حياة المومني
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، برزت مفارقة أخلاقية صارخة في أداء النظام الدولي، تمثّلت في التغاضي الغربي شبه الكامل عن حجم الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، مقابل تبريرات سياسية وأمنية تُسوّقها الدول الكبرى دون مساءلة قانونية. ففي الوقت الذي استُخدمت فيه مفاهيم مثل “التدخل الإنساني” و”حماية المدنيين” كمبرر لتدخلات غربية سابقة، تم تجاهل هذه المبادئ في حالة غزة، بل وتبرير القصف المكثف والحصار باسم “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”. وقد شكّلت هذه الحالة مثالًا فاقعًا على ازدواجية المعايير التي باتت تميّز النظام الدولي، حيث لا تُطبق القواعد الأخلاقية والقانونية إلا وفقًا لاعتبارات جيوسياسية وانتقائية واضحة. هذه الازدواجية لا تُعد استثناءً، بل هي جزء من نمط أوسع يظهر في التعامل مع قضايا دولية أخرى، لعل أبرزها الحرب الروسية – الأوكرانية، التي شكّلت لحظة كاشفة لأزمة المعايير العالمية.
في فبراير 2022، دشّنت الحرب الروسية ـ الأوكرانية تحولًا عميقًا في النظام الدولي، ليس فقط من زاوية الصراع العسكري والجيوسياسي، بل بوصفها لحظة كاشفة لانهيار ما بات يُعرف بالنظام الدولي القائم على القواعد، وهو النظام الذي تشكّل بعد الحرب الباردة تحت الهيمنة الغربية، وتبنى خطابًا معياريًا قائمًا على الديمقراطية، حقوق الإنسان، والتدخل الإنساني، باعتبارها منظومة كونية متفق عليها. هذا المقال يسعى لتفكيك بنية هذا النظام من جهة، وتحليل مؤشرات التحوّل نحو تعددية معيارية تُعيد صياغة التفاعلات الدولية الراهنة.
لقد تأسس النظام أحادي المعايير مع نهاية الحرب الباردة، حينما انهار الاتحاد السوفيتي وصعدت الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القطب الأوحد. لم تكن الهيمنة الأميركية قائمة فقط على القوة الصلبة، بل اندمجت مع توسع هائل في مفاهيم القيم الليبرالية، التي قُدّمت باعتبارها قواعد معيارية يجب أن تلتزم بها الدول كافة، بغض النظر عن خصوصياتها الحضارية أو سياقاتها الجغرافية. وهكذا، تم تصدير قيم النظام الليبرالي الغربي – كالانتخابات الحرة، السوق المفتوحة، التدخل الإنساني، حماية الأقليات – باعتبارها معايير كونية، وتم تقويض السيادة الوطنية في أكثر من حالة لصالح هذه المفاهيم العابرة للحدود. وقد ترافقت هذه المرحلة مع تدخلات عسكرية باسم الديمقراطية (كما في العراق 2003)، أو حماية المدنيين (كما في ليبيا 2011)، دون تفويض أممي فعّال أو إجماع دولي حقيقي.
لكن هذا النظام لم يكن محصنًا ضد التناقضات، إذ بدأت ملامح الازدواجية الأخلاقية تظهر في سلوك القوى الغربية، حيث باتت المعايير ذاتها تُطبّق بصورة انتقائية تبعًا للمصالح الاستراتيجية. على سبيل المثال، تم تجاهل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قبل دول حليفة، في حين تم تسليط الضوء الحاد على دول أخرى لا تتوافق مع البنية الغربية. كما لم يكن النظام قادرًا على كبح جماح دول كبرى خارج المنظومة الليبرالية، مثل الصين وروسيا، وهو ما أدى تدريجيًا إلى تعاظم التناقض بين الخطاب المعياري والممارسة الواقعية للنظام.
جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا لتكشف هذه التناقضات بشكل فجّ، فقد أعلنت روسيا بوضوح رفضها لمسار تمدد الناتو شرقي أوروبا، واعتبرت أوكرانيا ساحة نفوذ لا تقبل المساس بها. بالمقابل، قدم الغرب نفسه باعتباره المدافع عن السيادة الأوكرانية والقيم الديمقراطية، وفرض حزمة عقوبات غير مسبوقة، وساند كييف عسكريًا واقتصاديًا، دون اللجوء إلى مجلس الأمن الذي فشل في إصدار أي قرار ملزم بسبب الفيتو الروسي. هنا تبرز المعضلة: النظام الدولي الذي قام على مؤسسات وأطر قانونية ملزمة، لم يعد قادرًا على إدارة الأزمات الكبرى، وأصبح مرهونًا بمعادلات توازن القوى أكثر من كونه نظامًا معياريًا عالميًا موحدًا.
