آذار 17, 2019

* د. سارة عبابنة

انطلقت الموجة الأخيرة من احتجاجات المتعطلين عن العمل عندما أعلن د. فلاح العريني عن نيّته التوجه مشيًا على الأقدام من قريته قرب الطفيلة إلى الديوان الملكيّ في عمّان بصحبة أبنائه الاثني عشر احتجاجًا على عدم توفر فرص العمل. تبعت مسيرة العريني مسيرات أخرى من العقبة والطفيلة ومعان والبادية الجنوبيّة وإربد وذيبان. وكانت آخر المجموعات المشاركة في هذه الاحتجاجات مجموعة من النساء اللواتي تم إنهاء خدماتهن في مديرية الزراعة في ذيبان. وصلت تلك المجموعات إلى عمّان في أوقات مختلفة، وكانت المطالب بسيطة: التعيين في وظيفة توفر الأمن الوظيفيّ والتأمين الصحّي، وأجرًا ضمن الحد الأدنى للأجور. وقد استجابت الحكومة والديوان الملكي بصور مختلفة، وفي أوقات مختلفة. فقد قابلتْ بعضُ الوفودِ الأولى من المحتجّين رئيس الديوان الملكيّ، يوسف العيسويَّ، الذي وعد بتوظيفهم. وفي سياق استجابتها للاحتجاجات، أصدرت سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة بيانًا قالت فيه أنها تعمل مع مؤسسات وشركات في القطاع الخاص على إطلاق برامج تدريبية تهدف لتأهيل الشباب للالتحاق بفرص العمل المتزايدة في القطاع الخاص. بدورها، أعلنت وزارة العمل أنها تدعو الباحثين عن العمل لزيارة مكاتب التشغيل المنتشرة في الأردن، والتي ستقدّم لهم الإرشاد وتساعدهم في التشبيك مع القطاع الخاص.

لكن الاعتصام الأطول عمرًا كان اعتصام متعطلي معان الذي انتهى اليوم بعد التوصل إلى اتفاق مع المحتجين. منذ أن وصل المحتجّون من معان إلى عمّان، استقبلتهم الأمطار الغزيرة. ساعد المعتصمون السيارات على عبور الشوارع الغارقة، ومنعوا انهيار جسرٍ للمشاة بفتح مصرف كان مغلقًا مما سبّب تجمع المياه على الجسر. كما عزل المعتصمون أسلاكًا كهربائية معرّاة لمنعها من التسبب في حدوث تماس كهربائي. وقد اضطروا إلى النوم تحت الجسور، واتخذوا من مخازن تجارية غير مشغلة تعود لأمانة عمّان في مجمّع رغدان الجديد ملجأً لهم، حيث أعدوا منامات مؤقتّة باستخدام بطّانيّات تبرّع بها الناس، مستخدمين مواقد خشب أرسلها لهم أقرباؤهم في معان والطفيلة. وبدلًا من توفير المأوى للمحتجّين، أغلقت أمانة عمان المرافق الصحية العامة وركّبت أبوابًا حديديّة جديدة لتمنع المحتجّين من النوم في المحال الفارغة. يقول أمين الحويطات (27 عامًا) وهو خريج سياحة من جامعة مؤتة: «الأمانة ركبوا بواب عشان الناس ما يناموا فوق. تخيلي لوين! تطلعي العالم كيف نايمة». كما أغلقت معظم المساجد أبوابها في وجه المحتجين، إلا أن أحد المساجد سمح لهم أخيرًا بقضاء ليلة داخله إذ كانت الأمطار فيها هي الأكثر غزارة.

انتشر المحتجّون على طرفي الشارعين القادمَين من رغدان، وافترشوا المساحات التابعة للأمانة وكراج السيارات الموجود على الطرف الآخر من الشارع. ورغم أعدادهم التي كانت بالمئات، كان المكان نظيفًا تمامًا. وفضلًا عن تنظيف أماكنهم، قضى المحتجّون كثيرًا من وقتهم في مساعدة عمّال النظافة في عملهم. يقول الدكتور خليل روّاد الحلمي، وهو أحد المحتجّين: «قاعدين كل يوم. في عنا كمان برنامج إنه نعمل تنظيف صباحي ووسط النهار وآخر النهار».

غير أن هذا النوع من الاحتجاجات ليس سهلًا ولا قليل الكلفة. فمن أجل توفير مصاريف الالتحاق بالمسيرة، باعت عائلة شاب (23 عامًا) ثلّاجتها. ومنذ وصولهم إلى عمّان، اضطّر كثير من المحتجين لبيع هواتفهم النقالة من أجل تأمين الأكل، والشرب، والسجائر. وبينما ساعد العديد من أهالي عمّان والمحافظات المحتجّينَ بإمدادهم بالوجبات، والماء، والبطّانيّات، والخشب، حاول البعض الآخر استغلال المحتجّين ببيعهم الطعام بأسعار أعلى من معدّلات السوق، أو من خلال تأجير محالهم التجارية بمقابل ماديّ كي ينام فيها المحتجّون. ويعاني الكثيرون من إصابات في أرجلهم وأقدامهم جراء المشي من معان. وبالرغم من حاجة ثلاثة منهم إلى عناية طبيّة، إلا أنهم لم يتوجّهوا إلى المستشفيات بعد أن طلبت إحداها من أحدهم تأمينًا صحيًّا أو دفعة أوّلية مقدارها 200 دينار كي يدخل غرفة الطوارئ. حدَّثني صديقهُ صالح: «أول مبارح، وقع واحد فينا. وديناه ع المستشفى، أول ما طلب منا تأمين. قلناله ما معانا تأمين، لو معانا ما جينا هانا. 200 ليرة تأمين، ولا واحد فينا هان معاه مية ليرة». ويعاني محتجون آخرون من التهاب القصبات الهوائيّة بسبب مساعدتهم للناس أثناء انهمار المطر دون أن تتوفر لديهم ملابس كافية لتدفئتهم.

