آراء ومقالات

مساعدة بحث: حياة المومني

لا تبدو الأحداث الأخيرة في قطاع غزة مجرد تكرار لدوامة الصراع المعهودة، بل تمثل، على الأرجح، لحظة تحول استثنائية تُعيد تعريف معادلات القوة، وآليات التمويل، وأدوات السيطرة غير العسكرية. فبينما شهد القطاع أحد أعنف الهجمات في تاريخه الحديث خلال العامين 2023–2024، تسارعت الملامح الجديدة للصراع، لا عبر الحرب وحدها، بل من خلال ما بعدها: المجاعة، الانهيار البنيوي، وإعادة هندسة القطاع بوصفه ساحة صراع اقتصادي بالدرجة الأولى.

إن الحرب الأخيرة، وفقًا للبيانات الميدانية والتقارير الإنسانية، أفضت إلى دمار شامل طال البنى التحتية، والمراكز الصحية، والمخزون الغذائي،  وحسب تصنيف الأمن الغذائي العالمي وضع أكثر من مليون شخص في غزة ضمن مرحلة المجاعة الفعلية، فيما يعاني أكثر من نصف السكان من انعدام الأمن الغذائي بدرجات حادة. الأمر لا يتعلق بندرة عابرة، بل بانهيار فعلي لمنظومة الغذاء، وسط انهيار البيئة الزراعية وتقلص مساحات الزراعة إلى أقل من 2% من إجمالي الأرض القابلة للاستغلال.

اللافت في هذه المرحلة أن أدوات الصراع لم تعد محصورة في العنف المباشر، بل تحوّلت إلى أدوات اقتصادية وإنسانية تُستخدم كوسائل ضغط وسيطرة، وأحيانًا كشكل من أشكال إعادة الهيكلة السياسية. إذ باتت المساعدات الدولية مشروطة، مرتبطة بالتزامات سياسية أو أمنية، أو موزعة بطريقة تُكرّس الاعتماد ولا تُشجّع الاستقلال المؤسسي أو الإنتاجي. وفي هذا السياق، تصبح المعونات جزءًا من المشهد السياسي لا مجرد استجابة إنسانية له.

التحدي الأكبر يتمثل في استخدام المعابر كمفاتيح حياة، يتم فتحها وغلقها بحسب الحسابات السياسية. وقد جعل هذا من الحياة في القطاع مرهونة بتقلبات إقليمية، ما جعل كل خطة إنقاذ أو إعادة إعمار تفتقد الضمان والاستمرارية. فالمساعدات لا تصل إلا بعد تأخير، ومشاريع الإعمار معلقة، والتوريدات الأساسية تمر عبر قنوات ضاغطة. هذا الشكل من “التحكم غير المباشر” في الحياة اليومية أصبح السمة الأبرز لما بعد الحرب.

من جهة أخرى، تراجعت الزراعة المحلية إلى أدنى مستوياتها، حيث أُتلف ما نسبته 85% من الأراضي الزراعية بفعل الحرب الأخيرة، وانهارت منظومات الري، وأُغلقت المعابر أمام مستلزمات الإنتاج. هذا الواقع جعل من القطاع أكثر اعتمادًا من أي وقت مضى على الإغاثة، في ظل تراجع مصادر التمويل وتشتت جهود الإعمار، ما فاقم التبعية وأضعف القدرة على خلق نموذج اقتصادي بديل.

إن ما يعيشه القطاع اليوم يمكن وصفه بأنه نموذج للاقتصاد المحاصر، حيث تتشابك القيود الأمنية مع الضغوط الاقتصادية، وتتقاطع أولويات الجهات المانحة مع حسابات التوازن السياسي الإقليمي. وقد أفضى ذلك إلى تغييب الحلول المستدامة لصالح إدارات أزمة مؤقتة، تتعامل مع السكان باعتبارهم حالة طارئة دائمة، لا مجتمعًا له حق الاستقرار والتنمية.