في الوقت ذاته، رفضت قوى صاعدة الانخراط الكامل في الموقف الغربي، بل امتنعت دول كبرى في الجنوب العالمي – مثل الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا – عن إدانة روسيا صراحة أو دعم العقوبات، ما يعكس أن هذه الدول لم تعد ترى في المعايير الغربية مرجعية شاملة، وإنما تعتبرها تعبيرًا عن مصلحة سياسية متنكرة بثوب أخلاقي. حتى الصين، رغم شراكتها الاقتصادية مع الغرب، اتخذت موقفًا متحفظًا، دعت إلى حل تفاوضي، لكنها لم تدعم العقوبات، بل ساهمت في إضعاف تأثيرها من خلال التبادل التجاري المباشر مع موسكو.
لا يمكن فصل هذا التحوّل عن التغيرات البنيوية في الاقتصاد والسياسة العالمية، حيث لم تعد الدول تقيس مصالحها عبر منظومة واحدة، بل باتت هناك تعددية معيارية فعلية، تتيح لكل كتلة جيوسياسية أن تُعرّف مصالحها وقيمها ضمن توازن داخلي لا يخضع بالضرورة لإرادة المركز الغربي. لقد أصبحنا أمام نظام دولي لا يحتكم إلى “معيار واحد” بل إلى معايير متعددة متنافسة: معيار ليبرالي غربي، ومعيار سيادي آسيوي، وربما معيار تعددي إسلامي أو أفريقي في طور التشكّل. هذا التنافس لا يعني أن النظام القديم اختفى، بل أنه اختل توازنه في الهيمنة المنفردة، وصار أحد أطراف الجدال وليس حَكمًا عليه.
أحد أبرز مظاهر هذا التحوّل هو الانقسام الحاد في تصويتات الأمم المتحدة، حيث بات واضحًا أن الجبهة الغربية لم تعد قادرة على تأمين أغلبية شاملة، وأن بعض القضايا التي كانت تعتبر “أخلاقية بديهية” لم تعد كذلك في نظر كتل جيوسياسية واسعة. كما أن التحالفات الجديدة مثل مجموعة البريكس توسّعت لتضم قوى غير غربية تبحث عن بنية مالية واقتصادية وسياسية بديلة، بمعايير لا تهيمن عليها واشنطن أو بروكسل. هذه التحالفات لا تزال في طور التشكل، لكنها تحمل دلالات رمزية على رفض الأحادية، وتبني تدريجي لبدائل معيارية قائمة على التوازن والمصالح المشتركة.
لكن في مقابل هذا الصعود المتعدد، لا تزال هناك تحديات بنيوية، فغياب مرجعية معيارية موحدة قد يؤدي إلى اضطراب طويل الأمد، أو إلى صراع بين المعايير ذاتها. كذلك، قد تستغل بعض الأنظمة هذا التعدد لتبرير الانتهاكات دون رقابة. لذا، فإن المطلوب ليس هدم المعايير العالمية، بل إعادة صياغتها ضمن شراكة حقيقية تراعي الخصوصيات الثقافية والسياسية، وتمنع احتكار القوة من فرض الأخلاق بوصفها مطلقة.
من هنا، فإن نهاية النظام ازدواجي المعايير لا يعني الفوضى، بل الانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وتنوعًا، يكون فيها الإجماع العالمي نتاجًا لحوار سياسي صادق لا لإملاء جيوسياسي. الحرب في أوكرانيا، والحرب في غزة، رغم آلامهما، فتحتا المجال لإعادة تقييم دور المؤسسات الدولية، ومكانة القانون الدولي، ومعنى السيادة، وعلاقة الأخلاق بالقوة. ربما نشهد ولادة نظام دولي جديد، ليس بديلاً جاهزًا، بل بنية تتشكل على وقع النزاع، وتكشف كل من الحرب على غزة والحرب في أوكرانيا أن ازدواجية المعايير لم تعد مجرد إخفاقات أخلاقية، بل أعراض لخلل بنيوي أعمق، يرتبط بمرحلة انتقالية يعيشها النظام الدولي نحو تعددية قطبية لم تُحسم بعد، حيث تتنافس القوى الكبرى على إعادة تعريف الشرعية الدولية من جديد، كلٌ وفق روايته ومصالحه.


