل تهديداً استراتيجياً للتفوق العسكري الأمريكي.


لماذا هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً؟

 تدرك جميع الأطراف الكلفة المالية والتكنولوجية الهائلة لسباق تسلح نووي جديد في وقت تواجه فيه تحديات اقتصادية داخلية. وكذلك لا توجد ضمانات كاملة لنتائج التجارب النووية الكاملة، والمخاطر البيئية والسياسية لا يمكن احتواؤها. يقول كثير من الخبراء انه حتى الدول التي لديها برامج نوويه عسكريه ليست لديها المعرفه العلميه الكافيه بما يمكن ان ينتج عن هذه التجارب من اشعاعات وتلوث سواء اتمت على سطح الارض ام في باطن الارض وذكر تيلمان روف المشارك في الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية، بأن الاختبارات، حتى لو كانت تحت الأرض، ليست آمنة بالكامل، لاحتمال تسرب المواد المشعة إلى البيئة والمياه الجوفية.ان أي انفجار ناجم عن هذه القنبلة، قد يؤدي إلى تحريك تسونامي، ويمكن لها أن تستدرج موجهات كهرومغناطيسية من الطبقة التكتونية في باطن الأرض ما يتسبب في هزات أرضية يمكن أن تصيب تلك الدول أصلا. لذلك لا يمكن لها أن تخاطر بإجراء مثل تلك التجارب. إن حدث ذلك، وتمكن خبراؤها حتى ولو بنسبة تصل إلى 90 بالمئة من ضمان عدم حدوث مثل تلك التداعيات، فسيكون من المستحيل التأكد مما سيحدث بعد التفجير

ان مصلحة واشنطن الحقيقية ليست في تفجير القنابل، بل في استعادة الردع الدبلوماسي اي إنها تريد إقناع روسيا والصين بأن عدم التعاون سيكون له ثمن باهظ، دون دفع ثمن باهظ هي نفسها.

. هذا وقد لايقتصر سباق التسلح على القوى العظمى فاذا ما فشلت المفاوضات الحد من التجارب النوويه او نزع الاسلحه النوويه فان الدول ذات القوة الاقليميه ستسعى للحصول على الكعكه الصفراء ايضا وكرد فعل على فشل تمديد معاهدة نيوستارت وقد تلجا الصين لتزويد بعض الدول بقدرات استراتيجيه تهدد القوات الامريكيه وحلفاؤها في المنطقه.

اخيرا لم تَعُد التجارب النووية مجرد مناورة عسكرية، بل تحولت إلى سلاح دبلوماسي ذي حدين. في حين قد تراها واشنطن أداة مثالية للضغط، إلا أن عواقبها قد تدفع العالم نحو منحدر خطير، حيث ينهار النظام الدولي لنزع السلاح وتعود شبح الحروب الباردة، مصحوباً هذا المرة بمخاطر بيئية لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمداها الحقيقي.