تشرين الأول 23, 2019

الشرق الأوسط بعد سقوط داعش

عقد مركز الدراسات الاستراتيجية وقسم الشؤون الحكومية والدولية في جامعة درم - بريطانيا، بالتعاون مع برنامج الصباح في الجامعة المذكورة (al-Sabah Programme) ومبادرة أبحاث العالم المفتوح (OWRI) ومجلس بحوث الآداب والعلوم الإنسانية (AHRC) مناقشة حول مائدة مستديرة بعنوان "الشرق الأوسط بعد سقوط داعش". 

"داعش" وفقدان الخلافة - التفسير والتوقعات المستقبلية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

جولين بوجوان، جامعة درام

في ٢٩حزيران/ يونيو ٢٠١٧، أي بعد ثلاث سنوات بالضبط من إعلان أبو بكر البغدادي نفسه خليفة للدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي "نهاية دولة داعش الباطلة". على حد تعبير العديد من زعماء الدول، فإن المعركة ضد الدولة الإسلامية قد انتهت. ومع ذلك، على الرغم من طرد المجموعة عسكريًا من معاقلها في العراق وسورية، فإن قوتها الإيديولوجية تظل قائمة. يخشى العديد من السياسيين والمحللين أن تظل الجماعة السلفية الجهادية تهديدًا في منطقة الشرق الأوسط وخارجها. في حين يشير البعض إلى تحول تنظيم الدولة الإسلامية إلى تمرد وإلى وجود الجماعة على الحدود العراقية والسورية، ويجادل آخرون بأن المرء قد يشك في أن الخلافة قد فقدت الحرب على الإطلاق. بمعنى آخر، يبدو أن تنظيم الدولة الإسلامية قد حقق هدفه الاستراتيجي من خلال خلق قوة دفع لحكم السلفية الجهادية في الشرق الأوسط في المستقبل.

في مقطع الفيديو الخاص بالمجموعة والمسمى بـ "كسر الحدود"، والذي صدر في ٢٩حزيران/ يونيو ٢٠١٤، ادعت المجموعة أنها لم تخرق الحدود الجغرافية بين العراق وسورية فحسب، بل وكسرت أيضاً الحدود غير المرئية والمتخيلة بين الأمم والمناطق والثقافات في المنطقة. 
بعبارة أخرى؛ في حين أن الدول الحديثة تروّج لفكرة الهويات التعددية والمتكاملة ضمن كيانات متعددة ممثلة بالدول القومية، اقترحت "داعش" نموذجًا مختلفًا تمامًا للتنظيم الاجتماعي والسياسي حيث يكون للأفراد هوية واحدة ومشتركة داخل كيان واحد ومشترك واحد هو الخلافة. وبذلك، أقرت المجموعة إعادة تنظيم النظام العالمي تحت قيادة نظام سياسي واحد، زعيم واحد، وثقافة / هوية واحدة - الإسلام السني. بالفعل، كان تركيز "داعش" الأساسي عندها مبنياً على إنشاء الخلافة، والحفاظ عليها بوصفها نظاماً بديلاً عن الحكم في العراق وسورية. 

"داعش" استخدمت اللغة بوصفها أداة لتفكيك العديد من الهويات المتنافسة للسماح لكل فرد بدخول الثقافة العالمية والمجتمعية التي روّجت لها "داعش". لمدة خمس سنوات، جسّد خطاب "داعش" ثقافة جماعية تتجاوز الهويات الوطنية الحديثة والإقليمية. وعليه؛ أصبح هذا الخطاب بديلاً سياسياً قوياً محتملاً عن فشل الدول القومية والإقليمية العلمانية. على هذا النحو، فان الخطاب الداعشي سيكون محفوراً في ذهن الحكومات والسكان في جميع أنحاء العالم.

