أحدث الأخبارأخبارنا

     

إشراف: أ.د حسن محمد المومني

إعداد: بلال العضايلة

يتهيأ البيت الأبيض لاستقبال ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في زيارة هي الأولى له منذ 7 سنوات وثاني زيارة له منذ توليه ولاية العهد، إذ سبق للأمير الشاب أن قام بزيارة حافلة إلى الولايات المتحدة تخللها لقاء مع الرئيس الأمريكي في ولايته الأولى في ربيع 2018، واستمرّت تلك الزيارة 3 أسابيع عقد فيها لقاءات مع النخب السياسية وقادة الشركات التكنولوجية وعقد على هامشها صفقات ضمن رؤية 2030 الهادفة إلى تنويع الاقتصاد وتوسيع القطاعات غير النفطية. وجاءت تلك الزيارة ضمن جهد الدولة السعودية لإنجاز تحولات شاملة تعيد تنظيم التفاعلات المجتمعية السياسية وترسم ملامح مرحلة جديدة تبني على ما أُنجز وتستأصل تشوّهات بنيوية نخرت في بنية العقل الجمعي السعودي.

وبعد سبعة سنوات واجهت فيها المملكة تحديات دبلوماسية وجيوسياسية، يجري محمد بن سلمان هذه الزيارة التي تختلف عن سابقتها على أكثر من صعيد، فهذه الزيارة أمنية دفاعية استراتيجية ومقتصرة على ثلاث أيام وليس 3 أسابيع، ولا يرجع ذلك لضعف الزخم السعودي وإنما لاعتبارات تتصل بأن الحاجة إلى ترويج الوجه الجديد للسعودية قد انتفت، فمسار استقطاب التكنولوجيا الأمريكية إلى السعودية أو ضخ استثمارات سعودية في الأسواق الأمريكية يجري في وتيرة متسارعة، آخر تطوراته ما تم خلال منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي الذي عُقد بالرياض في مايو الماضي بحضور الرئيس الأمريكي، إذ أكد بن سلمان أن المملكة تعمل على فرص شراكة بحجم 600 مليار دولار، من بينها اتفاقيات تتجاوز قيمتها 300 مليار دولار تم إعلانها خلال المنتدى.

كما تختلف هذه الزيارة عن سابقتها من حيث السياق الإقليمي الذي تجري فيه، فالمنطقة عنوانها الحالي هو “شرق أوسط ما بعد 7 أكتوبر” الذي تقلّصت فيه شبكة النفوذ الإيراني الإقليمي إلى حد أنها لم تعد تمثل التهديد المزعزع للاستقرار الإقليمي، في المقابل تبرز السياسات الإسرائيلية التوسعية كتهديد للأمن الإقليمي وبما يتصادم مع الرؤية السعودية – كما في حالة سوريا، ففي الوقت الذي تنهمك فيه الرياض في تثبيت الحكم الانتقالي، لا تنفك تل أبيب في تقويض السلطة الناشئة- لا بل كان مُلاحظاً في هذه المرحلة بروز تباينات سعودية إسرائيلية إلى السطح كما في تعدّي نتنياهو على الأعراف الدولية عندما طالب ساخراً بإقامة الدولة الفلسطينية في الصحاري السعودية، ولا يتسع المجال لاستعراض مواقف معادية للمملكة عبّر عنها قادة في اليمين الإسرائيلي.

إلا أن ترامب لا يزال يمنّي النفس بأن يتوج رؤيته للسلام بتدشين العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وتل أبيب، واستبق زيارة بن سلمان بتصريحه أن اتفاقات ابراهام ستكون جزءاً من النقاش خلال الزيارة آملاً في “أن تُبرم المملكة العربية السعودية اتفاقيات إبراهيم في وقت قريب”. بطبيعة الحال الموقف السعودي حيال ذلك لا يزال مستنداً إلى الخطة العربية للسلام وإلى فيتو سعودي معلن يرهن التطبيع بإقامة الدولة الفلسطينية وفق مسار موثوق” و”لا رجعة فيه” ضمن رؤية متكاملة تدفع فيه السعودية بزحمها لدعم الدولة الفلسطينية.

وبلغ هذا الزخم ذروته في مؤتمر ( تسوية قضية فلسطين وتحقيق حل الدولتين ) الذي عُقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر 2025 بقيادة السعودية وفرنسا وتمخّض عنه أوسع موجة غربية للاعتراف بالدولة الفلسطينية والذي جاء في سياق ممارسة “ضغوط قصوى” على الاحتلال الإسرائيلي للقبول بصيغة معقولة لوقف الحرب في غزة.

وقبل عقد هذا المؤتمر كانت دول الخليج العربي مع حدث غير مسبوق عندما قصفت طائرات إسرائيلية – هنالك روايات تقول بأن القصف انطلق من غواصات أو من منصات أرضية – اجتماع لوفد حركة حماس المفاوض في الدوحة. عبّر هذا الهجوم عن ذروة استثنائية في السلوك العدواني الإسرائيلي لا سيما وأن قطر حليف أمريكي متقدم وتستضيف أراضيها أكبر قاعدة جوية أمريكية في الشرق. 

