آراء ومقالات

المقدمة

يقوم أخصائيو الأطراف الاصطناعية والأجهزة المساندة بدور حيويً في الرعاية الصحية من خلال تصميم وتركيب الأطراف الاصطناعية والأجهزة المساندة للأفراد ذوي الإعاقة. وعلى الرغم من دورهم الأساسي، إلا أن مهنتهم تظل غير معترف بها إلى حد كبير فيما يتعلق بالسلامة المهنية وحقوق العمل في الأردن. يعمل هؤلاء الأخصائيون في بيئات خطرة، حيث يتعرضون للمواد الكيميائية السامة، ولأغبره، والإصابات الجسدية. إن نقص الاهتمام بظروف عملهم ترك العديد منهم عرضة لإصابات العمل دون حماية كافية أو تأمين أو أنظمة سلامة مناسبة.

المشهد السياسي للسلامة المهنية في الأردن

تُعد السلامة المهنية حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، وهي جزء من الاتفاقيات الدولية للعمل، مثل تلك التي وضعتها منظمة العمل الدولية (ILO) ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، ومع ذلك لا يزال أخصائيو الأطراف الاصطناعية والأجهزة المساندة في الأردن يعملون في بيئات تفتقر إلى تطبيق التدابير الأساسية للسلامة. إذ تفتقر العديد من الورش إلى التهوية المناسبة، مما يُعرّض العمال لاستنشاق الأبخرة الضارة الناتجة عن المواد الكيميائية مثل مواد الصّب والمواد اللاصقة. بالإضافة إلى ذلك، يؤدي استخدام الآلات الثقيلة، والأدوات الحادة، والمهام البدنية المتكررة إلى زيادة مخاطر الإصابة بالاضطرابات العضلية الهيكلية وحوادث العمل.

على الرغم من أن قوانين العمل الأردنية تتضمن أنظمه شاملة للسلامة المهنية، إلا أن ضعف تنفيذها يترك العاملين في هذا المجال دون حماية كافية. فالإطار القانوني مُحكم البنية ومتوافق مع المعايير الدولية للعمل، لكن الرقابة غير المنتظمة وغياب آليات التنفيذ الصارمة أدّيا إلى انتشار واسع لحالات عدم الامتثال. كما يفتقر العديد من العاملين إلى معدات الحماية الشخصية، والتدريب على إدارة المخاطر، والمراقبة الصحية، مما يزيد من المخاطر التي يواجهونها.

ثغرات في السلامة المهنية: أدلة من الميدان

تكشف البيانات المستمدة من المقابلات والاستبيانات التي أُجريت مع العاملين في الأطراف الاصطناعية والأجهزة المساندة في مختلف أنحاء الأردن عن اتجاهات مقلقة. وتُعدّ إحدى أبرز القضايا ضعف الوعي لديهم بحقوقهم القانونية فيما يتعلق بالسلامة المهنية والتعويض عن الإصابات. إذ إن عدم إدراك العديد من العاملين للتدابير الوقائية التي يحق لهم الاستفادة منها يُعيق قدرتهم على المطالبة بظروف عمل أفضل أو اللجوء إلى الجهات المختصة عند انتهاك حقوقهم.

بالإضافة إلى ذلك، لا تزال معدلات الإصابات والأمراض المهنية مصدر قلق بالغ، فقد أفاد عدد كبير من العاملين بمعاناتهم من مشكلات تنفسية ناجمة عن التعرض المستمر للجسيمات المحمولة في الهواء والمواد السامة. ويؤدي استخدام مواد مثل مواد الصب والمواد اللاصقة والمركّبات الكيميائية الأخرى في بيئات تفتقر إلى التهوية المناسبة إلى مخاطر صحية جسيمة. كما تساهم الاضطرابات العضلية الهيكلية الناتجة عن المهام المتكررة، ورفع الأحمال الثقيلة، وساعات العمل الطويلة، في تفاقم الأعباء الصحية التي يعاني منها العاملين في هذا المجال.

ومن القضايا الحرجة الأخرى نقص تدابير السلامة في ورش الأطراف الاصطناعية والأجهزة المساندة. حيث لا تلتزم العديد من أماكن العمل بمعايير التهوية السليمة، مما يترك العمال عرضة للأبخرة السامة. كما أن معدات الحماية الشخصية مثل الأقنعة والقفازات ونظارات السلامة إما غير متوفرة أو يتم استخدامها بشكل غير منتظم. إضافة إلى ذلك، فإن بروتوكولات الاستجابة للطوارئ، مثل صناديق الإسعافات الأولية وإجراءات السلامة من الحرائق، غير كافية أو غائبة تمامًا في بعض القطاعات.

أخيرًا، تؤدي الثغرات التنظيمية وضعف آليات التنفيذ إلى تفاقم هذه المشكلات، فعلى الرغم من أن قوانين العمل الأردنية تتضمن بنودًا متعلقة بالسلامة المهنية، إلا أن تطبيقها لا يزال غير منتظم، وغالبًا ما تفتقر الهيئات الحكومية المسؤولة عن الرقابة إلى الموارد أو المبادرات اللازمة لفرض الامتثال، ونتيجةً لذلك، تستمر العديد من الورش في العمل دون الالتزام بالمعايير الضرورية للسلامة، مما يعرض العمالين في هذا المجال لمخاطر غير مبررة.

