شباط 28, 2021

مقدمة (ملخّصٌ تنفيذي)

العالمُ في وجه الجائحة

تسبّبت جائحةُ فيروس كورونا في حالة طوارئ صحية عالمية وأزمة اقتصادية كبرى، فوجدت الحكومات التي تواجه هذا التهديد نفسها في منطقة مجهولة، أو في حالة من عدم اليقين بالمستقبل.

بحلول أوائل شهر نيسان من عام 2020 كان نحو 150 بلداً قد أغلق جميع المدارس، وفرض إلغاء التجمعات والفعاليات فيما أغلق أكثر من 80 بلداً كل أماكن العمل لاحتواء تفشي الفيروس، وفُرِضت قيودٌ على السفر على نطاق واسع، وأثَّرت الإغلاقات الإلزامية إلى جانب التباعد الاجتماعي التلقائي من جانب المستهلكين والمنتجين تأثيراً كبيراً على النشاط والتجارة في العالم، وصاحبتها تقلبات في الأسواق المالية العالمية، وتراجعات حادة لأسعار النفط والمعادن.

فعلى المستوى الدولي، أصبحت سلاسل التوريد مهدّدة بالانقطاع، الأمر الذي قد يفضي إلى نقصٍ في مدخلات الإنتاج الأساسية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية. وتختلف هذه الأزمة عن سابقاتها في وجود احتمال لتكرار الصدمة، إلى أن يتم التوصل إلى لقاح وضمان إيصاله إلى الجميع بشكل عادل، ومن شأن هذا التهديد أن يؤثر على آفاق التعافي الاقتصادي. 
  في الأمد القصير، فإنه يُرجّح أن تكون اقتصاديات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية الأشد تضرّراً، وخاصة تلك التي تعاني من ضعف في أنظمتها الصحية، أو تعتمد اعتماداً كبيراً على التجارة أو السياحة أو تحويلات المغتربين من الخارج، أو على صادرات السلع الأولية، أو تلك التي تعاني من مواطن ضعفٍ مالية. إضافة إلى ذلك، فإن اقتصاديات الأسواق الصاعدة، والبلدان النامية شهدت ارتفاعاً في مستويات ديونها، مقارنة بما  كانت عليه قبل الأزمة المالية العالمية، وهو ما يجعلها أكثر عرضةً للضغوط المالية مستقبلاً.

يتوقّع البنك الدولي أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 4% عام 2021، بافتراض أن التوزيع الأولي للقاحات فيروس كورونا سيصبح واسعَ الانتشار خلال هذا العام. لكن تقريره الصادر في كانون الثاني 2021 بعنوان" الآفاق الاقتصادية العالمية" يشير بأن التعافي سيكون ضعيفاً على الأرجح، ما لم يتحرك صانعو السياسات بحزم لكبح جماح الجائحة، وتطبيق إصلاحات لتعزيز الاستثمار.

وأشار التقرير، أنه على الرغم من أن الاقتصاد العالمي سينمو مجدّداً بعد انكماشه بنسبة 4.3% في 2020، إلا أن الجائحة تسبّبت في خسائر فادحة من الوفيات والإصابات المرضية، ودفعت بالملايين نحو هوّة الفقر، وربما تقلّص النشاط الاقتصادي والدخل لفترة طويلة (تعافي اقتصادي طويل الأجل). 

ومن المرجّح أن تؤدي الجائحة إلى تفاقم التباطؤ في النمو العالمي على مدى العقد القادم، بسبب نقص الاستثمار، وانخفاض التوظيف، وتراجع القوى العاملة في العديد من الاقتصاديات المتقدمة. إن الاقتصاد العالمي يتّجه صوب عقدٍ من النمو المخيِّب للآمال، ما لم ينفّذ صانعو السياسات إصلاحات شاملة تحسّن المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي المستدام.

لقد فاقمت الجائحة على نحو كبير من مخاطر الديون في اقتصاديات الأسواق الناشئة والبلدان النامية؛ وستؤدي آفاق النمو الضعيف إلى زيادة أعباء الديون على الأرجح، وتآكل قدرة المقترضين على خدمة أعباء الديون، وعليه يحتاج المجتمع الدولي للتحرك سريعاً، وأن يضمن على نحو حازم ألا ينتهي تراكم الديون مؤخراً بسلسلة من الأزمات، خاصة وأنه أصبح واضحاً بأنه ليس بمقدور العالم النامي احتمال عقد ضائع آخر من تراكم المديونيات، وحدوث أزمات مالية مجدداً.

