February 08, 2017

 

ناقش باحثون وخبراء التحديات التي تواجه الامن الغذائي في الأردن وتناولوا  قضايا تتعلق بسلامة وأمن الغذاء والتشريعات والسياسات الناظمة له والتحديات التي تواجهه، جاء ذلك خلال جلسات مؤتمر الأمن الغذائي في الأردن الذي نظمه مركز الدراسات الاستراتيجية بالتعاون مع مؤسسة الغذاء والدواء يوم الاثنين الموافق 6  شباط 2017 في الجامعة الأردنية.

وشكّل المؤتمر منبراً لحوار وطني تشارك فيه الفعاليات الوطنية والأكاديمية، والمهتمون بشأن الأمن الغذائي الأردني، كما ساهم المؤتمرون في التعقيب على الأوراق المقدمة من عدد من الخبراء لإثراء النقاش ومناقشة وجهات النظر، والحوار مع أهل الاختصاص في القطاعين العام والخاص.

وكان وزير الصناعة والتجارة المهندس يعرب القضاة قد افتتح المؤتمر مندوباً عن رئيس الوزراء، وقال الوزير القضاة في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر إن سلامة الغذاء جزء رئيسي من الأمن الغذائي الأردني، وإن على الحكومة ومؤسسات الدولة المعنية مسؤوليات كبيرة ودور محوري في المحافظة على غذاء آمن وصالح للاستهلاك البشري.

وأضاف أن الحكومة حريصة على تجسيد توجهات ورؤى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم في الاهتمام بالقطاع الزراعي والعاملين فيه، وتذليل العقبات التي تعترض سبيله من خلال تفعيل السياسات واعداد الخطط التي من شأنها تعزيز الانتاج، وتوفير مخزون غذائي استراتيجي آمن وصحي وذي جودة عالية.

ونوه القضاة إلى إن قضية الأمن الغذائي قضية وطنية محورية ومهمة ومسؤولية مشتركة على الجميع للمساهمة في تحقيق الهدف المنشود من المؤتمر الا وهو الوصول الى امن غذائي وزراعة سليمة وبيئة خالية من التلوث.

وأوصى رئيس الجامعة الأردنية الدكتور عزمي محافظة بتنفيذ استراتيجية عربية للتنمية الزراعية التي ترتكز على اعداد وتنفيذ برامج مشتركة لحصر وتصنيف ورصد الموارد الزراعية واستصلاح الاراضي، وتطوير نظم الحيازات الزراعية لتكون اكثر فاعلية، واقامة شبكات متطورة لرصد المياه السطحية والجوفية، ووضع الخطط والبرامج لوقف انتشار التصحر والتوسع في الري الحديث، ومعالجة قضية الهجرة الريفية والحد منها من خلال تنفيذ برامج التنمية الريفية المتكاملة المستدامة والقادرة على تطوير الريف وتنميته.

ودعا محافظة الى انشاء معهد عربي للتقنية الحيوية وهندسة الجينات، وبنك للجينات واقامة مشروع لإنتاج اللقاحات والادوية البيطرية وانشاء شبكة اقليمية لربط الهيئات ومؤسسات البحوث الزراعية العربية مع المؤسسات الاقليمية والدولية واعادة هيكلة مؤسسات الخدمات الزراعية، لتحقيق ما يسمى الامن الغذائي العربي.

وتضمن المؤتمر ثلاثة محاور رئيسة وجلسة توصيات ختامية، الجلسة الأولى التي أدارها الأستاذ الدكتور محمد العمري تناولت سلامة وأمن الغذاء، وتحدث فيها مدير عام مؤسسة الغذاء والدواء الدكتور هايل عبيدات عن سلامة الغذاء في الأردن، قائلاً إن سلامة الغذاء تعتبر جزءاً أساسياً من الأمن الغذائي على المستويين المحلي والعالمي، وتتحمل المؤسسة العامة للغذاء والدواء الأردنية الدور المحوري في المحافظة على غذاء أمن وصالح للاستهلاك البشري في المملكة.

وأضاف أن الأردن بحاجة إلى تطوير البنية الأساسية للحفاظ على إمدادات مستدامة من الغذاء، من خلال توفير مخزون استراتيجي آمن وصحي وذو جودة من السلع الغذائية الاستراتيجية الذي يحول دون نشوء أزمات غذائية مستقبلية، إضافة إلى الحفاظ على استقرار أسعار المواد الغذائية بصفة دائمة من قبل الجهات ذات العلاقة لضمان غذاء سليم وآمن للأجيال المقبلة.