المجاعة اليوم في غزة لم تعد مجرد تحذير، بل واقع موثق ميدانيًا. ملايين يعانون من الجوع، وطفولة بأكملها تواجه خطر سوء التغذية الحاد. تشير الأرقام إلى أن أكثر من 320,000 طفل دون سن الخامسة مهددون بسوء تغذية حاد. وترافق هذا الانهيار الغذائي بانهيار موازي في القطاع الصحي: أكثر من 70% من المرافق الصحية خارج الخدمة، ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات، وانهيار في منظومة الإسعاف، ما جعل من الإصابات اليومية كارثة بطيئة لا تجد استجابة.

في المقابل، يُلاحظ أن مشاريع إعادة الإعمار تفتقر إلى مركزية التخطيط، وتُدار وفق أجندات متعددة. الجهات المانحة، رغم أهميتها، تتحرك وفق شروط ومواقف سياسية متباينة، ما يُنتج مشاريع متقطعة وغير متكاملة.

هذا التفكك في الإدارة والتمويل أفرز ظاهرة “إغاثة مشروطة”، حيث ترتبط المساعدات بملفات سياسية أو أمنية، وأحيانًا تذهب إلى أطراف قادرة على التفاوض بدل أن تصل للمحتاجين فعليًا. في هذا السياق، فقدت المساعدات حيادها المفترض، وتحوّلت من فعل إنساني إلى أداة ضبط وتوجيه ضمن معادلات محلية وإقليمية أعقد من أن تُختزل في بعد إنساني فقط.

على الجانب الاجتماعي، دخل المجتمع الغزي في حالة إنهاك بنيوي. النسيج المجتمعي تآكل، والبطالة تجاوزت 70%، والفقر المطلق أصبح واقعًا لغالبية السكان. وهذا يخلق بيئة خصبة لانعدام الأمن المجتمعي، ويفتح الباب أمام احتمالات خطيرة، من بينها الهجرة القسرية، والانخراط في اقتصاد الحرب، وانهيار الثقة بالمؤسسات.

من الزاوية السياسية، فإن الحرب الأخيرة كشفت عن نمط جديد من الضغوط غير المباشرة، تتجاوز المقذوفات والطائرات إلى التفاوض على شروط الحياة اليومية. ويتم ذلك عبر التلاعب بأدوات المعونة، التحكم في البنية التحتية، ومراقبة حركة البضائع والسكان. وهذه المعادلة تُبقي السكان في حالة دائمة من القلق، وتُجهض أي محاولة لتنظيم مقاومة مؤسسية اقتصادية أو اجتماعية.

ما يحدث في غزة اليوم لا يمكن فصله عن سياق أطول للصراع، لكنه يفرض في الوقت ذاته مراجعة عميقة لطبيعة الأدوات المستخدمة. ومع استمرار المجاعة، وتآكل التعليم، وتفكك البنية الاجتماعية، فإننا أمام لحظة فارقة: إما أن تُفتح النوافذ لحياة حقيقية، أو يُترك القطاع ليتآكل من الداخل كلياً

المسألة هنا لا تتعلق فقط بالأمن أو السياسة، بل بالقيم التي تحكم النظام العالمي، وبالإنسانية التي نُفترض أن نتمسك بها. أمام المجاعة التي تتوسع يومًا بعد يوم، وأمام أطفال ينامون جوعى، فإن أي تأخير في التحرك لا يمكن تبريره بأي حسابات استراتيجية خلاصة القول، إن ما يجري في غزة اليوم يتجاوز إطار الحرب إلى هندسة جديدة للمنطقة، تلعب فيها أدوات التمويل، والقيود، والضغط الاقتصادي، دورًا مركزيًا في تشكيل معادلات الصراع. إنها لحظة سياسية وإنسانية فارقة، تستدعي ليس فقط التدخل العاجل، بل إعادة التفكير في أدوات الفعل الدولي، وجدوى استراتيجيات إدارة الأزمة التي أثبتت محدوديتها وخطورتها