تقدير الموقف

بلال العضايلة

في إطار عملية “حارس الازدهار” لاستعادة حرية الملاحة في البحر الأحمر – مضيق باب المندب، نفّذ الجيش الأمريكي هجمات غير مسبوقة نوعاَ ضد أهداف في ست محافظات يمنية تخضع لسيطرة قوات أنصار الله “الحوثي”، واستهدفت الضربات التي شاركت بها حاملة الطائرات “هاري ترومان” أكثر من 200 هدف ضد مراكز قيادة وسيطرة، ومستودعات صواريخ، وترددت أنباء عن استهداف مستشارين تابعين للحرس الثوري وحزب الله اللبناني لهم دور في التوجيه العملياتي لحملة تقييد السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية.

وفيما أعلنت القيادة الوسطى الأميركية (CENTCOM) مساء الأحد 17 مارس 2025 استمرار الضربات الدقيقة ضد أهداف في اليمن، ثمّة شكوك حول ما إذا كانت هذه الضربات قادرة حقاً على تحقيق “الحسم”، فتزامناً مع بدء وصول الصواريخ والقنابل إلى أهدافها، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بياناً على منصة تروث سوشيل قال فيه أنه أمر بعمل عسكري “حاسم” ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، ومع عدم الإعلان عن إنتهاء هذا العمل يبقى التساؤل مشروعاً حول “القدرة” و”الإرادة” الأمريكية لتحقيق “الحسم”.

وقبل الحديث طبيعة الحسم في حروب القرن الحادي والعشرين، لا بد من الإشارة إلى مسألتين ترتبطان بالملف اليمني:

الأولى هي مسألة صورة الولايات المتحدة ودورها كحافظ للسلم الدولي وأمن الملاحة، فمن أسس نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية – أو ما يطلق عليه النظام القائم على القواعد Rules – Based International Order”- هو تدفق الشحن البحري عبر المضائق دون عرقلة. واعتبر التفكير الاستراتيجي الأمريكي حماية الملاحة جزء من هيبتها ودورها كقوة عظمى تعمل على أنها طرف آمر “Ordering Agent” في النظام الدولي.

وصحيح أن ترامب لا تحمل عقيدته السياسية تقديراً للتصرف على أساس التقاليد السياسية المتعاقبة، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بإظهار القوة والصلابة فإنه لا يتردد في بثّ إشارات ورسائل حادة يعيد بها منظومة الردع ويضبط الإيقاع على وتر المصلحة الأمريكية العليا، تماماً كما حصل عند اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني في يناير 2020 على أرض مدرج مطار بغداد الدولي، رغم أنه كان جزء من حلقة إدارة عليا للنفوذ الإيراني الإقليمي الذي بلغ وقتها أوج ذروته بالسيطرة على 4 عواصم عربية كما صرح بذلك عدة مسؤولين إيرانيين. ولم يتردد ترامب في اصدار أمر اغتياله مع ادراكه المسبق وجود احتمالات موثوقة الدقة لرد إيراني قاسي، ولكن ذلك لم يحدث.

من هنا، وبعيداً عن كون الإدارة الأمريكية تسعى إلى فكّ الاشتباك مع أزمات العالم المكلفة وتقليص الانفاق على الانتشار العسكري حول العالم، إلا أن مسألة العظمة تحافظ على احترام ترامب. لذلك هو أعاد تصنيف الحوثي على قوائم الإرهاب في مطلع ولايته الحالية بعد رفعها من قبل إدارة بايدن. وفيما شنّت الأخيرة ضربات على الحوثيون إلا أنها لم تفضي إلى تقليص حاد لقدراتهم، وحتى هذه الضربات كان هدفها المعلن الضغط على الحوثيون لاستعادة الملاحة، وكانت محدودة زماناً ومكاناً، أما ما يجري الآن فهو على ما يبدو “حملة” مفتوحة زماناً ومكاناً لتحقيق الهدف في تحطيم القدرات الحوثية المزعزعة لحركة الملاحة.