في نيسان/أبريل ٢٠١٩، أي بعد عامين من هزيمة الموصل، نشرت "داعش" مقطع فيديو ظهر فيه زعيم الخلافة البغدادي. مقطع الفيديو ذاك كان بمثابة مفاجأة؛ لأنه كانت هناك شائعات عن مقتل البغدادي كضحية مؤامرات داخلية داخل المجموعة. في كلمته، ألقى البغدادي خطابًا مدته ١٢ دقيقة أقر فيه بالصعوبات التي تواجه جيوشه قال: إن المعركة من أجل الإسلام وشعبه ضد الصليبية ستكون معركة طويلة. لكن الأهم من ذلك أن خطابه كان بمثابة تغيير في الأولوية من الخلافة إلى الجهاد، وتغيير الاستراتيجية من الحرب التقليدية إلى حرب تمرد، حيث قال ان معركتنا اليوم هي معركة استنزاف ... وإن العدو بحاجة إلى أن يعرف أن الجهاد مستمر حتى يوم القيامة، وأن الله أمر المسلمين بالجهاد ولم يأمرهم بتحقيق النصر. على هذا النحو، تحوّل صراع "داعش" من حرب بين دول ودول إلى صراع بين المجموعة وأعدائها. بالفعل، لقد عاد تنظيم الدولة الإسلامية إلى الشكل التقليدي للسلفية الجهادية - الذي يرتكز، بشكل أساسي، على التمرد من الريف الصحراوي ضد أهداف تكون في الغالب عسكرية. 

سواء تم إلحاق الهزيمة بـ"داعش" أم لا، يمكن القول إن الخلافة الإسلامية القصيرة العمر خدمت عددًا من الأغراض. أولاً، تم تعليم جيل جديد وشاب من الجنود عسكريًا وأيديولوجيًا. وبالتالي، فإن نهاية الخلافة لا تعني بالضرورة نهاية الجهاد باسم الخلافة، ومن المرجح أن يبقى ظل الأخير لسنوات مقبلة. وعلى المنوال نفسه، خلق "داعش" سابقة لإنشاء دولة إسلامية، والتي ستسمح للمجموعات وأطرافها بلعب واحدة من حيلها الخطابية المفضلة: العودة إلى العصر الذهبي الإسلامي. أما بالنسبة الى السلفية الجهادية، بنى "داعش" تاريخاً. عندما تنتزع مجموعة جهادية السلطة في المستقبل، بدلاً من الإشارة إلى الخلافة العباسية وسقوطها على أيدي المغول، سيكون بإمكان تلك المجموعة الجهادية، "داعش" او غيرها، الرجوع مباشرة إلى ذاكرة أوثق وأحدث بكثير، وهو الخلافة الإسلامية في الموصل والرقة وسقوطها على يد "الصليبيين" وحلفائها "المرتدين". وعليه، فإن سقوط الخلافة في سورية والعراق يغذي خطاب داعش حول أزمة الأمة ونضالها ضد 'الصليبيين' في الشرق الأوسط. 

علاوة على ذلك، كشف "داعش" فشل – أو على الأقل نقص – التكامل الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كان غياب ردة الفعل السياسية والعسكرية من دول مجلس التعاون الخليجي نقطة لافتة للنظر في الحرب ضد "داعش". وعلى المنوال نفسه ، كشفت داعش عن انقسامات متعددة في المنطقة. لقد اعتبرت هذه الدول الخلافة الداعشية عدوًا مشتركًا، لكن فشلت في تشكيل جبهة إقليمية موحدة ضد المجموعة. الفجوة الأكثر وضوحا كانت بين النخب الحاكمة في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وسكانها. الدعم السكاني لـ"داعش" كان من أعراض السخط الشعبي العام من فساد النخب الحاكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. خلال مقابلة أجريتها مع أردنيين وتونسيين، أوضح العديد منهم بأنهم أيدوا في البداية قتال" داعش" ضد المحتلين (الولايات المتحدة وإسرائيل) والطغاة العرب. وبالمثل، اعترف العديد من المشاركين بان "داعش" هو في النهاية يجسد "حلم الخلافة" وفرصة لاستعادة كرامة العرب بعد عقود من الإذلال على أيدي القوى الأجنبية. لكن يبدو أن استخدام داعش للعنف المفرط ضد المدنيين المسلمين وغير المسلمين على حد سواء كان أحد الأسباب الرئيسية لفقدان المجموعة هذا الدعم. وعليه، قد يتساءل المرء عما إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية سيجمع المزيد من الدعم، لو كان قد ركز جهوده العسكرية ضد رموز الدول التي كان يقاتلها؟