تتمثل أبرز الأولويات على صعيد السياسات العامة في الأمد القريب، السيطرة على انتشار الفيروس وضمان سرعة توزيع اللقاحات على نطاق واسع، بهدف دعم التعافي الاقتصادي. الأمر الذي يتطلّب من الدول والحكومات تحديداً تسريع دورة إعادة الاستثمار وخصوصاً الحكومي المتمثل في تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، والبنية التحتية الرقمية، والقدرة على الصمود في وجه تغير المناخ، وممارسات الشركات والحوكمة في تخفيف الضّرر الاقتصادي الناجم عن الجائحة، والحدّ من الفقر، وتعزيز الرخاء المشترك.

وفي هذا الصّدد، ولتعزيز مساهمة مركز الدراسات الاستراتيجية في التنمية الاقتصادية على المستويات المحلية، من خلال إجراء تحليل دقيق للديناميكيات الجيوسياسية إقليمياً وعالمياً، وتقييم محاذيرها وتداعياتها، على مختلف مؤشرات الاقتصاد الكلي في الأردن ومكانته الإقليمية والدولية (القيمة الاستراتيجية للأردن). فقد اتخذ المركز خطوات ملموسة نحو تحسين وتعزيز قدراته التحليلية والبحثية، من خلال التركيز على الملفات الاقتصادية والاجتماعية، والتي من المتوقع أن تُحدث نقلةً نوعية في صُلب أعماله ومهامه، والعمل جارٍ على تأسيس وحدة تحليل السياسات الاقتصادية الاستراتيجية (SEPAU).

إنّ أوّل المخرجات ل SEPAU تتمثل بإعلان/ إطلاق هذه الدراسة بعنوان " الاقتصاد الأردني: سيناريوهات ما بعد الجائحة"، بهدف توفير إنذار مبكر، ودقٍّ لناقوس الخطر في الوقت المناسب، للحدِّ من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تستمر لسنوات عدة قادمة.

لقد ركزت على تحديد وتحليل وقع الجائحة في الأردن، من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والجيو سياسية، واقتراح مجموعة من السياسات التي من شأنها أن تُسهم في التخفيف من حدة الجائحة وتأثيراتها المستقبلية، ويمكن التطرق بشكل سريع لها، وعلى النحو الآتي:

• تأثيرات الجائحة على البطالة وانخفاض معدلات التوظيف / مستقبل الشباب الأردني يكتنفه الغموض وتمثل ابرز قضايا الأمن الوطني الداخلي.
• تأثيرات الجائحة على الفئات الأشد فقراً / حالة عدم المساواة في تزايد.
• تأثيرات الجائحة على جودة التعليم / الفجوة المعرفية بين أجيال المستقبل.
• تأثيرات الجائحة على الفجوة الجندرية / اتساع فجوة التمييز بين الجنسين.
• تأثيرات الجائحة على خدمات اللاجئين/ ضغط متزايد على موارد الأردن المحدودة. 
• تأثيرات الجائحة على الفئات الأشد فقراً / اتساع فجوة الدخول بين الأردنيين.
• تأثيرات الجائحة على حوالات العاملين بالخارج / مزاحمة أكبر بين الأردنيين على فرص العمل.
• تأثيرات الجائحة على منشآت الأعمال (SME )/ ضعف وتراجع في الاعمال الريادية.
• تأثيرات الجائحة على تدهور الحيز المالي/ مرونة أقل في الموازنة العامة واستمرارية مخاطر الدين العام.
• تأثيرات الجائحة على الصراعات الإقليمية والعنف/ أزمة الأمن الغذائي في تصاعد بين بلدان الإقليم. 

منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي كان مركز الدراسات الاستراتيجية (CSS) رائدًا في تقييم وتصميم التدخلات السياسية القائمة على الأدلة.  وهو مركز لبحث وتحليل وتقييم السياسات العامة، وتم إعلانه في يونيو 2020 كمركز تميّز لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للفترة 2016 – 2018 من خلال مؤشرGlobal Go To Think Tank؛ وهو جزء من برنامج مراكز الفكر والمجتمعات المدنية (TTCSP) التابع لجامعة بنسلفانيا. حدث هذا بعد خطوات ثابتة أثمرت في تصنيف المركز أولاً في الأعوام 2016 و2017 و2018 من بين 507 مؤسسة فكرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

مدير مركز الدراسات الاستراتيجية (CSS)
أ.د. زيد عيادات