آراء ومقالات

شكلت المملكة الأردنية الهاشمية منذ سقوط النظام ثقلًا رئيسيًا في الملف السوري، وذلك لارتباط البلدين جغرافيًا وسياسيًا وعشائريًا، إضافة لوجود آثار سلبية خلفها نظام الأسد المخلوع على المملكة، سواء من حيث أزمة اللاجئين، أو فتح المعابر غير الشرعية للتهريب، وتجارة المخدرات، وعليه لعب الأردن دورًا سياسيًا، عربيًا، ودوليًا منذ سقوط النظام السوري لاحتواء أي آثار سلبية على أراضيه.

كانت البداية باجتماعات العقبة في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2024 وبمشاركة وزراء الخارجية لكل من العراق، مصر، السعودية، قطر، البحرين والإمارات، الأمر الذي أعطى الأردن ثقلًا عربيًا في مساعيه الدبلوماسية تجاه سوريا، وتطور الأمر لأدوار سياسية واتفاقيات مشتركة وتبادل تجاري، خاصة وأن إشارات خرجت من دمشق تقول إنها بدأت العمل بشكل فعلي على طي كافة الملفات التي تقلق الجار الأردني.

وعلى الرغم من الثقل العربي والدولي للمملكة، إلا أنها حافظت على نفسها بعيدًا عن التجاذبات الإقليمية ولم تحسب نفسها ضمن أطراف الصراع الدولية في المشهد السوري، ما أعطاها موثوقية سياسية، سواء من قبل الجانب الحكومي، أو الأطراف المتنازعة معها، وهو ما ظهر مؤخرًا في الأحداث الأخيرة في محافظة السويداء. 

دور سياسي طارئ 

يعتقد أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال، حسن الدعجة، أن الأردن يتعامل مع الملف السوري من منظور أمني وسياسي متشابك، حيث يشكل الجنوب السوري بالنسبة له عمقًا استراتيجيًا وأرض تماس مباشرة مع التحديات والتهديدات القادمة من الساحة السورية، بما في ذلك المخاطر الأمنية المتعلقة بضبط الحدود مع الأراضي السورية، وما تحملته المملكة من أعباء إنسانية كبيرة باستضافة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين. 

فيما يرى مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، حسن المومني، بأن الدور الأردني في سوريا يوصف في سياقه العام بالمساند للحكومة السورية ومؤسساتها، في سبيل إعادة بناء سوريا وتسريع عجلة استقرارها، يعزز ذلك الثقل الأردني عربيًا ودوليًا، وعلاقات المملكة الوطيدة مع الأطراف المعنية بالملف السوري، سواء كان ذلك داخليًا متمثلًا بعشائر درعا والسويداء، أو خارجيًا مع الدول الفاعلة في الملف السوري. 

مصالح مشتركة؟!

ينوه حسن الدعجة إلى مجموعة من الملفات الأمنية والاقتصادية المشتركة بين البلدين، إذ يشكل انتشار شبكات تهريب المخدرات والسلاح في الجنوب السوري تهديدًا مباشرًا لكلا البلدين، إلى جانب مخاطر من تسلل عناصر مسلحة، أو خلايا إرهابية عبر الحدود، إضافة إلى مخاوف اقتصادية من تعطل الحركة التجارية عبر معبر نصيب–جابر نتيجة الوضع الأمني غير المستقر، وما يترتب على ذلك من خسائر مادية وتراجع في حركة البضائع والركاب، وإبطاء فرص الانخراط في مشاريع إعادة الإعمار أو تعزيز التجارة العابرة.

وفي هذا السياق يشدد حسن المومني على ملف الإرهاب، والذي يشكل هاجسًا مشتركًا بين البلدين، لاسيما الخطوات الأمنية التي اتخذتها المملكة مؤخرًا، ومحاولة تنظيم “داعش” إعادة انتشاره في البادية السورية، لافتًا إلى أن المملكة تسعى بشكل جدي وفعال مع الحكومة السورية في سبيل حل مشكلة اللاجئين السوريين على أراضيها.