العراق ما بعد انهيار "داعش": ما يجب القيام به

 د. أمجد رشيد، جامعة درم 

على الرغم من زوال "داعش" مادياً – أي فقدانها السيطرة على الارض – إلا أنها ما زالت جماعة إرهابية قوية، و تشكل تهديداً للدولة ولمواطنيها. أحد عوامل الجذب الرئيسية لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق هو القوة العملياتية. فما زالت  المجموعة تتمتع بعناصر الاستمرارية في العراق. حيث تضم ما بين ١٥ إلى ٢٠ ألف مقاتل على جانبي الحدود العراقية السورية، و لها قيادة متماسكة مجسدة بشخص أبو بكر البغدادي. بالإضافة الى ان هناك جيلاً شاباً من الأطفال الذين ولدوا وترعرعوا في ظل حكم داعش. هؤلاء يعتبرون من ضحايا داعش لكن في الوقت نفسه يشكلون تهديداً عسكريًا وأيديولوجيًا خطيراً في المستقبل ما لم يتم استيعابهم وادماجهم في المجتمع. والأهم من ذلك، تتمتع المجموعة، وعلى عكس المنظمات الجهادية الأخرى، بمهارات معقدة في الإدارة والحكم مكتسبةً طابعًا تنظيمياً متطوراً. كما نجحت في تسجيل نوع من المرونة السياسية مع بعض الدول والحكومات في المنطقة من خلال صفقات نفط وعمليات تهريب عبر الحدود. كل هذا سيسمح للجماعة بالقيام بأنشطة إرهابية وحرب عصابات ضد الدولة والمدنيين. بالتالي، فإن داعش لديها العناصر والمقومات لشن حرب استنزاف قد تصل الى سنوات. 

يُقال إن الإرهاب حرب استنزاف مرهقة. كما كان متوقعاً، لقد بدّلت "داعش" تكتيكاتها العسكرية إلى حرب عصابات وتمرد. المجموعة نشطة في المناطق الريفية ذات التضاريس الوعرة النائية التي تمنحهم حرية الحركة والتخطيط للهجمات. وتشمل هذه الصحاري محافظات الأنبار ونينوى، والجبال التي تجوب محافظات كركوك وصلاح الدين وديالى. ولدى المجموعة شبكة من الخلايا النائمة يبدو أنها تخطط لأنشطة لتقوض سلطة الحكومة الفيدرالية في بغداد وخلق جو من الفوضى.
 
لكن عامل الجذب الرئيسي والأهم لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، هي غياب سلطة الدولة، حيث إن قوات الجيش العراقي لا تمتلك الاحتكار الكامل لاستخدام القوة في البلاد. هذا بدوره يؤدي الى المزيد من الاحتقان الطائفي في البلاد.  ففي صيف ٢٠١٤ تم تأسيس الحشد الشعبي بفتوى من المرجعية الدينية في النجف الأشرف لمحاربة "داعش" ولسدّ الفراغ الناجم عن سقوط الجيش العراقي في الموصل. الحشد هو ميلشيا شبه عسكرية متكونة من مجموعة من الشباب الشيعي، وتتألف من ١٤٠٠٠٠ الى ١٥٠٠٠٠ ألف مقاتل. الأهم من ذلك هو أنه في صيف ٢٠١٦، أقر مجلس النواب العراقي إدراج الحشد الشعبي في جهاز الأمن العراقي. وعلى الرغم من أن هذه الميليشيات حاربت داعش بلا هوادة ، إلا أن اندماجها في جهاز أمن الدولة يثير احتمال تسييس قوات الجيش لصالح الكيان الشيعي في العراق. 

نمت هذه الميليشيات، بشكل كبير، من حيث الحجم والقوة والضغط. لقد أصبحت كما يقول باحث "كالخناق حول العنق". ولقد حذر أحد المسؤولين العراقيين من أن هذه القوات شبه العسكرية "تشبه قنابل يدوية التي نحتفظ بها بالقرب من صدرنا لتخويف العدو بعيدًا، لكننا نخاطر أيضًا بتفجير القنبلة علينا". 