صحيح أن الهجوم فشل سياسياً واستخبارياً، إلا أن فشله الأكبر كان في ما أثاره من حسابات استثنائية في العقل الاستراتيجي لمختلف دول الخليج العربي، بما فيها السعودية التي ضاعف الهجوم من إحساسها بضرورة التحوّط من المخاطر المتصاعدة وتوسيع ترسانة وسائل الردع التي تحوزها تحسباً لسيناريوهات غير اعتيادية، فوفق المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية فإن تزايد الشكوك والمخاطر يدفع الدول لمزيد من التسلّح.

وسيخصص جزء مهم من زيارة بن سلمان للشق العسكري الدفاعي، وكان وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، رجل الظل الرئيسي في الاتفاقية الدفاعية السعودية الباكستانية، قد استبق هذه الزيارة بعقد عدة اجتماعات مع كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية، بما فيهم  وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث. ويُتوقّع أن يتم تحريك الجمود الذي يصاحب طلبات سعودية لشراء تقنيات عسكرية ودفاعية من الجيل الخامس، في مقدمتها صفقة طائرات F-35 التي تمتلكها إسرائيل حصراً في الشرق الأوسط.

ووفقاً لما جاء في تقرير لموقع “Axios”، فإن مسؤولين إسرائيليين “حثّوا” ترامب على ربط هذه الصفقة بمسار التطبيع، وهو ما يدلل على تغير في الموقف الإسرائيلي الذي كان يرفض بالمطلق حصول دولة شرق أوسطية على طائرات شبحية من الجيل الخامس لما يشكّله ذلك من إخلال بمبدأ التفوق الجوي الذي حافظت عليه واشنطن لعقود. 

ولكن، يبدو أن المعطيات تتغيّر إذ أن السعودية في طريقها للحصول على F-35 دون إحراز تقدم في مسار التطبيع، وهو الأمر الذي يعد نجاحاً لاختيار صلابة الموقف السعودي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وقبيل الزيارة نقل مصدر سعودي لقناة 12 الإسرائيلية أن “صفقة المقاتلات لا تعتمد على الولايات المتحدة فقط، وحتى لو لم نشتر طائرات إف-35 من الولايات المتحدة، فهذا لا يهم، سنشتري أسلحة متطورة أخرى من دول غيرها، مع أن الولايات المتحدة كانت وستظل حليفا استراتيجيا”.
إذاً يبدو أن السعودية نجحت في تذليل العقبات أمام تعميق تعاونها العسكري الدفاعي دون التضحية بموقفها المبدئي، وهي بالتالي استثمرت في اللحظة الحالية التي تتصاعد فيها حالة من التشكيك بجدوى المستوى الاستثنائي من الدعم الأمريكي لإسرائيل في أوساط المجتمع اليميني الأمريكي، وتحديداً في حركة “MAGA” المناصرة لترامب.  ويعتقد مقال منشور على مدونة “The National Interest” أن السعودية استطاعت فك ارتباط متطلباتها الأمنية عن التطبيع مع إسرائيل.

بطبيعة الحال تظل هنالك مسائل عالقة بين الرياض وواشنطن، كما في القيود أمام تصدير التقنية الفائقة “Hi – Tech” كشرائح الجيل الخامس الضرورية لمشروع نيوم الواعد، وأيضاً البرنامج النووي السلمي السعودي، بالإضافة إلى مسألة أسعار النفط، والعلاقة مع روسيا والصين، ولكن يمكن القول أن هذه المسائل يجري نقاش مستمر حولها وتطويقها كي لا تتحول إلى نقطة خلاف وصدام.

خلاصة القول، يسعى الأمير محمد بن سلمان إلى توظيف رصيده السياسي لدى الإدارة الأمريكية من أجل تحسين الوضع الاستراتيجي للمملكة على مختلف الصعد، بالإضافة إلى المراكمة على الاختراقات التي ساهم بها في عدة ملفات، كما في دعم استقرار سوريا – جديد بالذكر أن الشرع أجرى لقاءات بناءة مع أركان الإدارة الأمريكية قبل أسبوع من زيارة بن سلمان وهذه اللقاءات تأتي استكمالاً لنجاح أول لقاء بين ترامب والشرع في الرياض وبحضور بن سلمان – وهدنة غزة، ولا يستبعد أن يكون الملف السوداني حاضراً على طاولة النقاش.

ولكن لا ينبغي رفع سقف التوقعات من العائد السياسي لهذه الزيارة، فحتى لو توقيع اتفاق دفاعي متقدم وتوريد طائرات F-35 وتقليص القيود أمام تصدير التكنولوجيا المدنية المتقدمة إلى السعودية، فإن حالة الاضطراب الإقليمي قادرة على ابتلاع أي مكتسبات سياسية، إلا إذا تم تأطير هذه المكتسبات في أطر عمل متعددة الأطراف تجمع دول المنطقة الحليفة للسعودية من أجل تعزيز حالة الأمن والاستقرار وتدعيم السيادة.