أما المسألة الثانية فتتصل بالمفاوضات النووية المتعطلة، إذ يمكن اعتبار تلك الضربات على أنها جزء من إعداد طاولة مفاوضات فيها الموقف التفاوضي لطهران لطهران منزوع منه أبرز أوراقه: الجماعات العسكرية الحليفة. وبعد سقوط “الحليف” في دمشق وتقهقهر “الوكيل” في لبنان وتضعضع “الشريك” في العراق؛ يُظهر تقييم وضع شبكة النفوذ الإقليمي لإيران أن ما من ركن سليم نسبياً فيها باستثناء قوات أنصار الله، لا بل يمكن القول أن ثمة رهان إيراني على أن تكون تلك الميليشيا البديل المكافئ عن حزب الله في الاستراتيجية الإيرانية، ولتتحول إلى عقدة الوصل والإدارة لكل الفصائل المقربة من طهران في الشرق الأوسط.

من هنا يقف الحوثيون وداعموهم أمام خيارين بالغي التعقيد والكلف:  فهم لا يستطيعون الإعلان عن وقف تقييد الوصول إلى الموانئ الإسرائيلية، لأنهم بذلك يبعثون برسالة ضعف أمام المفاوض الأمريكي، وهم أيضاً قد لا يستطيعون الاستمرار تحت وطأة حصار قاسي وضربات مستمرة. يضاف إلى ذلك أن طهران في التوقيت الحالي لا تمتلك رفاهية دعم حلفائها لأسباب لا يتسع المقال لإيجازها. 

ولكن قد يوفر إعادة تفاهمات الهدنة ووقف إطلاق النار في غزة مخرجاً لهذه العقدة -قبيل الانتهاء من كتابة هذه الورقة أعلن مكتب نتنياهو استئناف العمليات العسكرية ضد حماس في غزة -. ومن المضلّل افتراض أن هذا المخرج “أي وقف الحوثي لحصار الموانئ الإسرائيلية مقابل وقف العدوان على غزة” سيكون دائماً، ذلك أن تل أبيب ومعها واشنطن لن تتسامح مع وجود ميليشيا تمتلك القدرة على تقويض حركة الملاحة في مضيق حيوي لحركة الشحن. من هنا، عاجلاً أو آجلاً سيتم دفع ملف الحوثي من أجل “حسمه” كما جرى مع حزب الله.

الحسم العسكري في القرن الحادي والعشرين

بالعودة إلى مفردة “حاسمة” التي وصف بها ترامب العملية ضد اليمن، فإن أدبيات الحروب غير المتكافئة والأمثلة العملية التي تزدحم بها الذاكرة تدللان على أن الحسم لم يعد مسألة محسومة، بل هو مسألة نسبية ليست مطلقة. وإن كان يمكن النظر إلى الحسم على أنه تحقيق الهدف السياسي بوسائل عسكرية قسرية بطريقة يُقصي فيها المنتصر اعتبارات الطرف المقابل ويفرض عليه تغيير سلوكه بما يتسق ومنظور المنتصر، فإن مثل ذلك “الحسم” ضد قوات أنصار الله يبدو صعباً لاعتبارات كثيرة.

 فأولاً توفر المساحة الشاسعة لليمن والطبيعة الجبلية المليئة بالجيوب الضيقة ملجأً طبيعياً للوقاية من الهجمات، إذ تبلغ مساحة اليمن 555 ألف كيلو متر مربع، تسيطر قوات أنصار الله على 22,8% من مجمل هذه المساحة حسب أقل التقديرات بما يعادل 126 ألف كيلو متر مربع، وهي مساحة تقترب من مساحة دولة اليونان. 

ولعبت الطبيعة الطبوغرافية لليمن دوراً في إضعاف أثر عمليات التحالف العربي بقيادة السعودية لاستعادة الشرعية، فلم تسفر سنوات من العمل العسكري المكثف عن تحقيق الهدف السياسي المتمثل في بسط السلطة الشرعية على امتداد الجغرافيا اليمنية.