 مقاتلو الحشد الشعبي يرتدون الزي الرسمي للجيش العراقي في أغلب الاحيان، لكنهم يتصرفون خارج الإطار القانوني للوائح العسكرية. تعمل هذه الميليشيا كقوات لمكافحة الإرهاب في المناطق السنية التي كانت تحت حكم "داعش". ولقد تم اتهامها بارتكاب جرائم حرب ضد العرب السنة بحجة محاربة الإرهاب. حيث ذكرت منظمة العفو الدولية أن هذه الميليشيات اختطفت الآلاف من الرجال والصبية، وقامت بعمليات تعذيب وإعدام خارج نطاق القضاء وكذلك بعمليات تدمير وحشية وسرقة للممتلكات المرحّلين قسراً. علاوة على ذلك، فقد تم الإبلاغ عن اكتشاف جثث مجهولة الهوية مكبلة اليدين اغتيلوا بأعيرة نارية في الرأس، ما يشير إلى وجود نمط من عمليات الإعدام في المناطق السنية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الميليشيات تقوم بأنشطة المافيا وبعمليات تهريب. 

إنه الوقت المناسب لتغيير استراتيجية الحكومة العراقية من مكافحة الإرهاب التي طالت لسنوات عدة إلى مزيج من مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد. الفرق بين النهجين كبير. فمكافحة الإرهاب٬ كما يقول مايكل بويل في بحثه المنشور في مجلة الشؤون الدولية في لندن٬ يتم وقفه من خلال :١) ردع وتدمير وعزل الجماعات التي تستخدم الإرهاب ٢)٬ تدريب وتجهيز قوات أمن الدولة لمحاربة الجماعات الإرهابية٬ ٣) زيادة قدرة الدولة على الاستعداد للإرهاب ومنعه وحمايته والرد عليه٬ ٤) واخيراً تهدئة ومنع المجتمع المدني من دعم الجماعات الإرهابية. لكن هذا لا يكفي لدرء خطر "داعش". 

مكافحة التمرد، من ناحية أخرى٬ يحدث عندما تكون الدولة غير مستقرة بسبب تمرد أفراد يعملون على زعزعة استقرار الدولة. يمكن هزيمة المتمردين واحتواءهم من خلال عزلهم وتقويضهم٬ وكسب قلوب وعقول السكان للتقليل من الدعم الشعبي للتمرد، وذلك من خلال: ١)، الحد من الإصابات المدنية الناتجة عن هجمات مع حماية المدنيين من هجمات المتمردين، و٢) زيادة شرعية الحكومة من خلال جهود الحكم الرشيد والتنمية. 

كل هذا لا يحدث في العراق. فالبلد يتجه نحو المزيد من الاستقطاب السياسي وتهميش للعرب السنة، ما يوفر مساحة وسرداً خطابياً لداعش للقيام بأنشطتها الإرهابية في البلاد. فالسياسات القمعية التي تنتهجها ميلشيا الحشد الشعبي بحجة مكافحة الإرهاب قد تعيد شبح تسلل "داعش" في المجتمع. هذه السياسات الخاطئة يجب ان تتوقف فوراً. 

القضية الثانية، هي قضية المصالحة الوطنية. الطريق لتحقيق المصالحة صعب. وعلى الرغم من أن العملية تتطلب عدالة انتقالية، إلا أن المصالحة الوطنية بعد "داعش" يجب ان لا تكرر خطأ قانون اجتثاث البعث الذي تم تنفيذه على شكل عقوبة جماعية بدلاً من إرساء مقومات بناء السلام المستدام. ما أراه حتى الآن هو أن أنظمة مكافحة الإرهاب والقضاء بعد العام ٢٠١٧ تقود البلاد إلى الفوضى والاضطراب. هناك بالفعل الآلاف من قضايا تعذيب لأشخاص يزعم انهم لأعضاء لـ"داعش". كذلك، لا توجد محاكم عادلة للمشتبه بهم في المحاكم العراقية. يمكن أن يؤدي سوء نهج مكافحة الإرهاب هذا إلى ظهور داعش مرة أخرى. 

