كانون الأول 09, 2020

عمّان- أصدر كرسي الملك حسين للدراسات الأردنية والدولية (مركز الدراسات الاستراتيجية ـ الجامعة الأردنية) كتاباً علمياً جديداً للمؤرخ والأكايكي الأردني المعروف، د. علي محافظة، تناول فيه بالتحليل والفحص الدقيق الخطابات الملكية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، التي ألقاها جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال طيلة سنوات حكمه الممتدة (1952 ـ 1999م)، في المناسبات الوطنية والمحلية، وفي المؤتمرات والقمم العربية والمحافل الدولية، ليشكل الكتاب بمادته الموثَّقة ونظرة مؤلفه الفاحصة إضافة نوعيّة للدراسات التاريخية التي تتناول حقبة الصراع العربي الإسرائيلي.
قدّم للكتاب الأستاذ الدكتور زيد عيادات، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، منوهاً بقيمة العمل وأهميته لجمهرة الباحثين والدارسين، ومعتبراً إياه مرجعاً موثّقاً لكل المهتمين بالتاريخ السياسي للأردن وللراحل العظيم الحسين بن طلال، خاصة فيما يتعلّق بمواقفه من القضية الفلسطينية وجهوده لكسب التأييد العربي والدولي لحقوق الشعب الفلسطيني للوصول إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الفلسطيني بحدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
جعل المؤلف كتابه في سبعة فصول رئيسية، تتبَّع فيها الخطابات الملكية وفق النسق الزمني وباعتبار ما تختصّ به كل حقبة من اعتبارات موضوعية أوجبتها القضايا المفصلية الكائنة في كل حقبة، ففي الفصل الأول رصدٌ لتطور فكر الحسين تجاه مفهوم القضية الفلسطينية، وموقفه منها، منذ تسلمه سلطاته الدستورية في الثاني من أيار (مايو) 1953م وحتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية أواخر العام 1964م، مروراً بما وقع في هذه الحقبة من اعتداءات إسرائيلية على قرى الضفة الغربية ودعوات الحسين المتكررة لتوحيد الجهود العربية ونبذ الخلافات في سبيل تحرير فلسطين واسترداد الحقوق العربية، وقد عبرت كلماته وخطبه عن حسّ مبكر بمآلات النوايا الاسرائيلية معتبراً القضية الفلسطينية هماً وطنياً وقضية عربية تقتضي الدفاع عنها.
وخصّص المؤلف الفصل الثاني من كتابه لملاحظة موقف الحسين من قيام منظمة التحرير الفلسطينية، والعلاقة الرابطة بينها وبين الأردن حتى عام 1974م، ومحاولات المنظمة للتفرد بتمثيل الشعب الفلسطيني وتجاوز الدور الأردني التي آلت إلى قطيعة بين الجانبين، مع ما تزامن في هذه الحقبة من تطور العمل الفدائي، وتغير الظروف الدولية والعربية، وتنامي الاعتداءات الإسرائيلية وقيامها بعدوان حزيران 1967م.
وكان من نتائج الخلاف بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية نشوء العمل الفدائي الذي اتخذ من الأردن ساحة لنشاطه، ولهذا فقد أفرد الدكتور محافظة الفصل الثالث لدراسة موقف الحسين من العمل الفدائي منذ العام 1965 وحتى عام 1971م، وهو الموقف الذي بدى مرحباً به على الأرض الأردنية في أعقاب حرب حزيران 1967م، وترسخ بعلاقة التشارك التي جمعت بين الجانبين في مقاومة العدو المحتل في معركة الكرامة (آذار 1968م) وهي المعركة التي أدت إلى بداية الشرخ بين الأردن والفدائيين نتيجة الدعاية الإعلامية الكبيرة التي سوَّقها الفدائيون في اعتبار الانتصار منوطاً بهم وحدهم مع إغفال الدور الأردني، وتطورت العلاقة إلى ما أفضت إليه في أحداث أيلول 1970م، وتعامل الحسين مع هذه التطورات، وما تبعه من إخراج الفدائيين خارج الأردن.