ثاني هذه العوامل، وعلى صلة بالبند الأول، اكتسبت قوات أنصار الله خلال عقد من سيطرتها على الأرض والسكان خبرة عملياتية ميدانية تمنحها قدرة على التكيف مع ظروف القتال الحقيقي، وهي مهيئة لوجستياً، وأيضاً على صعيد القيادة والسيطرة والاتصالات، لمواجهة حملة أمريكية طويلة الأمد.

ثالثاً، وربما هذا العامل هو الأهم، أن إدارة ترامب لا تملك إرادة ورغبة لاستنزاف مالي جديد وفتح صفحة أخرى مما يطلق عليه ترامب “الحرب اللانهاية لها – Endless War” في إشارة إلى انخراط الولايات المتحدة في عمليات عسكرية حول العالم. فعقيدة “أمريكا أولاً” وما تتضمنه من تقليص الأصول الأمريكية – سواء عسكرياً أو مالياً- المخصّصة لقضايا السياسة الخارجية تضغط نحو عملية أمريكية جراحيّة محددة المدة والأهداف. 

يضاف إلى ذلك أن تصعيد الاضطراب الأمني في مضيق باب المندب سيترتّب عليه توسيع عرقلة سلاسل التوريد والشحن للعالم برمّته، مما قد يقود إلى ارتفاع أسعار النفط وكلف الشحن، الأمر الذي سيرتد على قيم التضخم في الولايات المتحدة نفسها.

على النقيض من هذه العوامل، ومما يمكن اعتباره محفّزات للحسم الأمريكي، فإن الحراك الأمريكي قد يكون فعلاً حاسماً إذا تضافرت عدة عوامل، أولها وأبرزها تزامنها مع حراك للجيش اليمني الشرعي والمجموعات العسكرية الحليفة المناوئة للحوثي، كالمجلس الانتقالي الجنوبي – ثمة تباينات واسعة بين الشرعية والمجلس الانتقالي بحاجة إلى تفصيل، قد يُفرد لها مساحة تحليلية أخرى – فمن شأن تحرك برّي منظّم منسّق مع العمليات الجوية المكثّفة أن يخلخل خطوط التماس ويربك الخطط البرية الدفاعية للحوثيون.

ومن الملاحظ أن الضربات الأمريكية الأخيرة وصلت إلى محافظات جديدة نسبياً غير معتاد تعرّضها لهجمات جوية، كمحافظة مأرب الواقعة على تماس مباشر مع قوات الشرعية. وتزامناً مع هذه الضربات، صرّح رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة، الفريق الركن صغير حمود بن عزيز بـ”جاهزية القوات المسلحة واستعدادها لتنفيذ أي مهام أو توجيهات من قبل القيادة السياسية والعسكرية لاستكمال معركة التحرير واستعادة مؤسسات الدولة وهزيمة تنظيم الحوثي الإرهابي”، في حين رفعت وزارة الدفاع جاهزيتها القتالية في مختلف الجبهات، بما فيها محافظة مأرب الحيوية بحسب تصريحات رسمية.

إذاً، قد تشكّل الحملة الأمريكية إن توسعت “اللحظة المناسبة” لحراك على الأرض، لا سيما وأن حجم هذه الحملة يحمل في طياته أبعاد عملياتية مهمة، ويتضح ذلك من حجم القتلى المعلن ومن طبيعة الأهداف، فتركز القصف في منطقة الجراف شمال صنعاء التي يعدها مراقبون “الضاحية الجنوبية” في صنعاء.

ولم يتردد البنتاغون في تأكيد القضاء على عشرات القيادات من بينهم مسؤولين عن تطوير الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية، مما يعني أن سياسة “قطف الرؤوس” قد تكون انطلقت فعلاً. وهنا يطفو إلى الذهن تمكّن الاستخبارات الإسرائيلية من القضاء على صف القيادة الاستراتيجية الأول في حزب الله في غضون 6 أسابيع، وما تلا ذلك من انهيار معنوي طال عموم أركان وجمهور “محور المقاومة”. 