ثالثًا، يحتاج البلد إلى تقوية الأنظمة القانونية على الفور، حيث إن الثقة في سلطة الدولة تأتي من قدرتها على إقامة العدل في البلاد. مع وجود نظام قضائي ضعيف ومسيَّس في البلاد، يكون العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها مهددًا دائماً. 

رابعاً، مسألة النازحين. لقد وضعت الحكومة بالفعل استراتيجية وطنية لإعادة بناء المنطقة المحررة من "داعش" وإعادة تأهيل ما يقرب من ٤ ملايين من النازحين الذين عادوا إلى ديارهم. ومع ذلك، يوجد أكثر من مليوني نازح ينتشرون ،في الغالب، في إقليم كردستان. يحتاج هؤلاء النازحين الى تعزيز الثقة الاجتماعية واستعادة وضعهم الطبيعي والعودة الى مسقط رأسهم. هم في حاجة ماسة لسياسات إعادة التأهيل بما في ذلك إدارة المياه والصرف الصحي والكهرباء.

التعقيدات الأمنية ومستقبل علاقات حكومة إقليم كردستان - إيران بعد الهزيمة العسكرية لـ"داعش" 

عرفان عزيز، جامعة درم

لقد جاء الهجوم على المنطقة الكردية بمثابة مفاجأة للمسؤولين الكرد. على الرغم من سوء العلاقات بين إقليم كردستان وطهران، لم يتردد الأخير في الرد بسرعة على هجمات "داعش" ضد المنطقة. في الحقيقة، كانت إيران أول دولة ساعدت إقليم كردستان ضد "داعش". 

السؤال الفوري الذي تبادر إلى ذهن كل كردي في تلك اللحظة لماذا هبت إيران لمساعدة الإقليم؟ يعتقد بعض السياسيين الكرد أن إيران كانت وراء هجمات "داعش" على إقليم كردستان - لتدمير المنطقة كما فعلت مع السنة في المناطق السنية من العراق. ومع ذلك، ووفقًا لهؤلاء المسؤولين الكرد، لم تنجح إيران في هذا المشروع، لذلك استخدمت إيران خطتها البديلة، التي تمثلت في إرسال قوات عسكرية منظمة لحماية كردستان.

يأتي السلوك العدائي الإيراني ضد إقليم كردستان من رفض الاخير الانصياع إلى السياسات الطائفية التي تقودها الحكومة الفيدرالية في بغداد والمسيطرة من قبل المكون الشيعي. حاولت إيران دفع الكرد لدعم الشيعة، لكن كان دائما يأتي الرد بالرفض. أخبرني أحد السياسيين العرب السنة أن إيران فعلت  الشيء نفسه  مع السنة. يردف هذا السياسي قائلا: لكن على غرار الكرد، السنة لا تتمكن أن تحمي نفسها من إيران.

عندما خاض إقليم كردستان الاستفتاء في ايلول/سبتمبر ٢٠١٧، اتخذت إيران أقوى موقف معارض في المنطقة للتصويت الكردي. قبل إجراء الاستفتاء، صرح الرئيس الإيراني حسن روحاني لوسائل الإعلام بأن إيران تريد "الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط" وان "استفتاء الاستقلال في كردستان العراق هو مؤامرة طائفية من قبل دول أجنبية وترفضه طهران وأنقرة". وعلى الرغم من الرفض الإيراني والإقليمي، اجري الاستفتاء في ٢٥سبتمبر/ ايلول ٢٠١٧ وصوت ٩٢٪ من قاطني كردستان لصالح الاستقلال.

إجراء الاستفتاء الكردي كان صفعة لإيران وتهديداً مباشراً لمصالحها الإقليمية. لذلك كان رد الحكومة الإيرانية بمعاقبة كردستان سريعا، حيث دفعت بالميليشيات الشيعية العراقية الموالية لها لمهاجمة المنطقة الكردية، بما في ذلك مدينة كركوك المتنازع عليها. أدى الهجوم العسكري إلى سيطرة الميليشيات الشيعية على هذه المدينة الغنية بالنفط.