وأفرد المؤلف الفصل الرابع من الكتاب لبحث علاقة الحسين بمنظمة التحرير الفلسطينية في المدة 1974 ـ 1987م، وهي حقبة حافلة بالتطورات الإقليمية والدولية، وكان استهلال هذا الفصل من مخرجات مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974م القاضي باعتبار المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وما تبعه من آثار على الوضع الداخلي للأردن اقتضت تعديل الدستور ليتوافق مع التمثيل النيابي الجديد، ومع كل ذلك فلم يتخل الحسين عن فكرة الدفاع عن فلسطين، بل واصل نشاطه وجهوده متبنياً حمل القضية إلى العالم، وقد مرت العلاقة مع منظمة التحرير بالعديد من المنعرجات وشابها الكثير من التوتر في أحيان عديدة، مما فصَّله الباحث، انتهت بالمصالحة التي تكللت في القمة العربية التي حملت اسم: "قمة الوفاق والاتفاق" في الثامن من نوفمبر 1987م، ولم يمض شهر على القمة حتى اندلعت الانتفاضة في الضفة الغربية وقطاع غزة لتعيد القضية الفلسطينية من جديد إلى الواجهة، وليكون الأردن في مقدمة الدول التي يسعى إليها لإقامة السلام وإحلاله في المنطقة.
وتناول الدكتور محافظة في الفصل الخامس علاقة الحسين مع منظمة التحرير الفلسطينية منذ قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية في عام 1988م وحتى وفاته يرحمه الله في عام 1999م، مبيناً دوافع هذا القرار ونتائجه وآثاره على الأردن واللاجئين، واستعرض الأحداث التي مرت على الأردن وعلاقته مع المنظمة طيلة هذا العقد الذي امتاز بمباشرة عملية السلام وصولاً إلى قيام مؤتمر مدريد وتوقيع اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية (1994م).
أما الفصل السادس، فقد تناول الباحث فيه مجمل الرؤى والأفكار التي أبداها الحسين تجاه الحروب العربية الإسرائيلية، منذ حرب 1948م التي أعاد استذكارها في خطاباته وحتى الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982م، معبراً عن روح نضالية وحس قومي وعربي تجاه الحق العربي في فلسطين، منوهاً ببسالة الجيش الأردني الحاضر في كل ميادين القتال ذوداً عن الكرامة والحق.
وختم المؤلف كتابه  في الفصل السابع، وهو أطول الفصول، بمواقف الملك الحسين في خطبه دفاعاً عن القضية الفلسطينية التي ألقاها في المحافل والهيئات والمنتديات الأجنبية والدولية، متتبعاً لها على نسق تواريخها، وملتمساً لمواطن القوة التي أبداها يرحمه الله في الدفاع عن الحق العربي، وما بذله لتجلية صورة النزاع العربي الإسرائيلي في المحافل الدولية التي كان صوت المحتل فيها أعلى من صوت العرب، ويظهر هذا الفصل عن جهد الحسين لنقل القضية الفلسطينية إلى العالم مستفيداً من مظاهر الاحترام والتقدير التي نالها من زعماء العالم وإعجابهم بشخصيته ومواقفه.
لم يكتف الدكتور محافظة بالاستناد إلى الخطب الملكية لالتماس مواقف الملك الراحل تجاه القضية الفلسطينية وتوثيقها، على أهمية ذلك، بل تتبع أيضاً ما هو مستتر في مطاوي الدراسات التاريخية وكتب المذكرات، والتقى ببعض رجالات الحكم من السياسيين في الأردن وخارجه، خصوصاً ممن كان لهم اتصال مباشر ببعض الأحداث المفصلية وأكثرهم قرباً من الراحل الكبير، إضافة إلى معرفته الشخصية كمعاصر لكل الأحداث التي مرت في تلك الحقبة.