تشرين الأول 23, 2019

ما بعد داعش والجماعات القتالية

إبراهيم غرايبة

يؤشر المشهد القائم بعد هزيمة داعش عسكريا إلى أن البيئة الحاضنة الحاضنة للعنف والتطرف ما زالت قائمة وفاعلة، وإن فقدت الجماعات القتالية السيطرة على معظم الأراضي والمناطق.

وهناك الكثير من أعضاء الجماعات ومقاتليها الذين يبحثون عن مأوى أو أمكنة وفرص جديدة أو في السجون والمعتقلات بلا أفق أو مستقبل واضح، ومازال مؤيدو الجماعة وأنصارها ايديولوجيا أو المتضامنون لأجل قضيتهم السياسية أو الاجتماعية يحملون الأفكار والمواقف المنشئة لهذه الجماعات. وما زالوا أيضا يعيشون الظروف السياسية والاجتماعية التي جعلتهم يؤيدون ويحتضنون هذه الجماعات ، ونشأت حالة قانونية وإنسانية واجتماعية صعبة تعيشها عائلات المقاتلين وقواعدهم الاجتماعية القريبة، كما نشأت أيضا حالة قانونية وإنسانية واجتماعية لضحايا الجماعات من المختطفين وعائلات القتلى والمفقودين.

هل يستمر المشهد القائم كما هو؟

إن استمرار المشهد القائم يحمل أخطارا كثيرة تبدد النصر وقد تحوله إلى هزيمة، فالعمل العسكري والأمني يجري بكفاءة لا مجال للزيادة عليها. لكن ثمة مخاوف من تناقص قدرة الدول والتحالف على الاستمرار بسبب تكاليف المواجهة المالية والمعنوية، والإعياء القتالي والنفسي في المواجهة، واحتمال ضعف الدول وهشاشتها وتراجع قدراته المالية، كما أن زيادة الانفاق العسكري والأمني يقلل من الإنفاق التنموي في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والمرافق العامة.

هل يجد المقاتلون أماكن وفرص جديدة للعمل والتخفي؟

تعتمد قدرة أعضاء الجماعات في مواصلة العمل أو التخفي أو الحصول على ملاذات آمنة على ضعف القدرات الأمنية والعسكرية للدول، وهناك مناطق توفر هذه الملاذات مثل الدول التي تشهد صراعات أو هشاشة سياسية واقتصادية، ليبيا، اليمن، الصومال، أفريقيا، أفغانستان، وربما يمكن استخدام جيوب آمنة مثل المناطق الجبلية والوعرة البعيدة التي لا تستطيع السلطات السيطرة عليها.

ويمكن أن تجد الجماعات خطوط انتقا ل وتحرك آمنة تفتحها دول لها مصالح في استمرار العنف وتوظيفه، مثل أطراف الصراع في الدول والمناطق المختلفة، أو أن تحقق تحالفات ومصالح جديدة لدول وقوى سياسية يمكن أن تدعم العنف والتطرف.

هل يعود أو يستمر العنف والتوتر؟

تعتمد الإجابة بنعم أو لا على تخمين مدى قدرة الدول والمجتمعات على الاحتفاظ بانتصارها العسكري والأمني

مبررات الإجابة بـ نعم

·      لا يمكن الاستمرار في الإنفاق الأمني والعسكري من غير نمو اقتصادي يغطي هذا الانفاق.

·      الفجوة في الانفاق بين القطاعات الأمنية والتنموية تؤدي إلى تدهور مستوى التنمية الانسانية والخدمات الأساسية.

·      السياسات الأمنية تؤدي إلى ضعف مستوى الحريات وزيادة منسوب الغضب والاحتجاج

استمرار الغضب والاحتجاج بسبب حالة الشعور بالظلم والتهميش والاقصاء

·      استمرار الصراعات والاحتقانات الطائفية والاثنية

·      شعور فئات بالتهميش والظلم يمنح الجماعات قواعد اجتماعية ومؤيدين، السنة في العراق وسوريا، العرب في الدول الأفريقية ذات الأغلبية الزنجية مثل مالي، البشتون في أفغانستان، الويغور والمسلمون في الصين، الروهينغا في ميانمار، المورو المسملون في الفلبين،..

·      الصراعات والحروب العسكرية كما يحدث اليوم في دول عدة

مبررات الإجابة بـ لا

·      إرادات سياسية وطنية ودولية بمواجهة العنف والتطرف.

·      النزعة الاجتماعية العامة نحو السلام والاستقرار.

·      الممارسات والتجارب المخيفة للجماعات العنفية والمتطرفة

·      الاتجاه العام في الدول لحرمان الجماعات من فرص التمويل والعمل

·      الخبرات التي اكتسبتها الدول وأجهزتها في المواجهة

هل ينحسر العنف والتطرف وتختفي الجماعات القتالية؟

ثمة ما يدعو الى الاعتقاد بأن موجة التطرف الديني قد اكتملت بعد خمسين عاما من صعودها وأن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تغير العالم سوف تغير أيضا الاتجاهات الفكرية والفلسفية. لكن يرجح أن انحسار العنف لن يكون تلقائيا ويعتمد على منظومة من المبادرات الاجتماعية والاقتصادية الناجحة، مثل المواجهة الاجتماعية والاقتصادية مع التطرف؛ إذ لا يمكن للنجاح العسكري والأمني في مواجهة التطرف والعنف أن يمنع استمرار التأييد الأيديولوجي وفرص استمرار وزيادة المؤيدين والأنصار ومن ثم فرص التجنيد والتعبئة لصالح الجماعات المتطرفة والقتالية.

تعتمد المواجهة الاجتماعية على منظومتين:

1-     سياسات اقتصادية اجتماعية تستهدف الكرامة للمواطنين وتحسين حياتهم وفرصهم في التقدم الاقتصادي والاجتماعي من خلال زيادة كفاءة التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والعمل والتدريب وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تمكن المواطنين من المشاركة الاقتصادية والاجتماعية.

2-     معالجة أسباب الكراهية والعنف المتبادل

مصادر الكراهية:

الهيمنة السياسية

القمع

التباينات الاقتصادية بين المجموعات العرقية

المبادئ الدينية والسياسية وانسيابها بين القمة والقاعدة أو عبر الروايات المتناقلة بين الأجيال

العزلة الاجتماعية

حتى عندما تبدأ سياسة التعايش بإزالة أول مجموعة من الحوافز التي تشجع على استمرار  العنف يبقى هناك احتمال وارد باستمرار الكراهية والعداء