حاليا، العلاقات بين حكومة إقليم كردستان وإيران؛ هي انتعاش مستمر. فقد زار وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف كردستان والتقى برئيس الاقليم ورئيس الوزراء. ظريف أكد أن طهران تريد إقامة علاقات قوية مع أربيل. من جانبه قال رئيس حكومة إقليم كردستان إن أربيل يسعى هو الآخر إلى فتح صفحة جديدة مع إيران. توضح هذه العبارات أن كلا الطرفين يحاولان تطوير علاقاتهما.

تحديات ما بعد هزيمة داعش
أ.د.موسى شتيوي
إن إعلان هزيمة "داعش" العسكرية وسقوط عاصمة الخلافة ، يشكل ضربة حاسمة للتنظيم، لكن ذلك لا يعني أنها هزيمة نهائية له ، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو الأيديولوجية. وفي كل الأحوال ، فإن عالم ما بعد "داعش" ينطوي على ثلاثة تحديات أساسية عامة، ليست فقط للعراق وسورية، وإنما للمنطقة بكاملها، وأهمها التحدي الأمني والأيديولوجي ، وتحدي المقاتلين العائدين الى بلدانهم وعائلاتهم وأبناءهم.
أولاً : التحدي الأمني
الهزيمة العسكرية للتنظيم لا يعني نهاية التحدي الأمني للتنظيم، لا بل أن هناك دلائل ومؤشرات على ان التنظيم قد غير من استراتيجيته، والتي ما زالت تشكل تهديداً أمنياً ليس فقط لسورية والعراق ، وإنما أيضاً لدول المنطقة والعالم أيضاً.أهم تحدي يواجه المنطقة هو التمدد الإقليمي والدولي، ويتمثل ذلك في مجالين : الأول توزيع التنظيم للعديد من اتباعه، وخاصة المقاتلين الأجانب الى ساحات قتال أخرى أبرزها :سيناء واليمن وأفريقيا جنوب الصحراء وأفغانستان وغيرها من المناطق. البعد الثاني يتمثل في انخراط التنظيم بعمليات أو هجمات في بلدان أخرى ويتم ذلك بشكل أساس بقبول التنظيم مبايعة مجموعات تتواجد في تلك المناطق دون أن تكون هذه المجموعات مرتبط تنظيمياً بداعش. 
كذلك ، فهناك بقايا مجموعات من مقاتلي التنظيم في المناطق التي كان يتواجد بها ولم يتم القضاء عليهم ، ومن المرجح أنهم تحولوا لخلايا نائمة، والتي يمكن في حالة إعادة التنظيم لصفوفه، أو التعثر في حل المشكلات في تلك المناطق، عودة هذه الخلايا للنشاط على شكل مجموعات مستقلة .
وأخيراً، تشكل الذئاب المنفردة والتي تتشكل من الأتباع الفكريين للتنظيم والذي من الممكن أن يقوموا بهجمات فردية تنفذها مجموعات صغيرة، وهي استراتيجية جديدة يعتمدها تنظيم داعش.
ثانياً: التحدي الأيديولوجي أو الفكري
مما لا شك في أن المعركة المقبلة مع التنظيم هي المعركة الفكرية والأيديولوجية، حيث يعتمد التنظيم على منظومة فكرية وعقائدية متشددة تقوم على تقديم الأدلة لمناصريها بتبرير أفعال القتل والتهجير وسبي النساء وغيرها من الممارسات المنافية للشرائع. لذلك ، لا بد من المواجهة الفكرية بالإضافة للمواجهة العسكرية لأن التنظيم يستمد قوته من بقاء أفكاره وتداولها بين المناصرين والمؤمنين بفكره بشكل يعكس فلسفته الوجودية ، وبالتالي فإن مجابهة تنظيم "داعش" فكرياً يتطلب خطاب جديد ضمن مشروع وطني بديل. وهنا لا بد من الإشارة الى التجنيد الالكتروني الذي يستخدمه التنظيم في معركته الفكرية والأيديولوجية.
ثالثاً: العائدون وأسرهم
العائدون من "داعش" يشير الى أعضاء التنظيم الذين اضطروا للعودة الى بلدانهم بعد هزيمة التنظيم في العراق وسورية. يكمن خطر العائدون في تنامي المخاطر الإرهابية والتخوف من بقايا رواسب الفكر الإرهابي والمتطرف، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هؤلاء الأشخاص مدربون على عمليات قتالية عالية ، فقد يلجأ تنظيم "داعش" الى القيام بعمليات إرهابية في العديد من الدول، مستغلاً بذلك العائدين ممن يحملون فكره المتطرف، بهدف نقل المعركة الى مناطق مختلفة وخاصة الدول الغربية. ويعد ملف العائدون من الدواعش للدولة الأهم موضوعاً أمنياً شائكاً للعديد من الدول العربية، والأوروبية على وجه التحديد. يضاف لمشكلة المقاتلون العائدون من تنظيم داعش هو أسرهم ، كزوجاتهم وأبنائهم وكيفية التعامل معهم ، حيث تباينت سياسات الدول نحو هذه الفئة بين من يقبل بعودتم أو من يرفض ذلك كلياً.
هذه مجمل التحديات الناجمة عن الهزيمة العسكرية لداعش والتي تتفاوت أهميتها وكيفية التعامل معها من دولة وأخرى، ولكن من المؤكد أن مجابهة هذا التنظيم يجب أن تتجاوز المعالجة الأمنية على ضرورتها للمجابهة السياسية والأيديولوجية.