العوائق التي تحول دون تنفيذ معايير السلامة المهنية

 يعد غياب التمثيل الرسمي إحدى العقبات الرئيسية التي تعيق تحسين السلامة المهنية لأخصائي الأطراف الاصطناعية والأجهزة المساندة في الأردن. إذ يفتقر العاملون في هذا المجال إلى تمثيل قوي داخل النقابات العمالية أو المنظمات المهنية، مما يجعل من الصعب عليهم إيصال مخاوفهم أو الدفع نحو تغييرات تشريعية وسياسية. وبدون هيئة مخصصة للدفاع عن حقوقهم، تبقى قضايا سلامتهم المهنية إلى حدّ كبير دون معالجة.

كما يشكل ضعف تنفيذ الأنظمة الحالية للسلامة تحديًا رئيسيًا آخر، فعلى الرغم من أن قوانين العمل الأردنية تتضمن بنودًا تتعلق بسلامة أماكن العمل، فإن الجهات الحكومية المسؤولة عن تنفيذها غالبًا ما تفشل في إجراء عمليات تفتيش دورية أو فرض عقوبات على أصحاب العمل غير الملتزمين. ويؤدي هذا الافتقار إلى الرقابة إلى استمرار العديد من الورش في العمل دون اتخاذ تدابير السلامة اللازمة، مما يُعرّض العاملين لمخاطر جسيمة.

وتلعب القيود المالية أيضًا دورًا بارزًا في عرقلة تنفيذ بيئات عمل أكثر أمانًا، إذ تعمل العديد من ورش الأطراف الاصطناعية والأجهزة التقويمية بميزانيات محدودة، مما يجعل من الصعب عليها الاستثمار في معدات الحماية الشخصية أو أنظمة التهوية أو برامج الفحص الصحي الدوري. وتواجه الورش الصغيرة على وجه الخصوص صعوبة في تخصيص الموارد المالية اللازمة لتطبيق تدابير السلامة الضرورية، مما يؤدي إلى ظروف عمل دون المستوى المطلوب.

وأخيرًا، يُفاقم غياب برامج التدريب على الصحة والسلامة المهنية المخاطر في بيئات العمل، فالكثير من أخصائيي الأطراف الاصطناعية والأجهزة المساندة يفتقرون إلى التعليم والتدريب على أفضل الممارسات للحدّ من المخاطر المرتبطة بعملهم. وبدون برامج تدريبية منظمة، قد يعرّض العمال أنفسهم دون قصد لمخاطر يمكن تجنبها، مما يزيد من احتمالية وقوع إصابات في مكان العمل وظهور مشكلات صحية طويلة الأمد.

تعزيز السلامة المهنية: السياسات والحلول العملية

لمعالجة هذه القضايا الحرجة، ينبغي اتخاذ عدة تدابير رئيسية، من بينها:

  • تعزيز الأنظمة والرقابة على السلامة المهنية: يجب على الهيئات التنظيمية إجراء عمليات تفتيش دورية وفرض عقوبات أكثر صرامة على أماكن العمل التي لا تمتثل لمعايير السلامة، لضمان بيئات عمل آمنة ومطابقة للمعايير المعتمدة.
  • برامج توعية العمال: ينبغي إطلاق مبادرات تعليمية تهدف إلى توعية العاملين في هذا المجال بحقوقهم وبأفضل الممارسات المتعلقة بالسلامة المهنية، لتمكينهم من الدفاع عن ظروف عمل أكثر أمانًا.
  • الاستثمار في معدات الحماية: يتوجب على أصحاب العمل توفير معدات الحماية الشخصية المناسبة، بما في ذلك أجهزة التهوية، والقفازات، ونظارات الوقاية، للحد من المخاطر الصحية التي قد يتعرض لها العاملون في هذا المجال.
  • التدريب على السلامة المهنية: ينبغي إدخال ورش عمل وبرامج تدريبية تضمن أن جميع أخصائيي الأطراف الاصطناعية والأجهزة المساندة لديهم فهم واضح لكيفية تطبيق أفضل ممارسات السلامة أثناء العمل.
  • دعم برامج المراقبة الصحية: يجب إجراء فحوصات صحية دورية للعاملين الذين يتعرضون للمواد الخطرة، للكشف المبكر عن المشكلات الصحية المحتملة واتخاذ التدابير اللازمة لحمايتهم.

إن تنفيذ هذه التدابير سيساهم في تعزيز معايير السلامة المهنية، وحماية العاملين، والحدّ من المخاطر التي يواجهونها، مما يؤدي إلى بيئات عمل أكثر أمانًا واستدامة في قطاع الأطراف الاصطناعية والأجهزة المساندة في الأردن.

الخاتمةالسلامة المهنية حق أساسي لا ينبغي التغاضي عنه. يستحق أخصائيو الأطراف الاصطناعية والأجهزة المساندة في الأردن الاعتراف الكامل بحقوقهم المهنية وحمايتهم من المخاطر في أماكن العمل. ومن دون إصلاحات عاجلة، سيظل العمال يواجهون مخاطر غير ضرورية قد يكون لها عواقب طويلة الأمد على صحتهم ورفاههم. يجب على الجهات المعنية، بما في ذلك الهيئات الحكومية والجمعيات المهنية ومنظمات حقوق العمال، أن تتعاون لضمان حصول هؤلاء العاملين على معايير السلامة المهنية والحقوق العمالية التي يستحقونها. حان الوقت للتحرك، يجب على الأردن تنفيذ القوانين القائمة وإعطاء الأولوية لرفاهية هؤلاء العاملين الذين يكرسون حياتهم لمساعدة الآخرين.

لينا البندك