ونوه عبيدات إلى إن تزايد أعداد اللاجئين من مختلف الجنسيات بشكل مطرد في الأعوام الأخيرة شكل عبئا إضافيا على المملكة الأردنية للحفاظ على سلامة الغذاء في جميع مراحل تداوله، ما أدى أيضا إلى زيادة كميات الاستهلاك من السلع الغذائية الرئيسية، وارتفاع في كميات الاستيراد وزيادة أماكن التداول العشوائي للأغذية والذي يتطلب زيادة في عدد الكوادر البشرية المؤهلة التي تقوم بعمليات التفتيش، إضافة الى تجهيز المختبرات بالأجهزة الحديثة.

وأشار عبيدات إلى أن التحدي الرئيسي يكمن في تطبيق التشريعات وقانون الغذاء المبني على أساس علمي وتقييم المخاطر لاتخاذ القرار المناسب من قبل المؤسسة لتوفير غذاء صحي وأمن ومنع ازدواجية الجهات الرقابية. وبالرغم من هذه التحديات بينت برامج الرصد الإحصائي التي تقوم بها المؤسسة انخفاض أعداد التسممات للعام 2016 عن الأعوام السابقة. كما أن نسبة المخالفات في الغذاء المستورد أقل من 1%، وفي الغذاء المتداول حوالي 4%  لعام 2016.

وقدم الدكتور عوني طعيمة من كلية الزراعة في الجامعة الأردنية، ورقة دراسية حول حالة الأمن الغذائي في الاردن، وقال إن الإحصائيات تشير الى الارتفاع المستمر في الفجوة ما بين استيراد وتصدير المواد الغذائية ومدى توفرها بكميات وأسعار في متناول يد المواطن الأردني. وأشار إلى أن العوامل الاقتصادية مثل: الارتفاع المستمر في العجز بالميزان التجاري، وكلفة مدخلات الإنتاج والأسعار العالمية لكثير من السلع الغذائية، تؤدي دوراً في قدرة الاردن للوفاء باحتياجاته من المواد الغذائية على الرغم من الارتفاع الكبير والاكتفاء من إنتاج بعض الخضراوات ولحوم الدواجن والبيض والحليب الطازج.

كما أشار طعيمة إلى أن التوقعات تشير الى إن الأردن سيستمر في استيراد الجزء الأكبر من احتياجاته الغذائية، وخصوصا  تلك التي تشكل الجزء الأساسي لسلة الغذاء للمواطنين، المنتجات النباتية التي تمثل المصدر الرئيسي للطاقة، وتساهم بما يزيد على 6-8 مرات من مساهمة المنتجات الحيوانية، وتدني القدرة الشرائية للأفراد بسبب ارتفاع نسب البطالة وتكاليف المعيشة والتي يشكل الغذاء ما نسبته  38% من دخل العائلة،  وما يقارب 29% لأجور السكن والتنقل، إضافة الى الضغوط الناجمة عن  الزيادة المستمرة في أعداد السكان، وخصوصا الوافدين منهم واللجوء السوري. لقد ادى الارتفاع الكبير في تكاليف الحياة المعيشية الى التأقلم مع  بدائل غذائية اخرى، ما سيكون له أثار كبيرة على الصحة العامة، وظهور بعض الأمراض التي تنجم عن سوء التغذية.

وتحدث المهندس محمد البطاينة رئيس الجمعية الأردنية الأمريكية للأعمال (جابا) حول التجارة والغذاء، وقال كون الأردن من أفقر أربع دول بالعالم مائياً ، فهناك من يعتقد أنه يجب توفير المياه للشرب والحاجات المدنية الاخرى فحسب ووقف انتاج الغذاء محلياً، وهذا غير سليم ولا يمكن تطبيقه لأسباب عديدة. ونوه بأن الخيار الوحيد هو أن يتم إحداث نقلة نوعية بالزراعة والانتاج الحيواني الى مستوى يبرر استعمال هذا الكم الكبير اللازم من المياه يصل الى اكثر من 60% من المياه المتوفرة.  وهنا يجب المعادلة ما بين الأقطاب الثلاث: المياه والطاقة والغذاء. فلا يمكن ان يتم التعامل مع أي منها دون القطبين الأخرين

أما الجلسة الثانية فتناولت التشريعات والسياسات وأدارها السيد عدنان أبو الراغب رئيس مجلس إدارة غرفة صناعة الأردن، وتحدث فيها الدكتور عاكف الزعبي وزير الزراعة الأسبق حول السياسات والتشريعات الوطنية في المحافظة على الأمن الغذائي وقال إن موضوع الأمن الغذائي نال على المستوى الوطني اهتمام المشرع الأردني في العديد من نصوص التشريعات الوطنية النافذة المفعول، وقد تميزت القوانين والتشريعات الأردنية ذات العلاقة باهتمامها بتنظيم العديد من العناصر الأساسية للأمن الغذائي المتعلقة بتوافر الغذاء وإمكانية الوصول اليه، ومأمونيته واستدامة الحصول عليه.