ما بعد داعش والجماعات القتالية

إبراهيم غرايبة 

يؤشر المشهد القائم بعد هزيمة داعش عسكريا إلى أن البيئة الحاضنة الحاضنة للعنف والتطرف ما زالت قائمة وفاعلة، وإن فقدت الجماعات القتالية السيطرة على معظم الأراضي والمناطق.
وهناك الكثير من أعضاء الجماعات ومقاتليها الذين يبحثون عن مأوى أو أمكنة وفرص جديدة أو في السجون والمعتقلات بلا أفق أو مستقبل واضح، ومازال مؤيدو الجماعة وأنصارها ايديولوجيا أو المتضامنون لأجل قضيتهم السياسية أو الاجتماعية يحملون الأفكار والمواقف المنشئة لهذه الجماعات. وما زالوا أيضا يعيشون الظروف السياسية والاجتماعية التي جعلتهم يؤيدون ويحتضنون هذه الجماعات، ونشأت حالة قانونية وإنسانية واجتماعية صعبة تعيشها عائلات المقاتلين وقواعدهم الاجتماعية القريبة، كما نشأت أيضا حالة قانونية وإنسانية واجتماعية لضحايا الجماعات من المختطفين وعائلات القتلى والمفقودين.

هل يستمر المشهد القائم كما هو؟

إن استمرار المشهد القائم يحمل أخطارا كثيرة تبدد النصر وقد تحوله إلى هزيمة، فالعمل العسكري والأمني يجري بكفاءة لا مجال للزيادة عليها. لكن ثمة مخاوف من تناقص قدرة الدول والتحالف على الاستمرار بسبب تكاليف المواجهة المالية والمعنوية، والإعياء القتالي والنفسي في المواجهة، واحتمال ضعف الدول وهشاشتها وتراجع قدراته المالية، كما أن زيادة الانفاق العسكري والأمني يقلل من الإنفاق التنموي في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والمرافق العامة. 

هل يجد المقاتلون أماكن وفرص جديدة للعمل والتخفي؟

تعتمد قدرة أعضاء الجماعات في مواصلة العمل أو التخفي أو الحصول على ملاذات آمنة على ضعف القدرات الأمنية والعسكرية للدول، وهناك مناطق توفر هذه الملاذات مثل الدول التي تشهد صراعات أو هشاشة سياسية واقتصادية، ليبيا، اليمن، الصومال، أفريقيا، أفغانستان، وربما يمكن استخدام جيوب آمنة مثل المناطق الجبلية والوعرة البعيدة التي لا تستطيع السلطات السيطرة عليها. 
ويمكن أن تجد الجماعات خطوط انتقا ل وتحرك آمنة تفتحها دول لها مصالح في استمرار العنف وتوظيفه، مثل أطراف الصراع في الدول والمناطق المختلفة، أو أن تحقق تحالفات ومصالح جديدة لدول وقوى سياسية يمكن أن تدعم العنف والتطرف. 

