تشرين الأول 26, 2019


 أكد مشاركون في ندوة نقاشية متخصصة، عقدها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية بعنوان "الصحة، والصحة العامة، والسياسات الصحية... رؤية استراتيجية"، أن القطاع الصحي في الأردن "مبعثر وغير منظّم، ويفتقر لآليات استراتيجية وإدارية ومؤسسية للتنسيق بين مختلف مكوناته، الأمر الذي انعكس سلبًا على المنتج الصحي".
وأوضحوا أنه بالرغم مما حققه هذا القطاع من إنجازات جليلة في تقديمه للرعاية الصحية الأولية في العقود الماضية، وتحديدًا في فترة ثمانينيات القرن الماضي بحسب دراسات صدرت عن منظمة الصحة العالمية، جعلته الأول عربيًا في مجال الصحة العلاجية، والخامس عربيًا في مجال الصحة العامة، إلا أن هذا القطاع "يشهد تراجعًا وتخلفًا ملحوظًا في ظل ما يفرض عليه من متغيرات علمية وصحية واقتصادية واجتماعية وسياسية طرأت عليه، حتى باتت السياسات الآنية الترقيعية التي توضع لا تسهم في دفعه خطوات للأمام أو تحد من تراجعه".
وأجمعوا، خلال مناقشاتهم، على ضرورة إنشاء هيئة مستقلة تضم جميع القطاعات الطبية المتخصصة في سبيل تقديم خدمة نوعية صحية للمريض، وتشكيل لجان عمل مصغرة تعد مقترحات ضمن تقارير وتحليلات وأوراق سياسات قابلة للتنفيذ ضمن مدة زمنية، تتناول في أعمالها قطاع التأمين الصحي، والإدارة الصحية وآليات التنسيق بين الجهات المختلفة كجزء من السياسة العامة في القطاع الصحي وتداخلاتها مع القطاعات الأخرى كونه ليس بمعزل عنها، لمناقشتها والإعلان عنها في مؤتمر وطني شامل حول الصحة والصحة العامة والسياسات الصحية نهاية العام المقبل.  
الندوة التي شارك فيها وزراء صحة سابقون، وأطباء ومتخصصون في العمل الصحي، وأساتذة، وأكاديميون ونقابيون، ونواب، وممثلون عن مختلف مؤسسات القطاع الصحي في الأردن، هدفت إلى بناء رؤية واضحة لتطوير قطاع الصحة في الأردن بما في ذلك السياسات العامة، التشريعات، التعليم الطبي، كفاءة الخدمات الطبية، والموارد البشرية، ينبثق عنها مرجعًا علميًا مفصلًا بآليات وسُبل معالجة مشاكل القطاع الصحي وتطويره بحسب المعايير والمستويات الدولية.

وقال مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الدكتور زيد عيادات "إن القطاع الصحي في الأردن تراجع في بعض المؤشرات الصحية نتيجة الزيادة المفاجئة في عدد السكان الناتجة عن الهجرات القسرية والأزمات في الدول المحيطة"، مضيفًا "أن معظم الاستراتيجيات الوطنية الخاصة بالصحة كشفت عن مجموعة من التحديات التي تواجه القطاع الصحي بالأردن، والتي شملت تحديات ذات علاقة بالسياسات الصحية، والتمويل، والإنفاق الصحي، ونظام التأمين الصحي، والكوادر البشرية الصحية، وأنظمة المعلومات الصحية، وكذلك التحديات ذات العلاقة بتشتت القطاع الصحي، وعدالة توزيع الخدمات والوصول لها وجودتها".
وتابع أن وجود مثل هذه التحديات والعقبات، التي تواجه القطاع الصحي، يضعنا أمام تساؤلات حول مستقبل النظام الصحي والخدمات الصحية في ظل غياب رؤية وإطار مرجعي موحد للقطاع الصحي يضع السياسات والاستراتيجيات للقطاعات الفرعية، ويشرف على تطبيقها ويفعل أنظمة المساءلة الخاصة بذلك.