وأضاف أن أحكام القوانين تناولت تلك العناصر بدرجات متفاوتة من الأهمية بحيث تركز معظم التشريعات ذات العلاقة على مهام وسلطات الرقابة والتفتيش على الغذاء ووضع المواصفات الفنية اللازمة، ما يستدعي في المستقبل تغطية بعض الجوانب القانونية التي لم يتم تنظيمها أو تغطيتها بشكل أو بآخر.

ونوه بأن التضارب يظهر بين صلاحيات الجهات المتعلقة بالرقابة واضحاً في العديد من الأحيان، ما حدا بالحكومة الى القيام بإعداد مشروع لتوحيد الجهات التي تقوم بالرقابة والتفتيش على الغذاء ضماناً لمزيد من التنسيق وعدم تضارب الصلاحيات بين الجهات المتعددة.

وزيرة الصناعة والتجارة السابقة المهندسة مها علي تحدثت في ورقتها حول التجارة الدولية والأمن الغذائي: اتفاقيات التجارة الحرة وانعكاساتها على السوق الأردني، واستعرضت العلاقة بين مفهومي التجارة والأمن الغذائي في إطار التجارة الدولية والإقليمية، بهدف التوصل الى فهم أوضح لأثر التجارة على الأبعاد الأربعة للأمن الغذائي وهي: توفر الغذاء والوصول اليه واستخدامه والديمومة والاستمرارية. كما تتطرق الورقة الى كيفية الاستفادة من التجارة في تعزيز الأمن الغذائي.

وأضافت أن تداخل التجارة مع الأمن الغذائي يأتي من خلال النظام التجاري المتعدد الأطراف والذي يؤطر التجارة الدولية باتفاقيات عدة تنظم سقوف التعرفة الجمركية والضرائب والقيود على الاستيراد والتصدير والدعم الزراعي والمواصفات وتدابير الصحة والصحة النباتية في التبادل التجاري فيما بين الدول الأعضاء بمنظمة التجارة العالمية، الى جانب اتفاقيات التجارة الحرة والتي في غالبها تعتمد ذات المبادئ والأسس في اتفاقيات المنظمة وتنمح تحريراً إضافياً بإلغاء التعرفة الجمركية وإزالة القيود على التبادل التجاري للدول الاطراف في الاتفاقية.

أما الجلسة الثالثة فتناولت التحديات التي تواجه الأمن الغذائي وأدارها العين الدكتور رضا الخوالدة  وزير الزراعة السابق، وتحدث الدكتور صائب خريسات، عضو هيئة تدريس في جامعة العلوم والتكنولوجيا، فيها حول الموارد الطبيعية والأمن الغذائي في الاردن وقال يعد الأردن من الدول محدودة الموارد الزراعية حيث تبلغ المساحة الكلية للأردن نحو  89 مليون دونم، منها 4.3% أراضٍ مستغلة زراعيا او ما يعادل 3.8 مليون دونم،  وحوالي 3.2 مليـون دونـم منها (84% من أجمالي الأراضي الزراعية ) تعتمد في زراعتها على مياه الأمطار، وحوالي 611 ألف دونم (16%) أراضي مروية رياً دائماً. وأضاف بأن الأردن يصنف على انه واحد من اكثر الدول  جفافاً في العالم، إذ تصل حصة الفرد من موارد المياه المتجددة نحو 90م3 سنويا.

وتحدث مدير عام الإحصاءات الدكتور قاسم الزعبي حول الأمن الغذائي وأثر اللجوء السوري، وقال لقد تأثر الأردن بشكل واضح اقتصادياً واجتماعياً نتيجة استقباله للاجئين السوريين منذ العام 2011. وأضاف أن الأمن الغذائي في الأردن يواجه تحدياً بسبب استمرار تدفق اللجوء السوري يتمثل في توفير الكميات الغذائية اللازمة، إضافة إلى نوعية الغذاء الملائم لتلافي الأخطار الصحية التي تنجم عن نقص الاستهلاك من بعض المجموعات الغذائية، مع استمرار استنزاف الموارد المحلية المحدودة .