هل يعود أو يستمر العنف والتوتر؟

تعتمد الإجابة بنعم أو لا على تخمين مدى قدرة الدول والمجتمعات على الاحتفاظ بانتصارها العسكري والأمني
مبررات الإجابة بـ نعم
•      لا يمكن الاستمرار في الإنفاق الأمني والعسكري من غير نمو اقتصادي يغطي هذا الانفاق.
•      الفجوة في الانفاق بين القطاعات الأمنية والتنموية تؤدي إلى تدهور مستوى التنمية الانسانية والخدمات الأساسية.
•      السياسات الأمنية تؤدي إلى ضعف مستوى الحريات وزيادة منسوب الغضب والاحتجاج
استمرار الغضب والاحتجاج بسبب حالة الشعور بالظلم والتهميش والاقصاء
•      استمرار الصراعات والاحتقانات الطائفية والاثنية
•      شعور فئات بالتهميش والظلم يمنح الجماعات قواعد اجتماعية ومؤيدين، السنة في العراق وسوريا، العرب في الدول الأفريقية ذات الأغلبية الزنجية مثل مالي، البشتون في أفغانستان، الويغور والمسلمون في الصين، الروهينغا في ميانمار، المورو المسملون في الفلبين،..
•      الصراعات والحروب العسكرية كما يحدث اليوم في دول عدة

مبررات الإجابة بـ لا
•      إرادات سياسية وطنية ودولية بمواجهة العنف والتطرف.
•      النزعة الاجتماعية العامة نحو السلام والاستقرار. 
•      الممارسات والتجارب المخيفة للجماعات العنفية والمتطرفة
•      الاتجاه العام في الدول لحرمان الجماعات من فرص التمويل والعمل
•      الخبرات التي اكتسبتها الدول وأجهزتها في المواجهة

هل ينحسر العنف والتطرف وتختفي الجماعات القتالية؟

ثمة ما يدعو الى الاعتقاد بأن موجة التطرف الديني قد اكتملت بعد خمسين عاما من صعودها وأن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تغير العالم سوف تغير أيضا الاتجاهات الفكرية والفلسفية. لكن يرجح أن انحسار العنف لن يكون تلقائيا ويعتمد على منظومة من المبادرات الاجتماعية والاقتصادية الناجحة، مثل المواجهة الاجتماعية والاقتصادية مع التطرف؛ إذ لا يمكن للنجاح العسكري والأمني في مواجهة التطرف والعنف أن يمنع استمرار التأييد الأيديولوجي وفرص استمرار وزيادة المؤيدين والأنصار ومن ثم فرص التجنيد والتعبئة لصالح الجماعات المتطرفة والقتالية.
تعتمد المواجهة الاجتماعية على منظومتين: 
1-     سياسات اقتصادية اجتماعية تستهدف الكرامة للمواطنين وتحسين حياتهم وفرصهم في التقدم الاقتصادي والاجتماعي من خلال زيادة كفاءة التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والعمل والتدريب وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تمكن المواطنين من المشاركة الاقتصادية والاجتماعية. 
2-     معالجة أسباب الكراهية والعنف المتبادل

مصادر الكراهية: 

الهيمنة السياسية
القمع
التباينات الاقتصادية بين المجموعات العرقية
المبادئ الدينية والسياسية وانسيابها بين القمة والقاعدة أو عبر الروايات المتناقلة بين الأجيال
العزلة الاجتماعية
حتى عندما تبدأ سياسة التعايش بإزالة أول مجموعة من الحوافز التي تشجع على استمرار العنف يبقى هناك احتمال وارد باستمرار الكراهية والعداء