أحدث الأخبارأخبارنا

نشر مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية نتائج استطلاع رأي حول قضايا وطنية وإقليمية ضمن سلسلة “نبض الشارع الأردني” التي يعكف على دورية إعدادها للكشف رقمياً عن آراء وتوجهات المواطنين تجاه مختلف القضايا، ولتكون هذه الأرقام داعماً في عملية صناعة القرار ورفد الجهات المعنية ببيانات موثوقة حيال اتجاهات ومواقف الرأي العام الأردني.

تضمن الاستطلاع عدة محاور كانت متفاعلة في النقاش العام في الفترة (7-19)/ 7 / 2025 أبرزها قرارات الحكومة بتعديل قانون حبس المدين وتخفيض ضريبة المركبات، وانتشار المخدرات وقضية الكحول المغشوش، بالإضافة إلى قضايا إقليمية ودولية وتحديداً حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران.

ومما يستدعي التوقف عنده ملياً في استطلاع المركز هو البعد المتصل بتصورات المجتمع الأردني الأمنية في هذه المرحلة شديدة الاضطراب، لما لهذه التصورات من أهمية في تحديد مفهوم الأمن في عقل وذهن المواطن الأردني. ومنذ ثمانينات القرن الماضي طرأ تحول في حقل الدراسات الأمنية لتأخذ بعدا نقدياً يرتكز على دور الأفكار والقيم والثقافة في تحديد مفهوم الأمن، إذ لم يعد ذلك المفهوم قائماً على الدولة كفاعل حصري وإنما تشعب حقل الدراسات الأمنية ليشمل البعد الاجتماعي الهوياتي السيكولوجي، وحتى اللغة – أو الخطاب – التي توظّف ضمن السياق الأمني. ترافق مع هذا التوسع بروز عدة مدارس فكرية للدراسات الأمنية النقدية، كمدرسة كوبنهاغن ومدرسة باريس، وانبرى عدد من الأكاديميين للتخصص في دراسة الأفكار والقيم والانطباعات ضمن “حقائق الأمن”.

وجاء استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية ليؤكد توافق تصورات المجتمع الأردني حول حقيقة وواقع الأمن في الأردن، إذ أن 97% من الأردنيين يرون أن مستوى الأمن في الأردن مستقر، و86% يشعرون بالأمان في المجتمع الذي يعيشون فيه، في حين عبّر 93% عن ثقتهم بالمؤسسات الرقابية في منع تكرار حوادث مشابه لحادثة التسمم الكحولي. وهذه الأرقام تشير إلى حالة انطباعية بشعور مرتفع في الأمن في بعده المباشر والمجتمعي والرقابي.

إلا أن ما يجب الوقوف عنده هو مدى إدراك الرأي العام جديةَ المخاطر الأمنية الإقليمية، إذ كشفت الأرقام عن إدراك دون المأمول لمدى جدّية وخطورة الظرف الإقليمي الراهن، فأقل من نصف الأردنيين فقط (48%) يرون أن الأردن معرض لمخاطر أمنية أو سياسية بسبب الأوضاع في المنطقة، لا بل أفاد 43% بأن الوضع مستقر في المنطقة مقابل 57% يعتقدون بخلاف ذلك.

وعليه، تبطن أرقام استطلاع نبض عن الحاجة الملحة إلى ضرورة رفع الوعي الأمني الاقليمي، ذلك أن المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات – كعودة الاشتباك الايراني الاسرائيلي ومخططات تصفية الضفة الغربية وانهيار الأمن في الجنوب السوري – الأمر الذي يتطلب رأي عام يقظ إقليمياً حتى يكون الشعب مسانداً لأي قرارات سيادية قد تضطر لها الدولة، والتي طوال مسيرتها حرصت أن تكون توجهاتها السيادية الاستراتيجية مستندة على قبول شعبي لاعتبارات تتصل بالشرعية السياسية وخصوصية علاقة المجتمع مع السياسة.

بكل الأحوال تعبّر النسب حيال حالة الأمن في الإقليم عن مدى الثقة العامة بقدرة الدولة على تجنيب البلاد تبعات الظروف المحيطة، وهو ما يتسق مع ما يشعر به المواطن الأردني حيال الأمن ببعده المحلي، لا سيما وأن لا انعكاسات مباشرة على الحياة اليومية نتيجة الظروف الإقليمية – 88% لم يقم بأي احتياطات للتعامل مع سيناريو نشوب حرب في ذروة الاشتباك الإيراني الإسرائيلي الأخير – باستثناء بعض القطاعات التي تضررت، وتحديداً قطاعي السياحة والطيران.

وبالعودة إلى الدراسات الأمنية النقدية لإسقاطها على هذه الأرقام، يمكن اعتبار أن صورة الأمن في ذهن المجتمع الأردني تتأثر بحالة الاستقرار المحلي أكثر من عدم الاستقرار الإقليمي، وإن كان الرأي العام يبدي أهمية ببعض القضايا ذات الصلة بالبعد الأمني الشامل، فنصف الأردنيين أجمعوا على أن إيجاد حلول للبطالة هو الأولوية الأهم بالنسبة لهم، أما بالنسبة للمخدرات فيعتقد 55% من الأردنيين أنها منتشرة بدرجة كبيرة و24% منتشرة بدرجة متوسطة.