ونوه بأن النتائج تشير الى وجود انخفاض تدريجي في نصيب الفرد من المساحة الكلية المزروعة في الأردن خلال الفترة للسنوات (2002- 2015) تتضح بشكل أكبر بعد عام 2011 وهو عام بدء الأزمة السورية. كما تشير النتائج الى تزايد كميات الإنتاج من السلع الغذائية في الأردن خلال الأعوام (2002- 2015) لمواجهة الطلب من المواد الغذائية في ظل تزايد أعداد السكان وبخاصة بعد اللجوء السوري، وبالنظر الى حصة الفرد من الإنتاج الكلي لمجموعات الغذاء يتضح الاتجاه المتناقص لحصته المتحصل عليها بالرغم من الزيادة في الإنتاجوقال إن قيم الاكتفاء الذاتي سجلت تراجعاً تدريجياً خاصة بعد الأزمة السورية في العام 2011، وبالتالي فإنه يمكن الاستنتاج بأن الزيادة في أعداد اللاجئين السوريين تعكس زيادة في تهديد الأمن الغذائي والاعتماد على الواردات لسد العجز في الطلب على المواد الغذائية، وهذا ما يؤثر في وضع الاحتياطات من العملات الاجنبية للمملكة نتيجة لزيادة فجوة الموارد خلال السنوات الاخيرة.

وعرض الدكتور موسى شتيوي مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجلسة الختامية التي ترأسها وضمت كل من الدكتور هايل عبيدات والدكتور عاكف الزعبي والدكتور رضا الخوالدة، أبرز النقاط الرئيسة التي تناولها المؤتمر وأهم التوصيات التي خرج بها الباحثون والخبراء المشاركون ومنها: أن يتم إحداث نقلة نوعية بالزراعة والإنتاج الحيواني إلى مستوى يبرر استعمال هذا الكم الكبير اللازم من المياه والذي يصل إلى أكثر من 60% من المياه المتوفرة، ما ينعكس إيجاباً على الصناعة والزراعة والتجارة.

كما أوصوا بإعادة النظر في النصوص والتشريعات المتعلقة بالأمن الغذائي على المستوى الوطني و التطوير والتعديل عليها لضمان عدم التضارب بين تلك النصوص والتشريعات وتمكين رجال القانون والقضاء وتزويدهم بمزيد من الخبرة القانونية في مواضيع التشريعات الوطنية في المحافظة على الأمن الغذائي ذات العالقة، و إضفاء المزيد من الحماية و التنظيم على عناصر الأمن الغذائي والحفاظ على الاستثمار في مجال إعداد الغذاء و تصنيعه وتوزيعه وتشجيع الاستثمار والمستثمرين.

وأشار المؤتمرون إلى ضرورة إعادة الأهمية إلى القطاع الزراعي والغذائي، والتخطيط التنظيمي للمساحة السكانية والزراعية، وربط بعض المنظمات الزراعية بالصناعة، والعمل على احتساب الكلفة الحقيقية للمياه والطاقة، واتباع سياسات وبرامح تعزز الأمن الغذائي ما يضمن للأردن أمنه الغذائي ويعود بالفائدة الاقتصادية عليه وتساهم في تشغيل عدد كبير من المواطنين بالقطاعات المساندة الداعمة للقطاع الغذائي سواء أكان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

كما شددوا بالعمل على تحسين جودة الانتاج من أجل بيعه بسعر مجد، فاليوم لا تتناسب صادراتنا بشكل عام مع السعر الذي يجنى من تلك الصادرات. وأكد المؤتمرون على ضرورة أن تتضافر الجهود الوطنية بين المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني  لتعزيز الأمن الغذائي.

ونوه المؤتمرون إلى أهمية توسيع آفاق التعاون وتظافر الجهود من أجل تكريس الامكانيات المتوفرة لرفع مستوى البحث العلمي للتمكن من منافسة الصناعات المتطورة في دول العالم المتقدمة والعمل على تحقيق الامن الغذائي للمواطن ومواجهة التحديات الاقتصادية والعالمية وقوانين العولمة والتجارة الحرة التي جعلت من العالم قرية صغيرة.

وطالب المؤتمرون بضرورة التوسع في مشاريع الحصاد المائي والعمل على صون الموارد الوراثية والتنوع البيولوجي وضمان توفير المياه لدعم الأمن الغذائي وتكثيف الاستثمار بالبحوث الزراعية وحماية الأراضي الزراعية من التدهور، والعمل على تنفيذ  المشاريع التنموية لزيادة الإنتاج كماً ونوعاً، ووضع الاستراتيجيات والخطط  لمواجهة التحديات والمساهمة في  استدامة توفير الغذاء.