وعليه، قد تتراكم المعطيات لتحرك ميداني مؤثر “يحسم” السيطرة الميدانية الحوثية، وبما يشابه سقوط حكومة الأسد بعد سلسلة ضربات إسرائيلية مطوّلة تلاها تحرك ميداني لفصائل المعارضة السورية، مع ضرورة مراعاة الاختلافات الواسعة بين الحالتين (سيطرة الأسد في سوريا، وسيطرة أنصار الله في اليمن).

ثاني العوامل التي قد تعزز الحسم الأمريكي، هو أن هذه الضربات قد تعمّق الاختلالات البنيوية الهيكلية في القدرات الإدارية الخدمية للميليشيا الحوثية،  عبر تعطيل المنشآت الخدمية ومزيد من حجب الوصول إلى الدولار. ولن تتوانى إدارة ترامب في تطبيق نسخة قاسية من سياستها المفضلة “العقوبات القصوى” ضد مناطق سيطرة الحوثيون، بهدف خلق ظروف قاهرة تنفّر الحاضنة الاجتماعية للجماعة من فكرهم وأيديولوجيتهم. 

وليل الاثنين 18 مارس 2025 تم تدمير مصنع حديد بالكامل في محافظة الحديدة، ونظراً للطبيعة المزدوجة الاستخدام (مدنية وعسكرية)  لكثير من المنشآت التي تسيطر عليها قوات أنصار الله وتسخيرها لغايات عسكرية، فإن كثير من المنشآت التي تستخدم مدنياَ قد تكون على لائحة الاستهداف في قادم الأيام، مما سيرتد بمزيد من التدهور المعيشي.

خلاصة القول، قد يبدو قاصراً النظر إلى الضربات الأمريكية ضد الحوثيون من زاوية المفاوضات مع إيران، ، فالمعطيات تدلل على تعاظم قدرة الحوثيين على العمل المستقل عن الدعم الإيراني، إذ أثبتوا براعة تكتيكية في محاصرة الموانئ الإسرائيلية. من هنا لا بد من عدم تقليل التقدير الامريكي بضرورة استهداف الحوثيون، فهذا الهدف لا يقل عن بث رسائل زجر أمريكية للمفاوض الإيراني.

وبكل تأكيد، من القصور أيضاً افتراض أن الضربات الأخيرة غير ذات صلة بإعداد واشنطن لمفاوضات “حاسمة” مع طهران تسوّى فيها الملفات الثلاث المتأزمة معها منذ عقود: البرنامج النووي، البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي.

من هنا يطل برأسه التساؤل حول حدود الإسناد الإيراني لحليفها في اليمن، وعمّا إذا كانت ستدعمهم بطرق مباشرة وغير مباشرة، أم ستتركهم يواجهون مصيرهم كحزب الله والحكومة السورية السابقة. ومن غير المتوقع – ولا العقلاني- اتخاذ طهران قرار الدعم المباشر، ولكن مثل هكذا توجه ليس مستحيلاً، لأن الحوثي على تخوم باب المندب هو المكافئ لتقهقر حزب الله على خاصرة إسرائيل الشمالية.

ولطالما أنكرت طهران دعمها الحوثي آخرها في رسالة وُجهت لمجلس الأمن بعد إعلان ترامب أن إيران “ستحمل مسؤولية كل طلقة نار” يطلقها الحوثيون، حيث أبلغت البعثة الإيرانية في الأمم المتحدة رسالةَ احتجاج ضد التهديدات الأمريكية، مؤكدة أن “الحوثيون وسلطات اليمن يتخذان قرارتهما وإجراءاتهما بشكل مستقل، ولم ننتهك حظر الأسلحة على اليمن”. 

ولعل الغائب الأبرز عن الجدال السياسي والعسكري في اليمن هو مسألة عودة الشرعية، فتهديد الملاحة البحرية ليس المشكلة الحقيقية وإنما في الاعتداء على الشرعية، من هنا يكون حسم التهديد عبر حلّ سياسي يُجبر فيه الحوثي على الالتزام بأسس العمل السياسي ويدمج سلاحه على أسس المصلحة اليمنية الخالصة، وهذه مسألة أخرى أعقد من حرية الملاحة في باب المندب.