ثقل أردني في الجنوب السوري

منذ اندلاع الأحداث الدامية في السويداء لعب الأردن دورًا فاعلًا في تهدئة المشهد السوري جنوبًا إذ عقد في الـ 19 من تموز/ يوليو اجتماعات مكثفة ركز فيها على وقف إطلاق النار في السويداء، وإيجاد حل شامل ومستدام للأزمة فيها، ليستمر في جهوده الدبلوماسية والإعلان عن تشكيل مجموعة عمل ثلاثية (سورية-أردنية-أمريكية) في الـ 12 من آب/ أغسطس بهدف دعم الحكومة السورية في جهودها لتثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وذلك بناءً على طلب رسمي من دمشق.

وفي هذا السياق يشير الدعجه إلى امتلاك الأردن ثقلًا في الجنوب السوري بفعل موقعه الجغرافي واتصاله المباشر بمحافظتي درعا والسويداء، وعلاقاته مع بعض الفصائل المحلية والشخصيات العشائرية، إضافة إلى دوره النشط في المبادرات العربية لإعادة إدماج سوريا إقليميًا. إلا أن هذا الثقل يظل مرهونًا بمدى قدرة الأردن على تنسيق المواقف مع دمشق، وضبط التدخلات الإقليمية والدولية، حيث إن أي تسوية سياسية في الجنوب لا يمكن أن تنجح من دون تفاهمات دولية أوسع قد تشمل روسيا والولايات المتحدة وإيران.

أما المومني فيشير إلى المكانة الخاصة والمصداقية للأردن عند العشائر السورية سواء كان في درعا او السويداء، الأمر الذي يجعل دوره أكثر فاعلية في أي وساطة في الجنوب، ويعطيه هوامش واسعة في العمل، بما يصب في المصلحة السورية، لافتًا إلى وجود دعم أميركي للجهود الأردنية بعيدًا عن الأطراف الفاعلة في الجنوب.

مخاوف من أطماع اسرائيلية

على الرغم أن الأردن أبدى في مراحل سابقة انفتاحًا على إنشاء ممرات إنسانية عند الضرورة، إلا أنه رفض بشكل قاطع طلبًا إسرائيليًا بإنشاء ممر إنساني باتجاه السويداء عبر الأراضي الأردنية، نظرًا لما يحمله من أبعاد سياسية وأمنية حساسة، ولإدراكه أن مثل هذه الخطوة قد تُستغل لتكريس نفوذ إسرائيلي في منطقة شديدة القرب من حدوده.

يفسر أستاذ الدراسات الاستراتيجية، حسن الدعجه، الموقف الأردني تجاه المشاريع الإسرائيلية ويراه نابعًا من إدراك عمان بأن أي وجود إسرائيلي مباشر قرب الحدود السورية ـ الأردنية يشكل تهديدًا للأمن القومي، وقد يفتح المجال أمام توترات مع دمشق، فضلًا عن احتمال تحفيز جماعات معادية للأردن على تكثيف نشاطها، وعليه تعمل المملكة على قطع الطريق أمام أي اختراق إسرائيلي للجنوب السوري، بما يحافظ على استقرار حدودها ويمنع تحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح ينعكس سلبًا على أمنها الداخلي ومكانتها الإقليمية.

فيما يؤكد هذا السياق مدير مركز الدراسات الاستراتيجية حسن المومني بأن الأردن يعي الأطماع الإسرائيلية في المنطقة الجنوبية السورية خاصة ملف المياه، وما لذلك من انعكاسات سلبية على الأردن، وعليه يقود الأردن حراكًا سياسيًا ودوليًا لقطع الطريق على الأطماع الاسرائيلية، وهو ما كان واضحًا في البيان المشترك (السوري – الأميركي – الأردني) والذي ركز على وحدة الأراضي السورية بعيدًا عن أي أجندة انفصالية.