وأشار عيادات إلى أن هذه الندوة، التي جاءت لتشكل منصة إنطلاق للحوار والنقاش العلمي والبحثي بقطاع الصحة في الأردن، معنية بالإجابة على تساؤلين اثنين؛ الأول: ما الذي حدث من أخطاء طيلة الأعوام الماضية أدت إلى حدوث هذا التراجع في قطاع حيوي مثل قطاع الصحة، والثاني: ما هو النظام الأمثل للدولة الأردنية من استراتيجيات وسياسات الممكن انتهاجه لمعالجة قصور أطراف ومكونات هذا القطاع.
وأوضح عيادات أن هذه الفعالية هي الأولى ضمن فعاليات التي يعقدها منتدى السياسات العامة في "الدراسات الاستراتيجية"، فيما سيتم يوم الثلاثاء المقبل عقد ندوة تتعلق بسياسات النقل والبنى التحتية تليها ندوة حول سياسات المناهج، وهكذا لتشمل كل القطاعات الحيوية في الأردن.
وأشار إلى أنه وبناء على هه الندوة، سيتم تشكيل ثلاث لجان متخصصة في المجالات في: حوكمة القطاع الصحي والتأمين الصحي والدواء، ومن ثم دراسة المقترحات أو التوصيات التي يخرجون بها لمناقشتها خلال مؤتمر يُعقد لهذه الغاية.
واشتملت الندوة على جلستين، الأولى أدارها أمين عام المجلس الصحي العالي الدكتور محمد رسول الطراونة، وتناولت محور (الصحة والصحة العامة والسياسات الصحية في الأردن)، قدم وزير الصحة السابق الدكتور محمود الشياب ورقة عمل تطرق فيها إلى وضع الصحة والقطاع الصحي في الأردن والتحديات والعقبات التي تواجه نظام الرعاية الصحية في محاولة للخروج برؤية استراتيجية تؤسس لبناء سياسات واضحة لتحسين نتائج وانعكاسات ذلك على المواطنين والمنتفعين.
وأكد وجود "شكاوى دائمة تتعلق بعدم توفر الأدوية، رغم أن إجمالي الإنفاق على الدواء بلغ حوالي 581 مليون دينار، شكّل ما نسبته 22 % من الناتج المحلي الإجمالي، ما يؤشر إلى هدر الأدوية، فضلًا عن اكتظاظ المراجعين والمواعيد البعيدة ومستوى الخدمات المقدمة".
وفيما أشار الشياب إلى مشكة "تعدد آباء القطاع الصحي، ونقص الكوادر الصحية والطبية، وخصوصًا الاختصاصيين، فضلًا عن ارتفاع ثمن الأدوية"، أوضح أن الأردن ينفق ما بين 19 % و25% من مجمل الناتج المحلي الإجمالي على الرعاية الصحية الأولية، وهو ما وصفه بـ"القليل".
إلى ذلك، بين المشاركون في هذه الجلسة "لا يوجد أي تنسيق بين القطاعات الطبية المختلفة داخل الأردن"، لافتين إلى "سوء التنظيم في هذا القطاع بشكل عام، والاكتظاظ الذي تشهده المستشفيات الحكومية، ناهيك عن ارتفاع التكاليف في المستشفيات، فضلًا عن التغيير المستمر لوزراء الصحة".
وأكدوا ضرورة "توحيد صناديق التأمين الصحي كافة، والعمل على إيجاد آلية لتفعليها حسب المقدرة المادية لكل مواطن، إذ يجب أن لا يكون في يد وزراة الصحة"، مشيرين إلى "دارسة حول التأمين الصحي الشامل للمواطنين كافة، قام بها شخص لبناني أجريت قبل فترة وكلفت خزينة الدولة نحو 365 ألف دينار، لكنها لم تر النور حتى هذه اللحظة". 
