تشرين الأول 23, 2019

إبراهيم غرايبة

يؤكد الاستطلاع الأسبوعي لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية بعنوان المؤشر الأردني حاجة قصوى لبناء مشاركة واسعة وشاملة في المجال العام حسب أولوياته واحتياجاته الحقيقية، وفي تفاعل المواطنين ووسائل الإعلام مع الاستطلاع ما يؤشر إلى تجاه حقيقي لدى الأردنيين للالتفات العملي والواقعي إلى قضاياهم بخلاف الموجة التي سادت عدة عقود في بناء مجال عام حول القضايا الخارجية والكبرى للعرب والمسلمين، ولا أريد أن أتسرع بالاستنتاج حول التحولات الأردنية من الخارجي إلى الداخلي ومن المثالي إلى اليومي، لكن من المرجح إن لم يكن مؤكدا أن الشارع الأردني يمضي إلى الاستماع إلى الذات، ويقلل من الاهتمام الخارجي، وماتزال التحولات في بداياتها، بما تعنى البدايات من ارتباك وغموض، وماتزال القضايا الخارجية بوضوحها وإغوائها وسهولتها تستهوي فئات واسعة ومؤثرة في المجتمع والدولة، فما من شك أن القضايا الخارجية والكبرى حتى في معارضة السلطة تظل أقل أثرا على المكاسب والسياسات؛ ما يعني بالضرورة أن السلطة تفضلها على المعارضة والتجمع حول المسائل الداخلية واليومية، لكن وفي المقابل فإن العمل اليومي بما هو التأثير في الاتجاهات والسياسات العامة والمشاركة فيها يحتاج إلى جهود واسعة وخبرات متقدمة ووعي كاف بالتفاصيل والمعرفة اللازمة للعمل العام؛ ليصل إلى النضح والوضوح الكافيين للتأثير الفعلي دون إضرار بالمصالح والمؤسسات العامة، وليلتفت إلى الأهداف والقضايا الحقيقية، ومؤكد على أن السلطات والشركات والتيارات والقيادات السياسية كما نسبة غالبة من النقابات لا تريد لهذه الجهود أن تنجح او تتقدم، والأكثر صعوبة أنه عمل قاس وممل ليس ممتعا ولا ملهما للجماهير والإعلام، وإن بدا أنه فكرة تتغير في قصة المعلمين، حيت تحولت من قضية يومية إلى حالة رمزية ملهمة تجمعت حولها نسبة كبرى من المواطنين، ولم تقتصر على حراك نقابي مطلبي.
حاول المؤشر الأردني لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية بنبضه الثالث أن ينتقل إلى مجموعة من القضايا الأساسية، والتي يتعامل معها المواطنون على نحو يومي، مثل النقل والمواصلات والطرق والتعليم الحكومي والتعليم الخاص وخدمات المياه والصرف الصحي، وكان الأكثر أهمية من التقييم أن يحاول المواطنون بالمشاركة مع المؤسسات العامة أن يفكروا فيما يحبون أن يكونوا عليه وما يجب فعله ليكونوا كما يحبون، وهذه هي السياسة العامة ببساطة ووضوح، إذ هي في بعدها التطبيقي اليومي أن نكون قادرين على ملاحظة ما نحن عليه وما أنجزنا وما نحتاج إليه، وقد تكون الإجابات وخاصة في المراحل الأولى تقديرية أو انطباعية، وفي أحيان كثيرة تكون مخالفة للحقائق والمعطيات الواقعية والإحصائية، كما أن ثقافة القياس والتقدير العلمي للقضايا والأحداث لم تترسخ بعد في السياسة والتنشئة والبيئة المحيطة بالعمل العام، إذ تغلب الانفعالات والانطباعات على التقديرات والمواقف والاستجابات، وتنزع الاتجاهات غالبا إلى مواقف قطعية بالتأييد أو المعارضة برغم أنه لا يكاد يكون قضية يمكن أن تحظى بهذه النزعة المتطرفة في أي تجاه كان، وسيظل المواطنون كالناشطين والمسؤولين في حاجة متواصلة لبناء وجهات نظر متعددة وملاحظة فرص الخطأ والصواب في كل تجاه او وجهة نظر.
الأكثر أهمية في هذه المرحلة على الأقل أن نعمل لبناء فكر عملي ويومي مشترك أكثر من أن نقيس مستوى الرضا عن الخدمات الأساسية، ونأمل أن تساعدنا الجامعات ومراكز التفكير في ذلك، ذلك أنها غاية تأتي محصلة جهود واسعة ومتراكمة في التعليم والتفكير .. والتساؤل أيضا.