كما تطرقوا إلى موضوع اللامركزية في التعيين، بحيث تكون مديرية الصحة في كل محافظة مسؤولة عن تعيين الأطباء والصيادلة والممرضين، لما لذلك من إيجابيات تعود بالنفع على المواطن"، مؤكدين "أنه يوجد نقص بهدد الأطباء، لكن بالمقابل يوجد أيضًا سوء توزيع، وخاصة فيما يتعلق بالمراكز الصحية".

وفي الجلسة الثانية، التي أدارها نقيب الأطباء الأردنيين الدكتور علي العبوس، وجاءت لتناقش محور "السياسات العامة في مجال الصحة والقطاع الصحي ... البدائل والخيارات"، تحدث رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية عيسى الخشاشنة عن السياسات العامة لقطاع الصحة، قائلًا "يجب أن لا تظل محصورة بمجال عمل الطبيب فقط، وإن كان هو أساس العمود الفقري فيها، فسياسات القطاع تطال أيضا مجال الصيادلة والعاملين في قطاع المختبرات الطبية والأشعة أيضا"، مؤكدا أن مفهوم الرعاية الصحية بمستوياتها الثلاثة متصلة ببعضها البعض ولا يجوز فصل واحدة عن الأخرى.
وأشار الخشاشنة إلى أن "الصحة النيابية" عملت على مدار ثلاثة أعوام قضتها في اجتماعات دورية للخروج بقانون المسؤولية الطبية إلى حيز الوجود، والذي يجب تطبيقه وتعميمه على مختلف دول المنطقة لمدى أهميته في احترام المنظومة الصحية في الأردن والتقيد بها.
ودعا إلى ضرورة العمل بتشاركية من قبل جميع أطراف القطاع المتداخلة للخروج بتوصيات ونتائج تسهم في تحسين المنظومة الصحية في الأردن، وتمكننا من إعادة النظر بالاختصاصات الفرعية للقطاع الطبي، وضرورة احترافها لما تحققه من دفع في عجلة تقدم السياحة العلاجية على المدى البعيد، بالإضافة إلى تحسين سلم الرواتب والحوافز التي تقدم للأطباء.
وخلال الندوة، طرح المشاركون عدد من المقترحات التي شكلت بمثابة سيناريوهات عمل فاعلة من شأنها الارتقاء بقطاع الصحة في الأردن والوقوف على السياسات المحيطة به، حيث أكدوا أهمية الوقوف وقفة جادة فيما يتعلق بقطاع التأمين الصحي من حيث كلفته وإدارته وشموليته لكل المواطنين، معتبرين أن الحل من وجهة نظرهم هو إنشاء هيئة خاصة بالتأمين الصحي مستقلة عن وزارة الصحة، تعمل وفق أسس اقتصادية وتجارية ومالية خاصة بها.

وتداول المنتدون حاجة القطاع الصحي لنظرة شمولية تقر وتلتزم فيها كل أطرافه ومكوناته، ومدى الحاجة إلى التنسيق بين القطاعات الصحية والإدارية، وإعادة النظر بتوزيع وأداء المراكز الصحية.
وناقشوا مدى رضا المواطن عن الخدمة الصحية التي يتلقاها، ونظام الحوسبة والفوترة في وزارة الصحة، حيث يجب تفعيله وتطويره لقياس حجم الكلفة والإنفاق، ومعضلة الموارد البشرية من حيث نقص الاختصاصات وسوء التوزيع في المستشفيات والمركزية في التعيين.
وأعربوا عن تخوفهم من المستويات "المتدنية" لخريجي كليات الطب في مختلف الجامعات سواء خارج الأردن أو داخله مع ضرورة مراقبة وتقييم أدائهم، بالإضافة إلى التوسع الضخم في أعداد المقبولين في تخصص الطب، وإمكانية توفر فرص التدريب لهم في المستشفيات التعليمية بالقدر الذي ينسجم مع الحاجة والطاقة الاستيعابية.