شعب لا يريد أن يعمل؟

لم تلقَ مسيرات المتعطلين عن العمل ولا اعتصاماتهم تغطية واسعة من وسائل الإعلام الرسميّة. فقد جاءت معظم التقارير من منصّات إعلامية إلكترونيّة ومن صفحات المحتجّين الخاصة على فيسبوك. وتلقّى المحتجّون ردود فعل متنوّعة على المنصّات الإعلاميّة الإلكترونيّة، إذ تعاطف العديدون مع محنتهم، إلا أن البعض رأى أن رفض المحتجّين لمقترحات الحكومة بتشبيكهم مع وظائف القطاع الخاص يكشف حقيقة أنهم لا يسعون وراء العمل الجاد، وإنما يريدون العمل في القطاع العام حيث يتقاضون الرواتب دون الحاجة لأن يعملوا حقًّا. لهذا الانتقاد تاريخ طويل، حيث أن واحدة من أكثر الصفات التي يوصف بها الأردنيون والتي تتكرر في السرديّات التي تتحدّث عن الأردن، هي أن الأردنيين متعطلون عن العمل لأنهم يعتقدون أنهم أكبر من الوظيفة. هذا الخطاب يفترض أن الأردنيّين يرفضون العمل كعمّال بناء أو نظافة، وأن ذلك هو السبب وراء تكبّد الأردن عناء استقدام القوى العاملة الوافدة.

حين التقيت المحتجّين، ردوا في الحال على هذا الانتقاد. إذ يقول الحلمي: «لا يوجد [للمعتصمين] سقف في الوظيفة، يعني في ناس ممكن إنه يقبل يكون عامل وطن، مش عيب ولا غلط، وثقافة العيب غير موجودة عندهم كما يدَّعي بعض المسؤولين. وهذا رد على المسؤولين اللي بحكوا إنه الشباب الأردني لا يعمل لأنه بترفّع على الوظائف اللي مثل هاي؛ لا، هما موافقين. وعنا ضمانات إنه موافقين إنه إذا في وظيفة عامل وطن ضِمن رواتب كويسة». أو كما وصف الأمر محتج آخر قائلًا: «إحنا بدنا نشتغل، لو عمال وطن موافقين (..) لا بدنا نتجوز ولا بدنا سيارات ولا بدنا مناصب، بدنا تأمين صحي».

لم يكن المحتجون جالسين في منازلهم في انتظار الحكومة لتوفّر لهم وظائف مريحة. فالمحتجّون الذين قابلتهم لم يكونوا غريبين على الأعمال الشاقّة، بل تحدثّوا عن تاريخ طويل في سوق العمل. فقد عَمِل أحد الرجال القادمين من معان (26 عامًا) في وظائف عديدة بعد أن درس السياحة في الجامعة الأردنيّة عند حصوله على معدّل 83% في التوجيهي. فقد عمل نادلًا، وسائق تاكسي، وعاملًا في كازيّة. وقد تقدّم إلى وزارة السياحة بمشروع تخرّجه الذي عمل على تطويره لأربع سنوات. وروى الكثيرون قصصًا شبيهة، إذ درسوا ولم يجدوا وظائف في مجال اختصاصهم. أنس، مثلًا، تخصص في الطاقة المتجدّدة تقدّم إلى المشاريع العديدة الموجودة في الطفيلة إلا أنه لم يتوظف لأنه لا يمتلك «واسطة». بينما يروي الحويطات: «يا عمي أنا عمري 27 سنة، متخرج ومعاي شهادتين. أنا معاي شهادة دبلوم تمريض من كلية الخدمات الطبية، ومعاي بكالوريوس سياحة من جامعة مؤتة بتقدير جيد. أنا صارلي ثلاث سنين عاطل عن العمل! (..) في منهم مهندس ودكتور هذول. واللي خلقني وخلقك، يعني هم بقولولنا انحرفوا، هم نفسهم بقولولنا انحرفوا».

العديد من المحتجّين كبار السنِّ اشتغلوا لمدّة تزيد على 20 عامًا في كل عمل يمكن تخيله؛ من قيادة الشاحنات وصولًا إلى قطاف البندورة. فمعظم الذين تحدّثت إليهم سَعَوا إلى وظائف ضمن تخصصاتهم، وعندما لم يجدوها، عملوا في مجالات ليس لها علاقة بشهاداتهم، معظمها كانت بنظام المياومة دون أية امتيازات، مما جعلهم عرضة للتسريح من العمل وفقًا لمزاج أصحاب العمل، بخاصة عندما يتوفّر من يرضى بالعمل بأجرٍ أقلّ. مثال على ذلك قصة أحد أحد الشباب الذي اشتغل كعامل مياومة في أحد المصانع، وتعرّض لإصابة عمل بالغة، ومن ثم سُرّح من عمله، وتحمّل كلفة العلاج بنفسه دون القدرة على العودة إلى العمل نتيجةً لإصابته في القطاع الخاص، وليس تعاليًا عليه. بالتالي، فإن رفض المحتجّين للعمل في بعض الوظائف في القطاع الخاص يأتي نتيجة لتاريخ طويل من العمل.

يطالب المحتجّون بالأمان الوظيفيّ، فالأجر الشهري، على أهميته، ليس العامل الأهم، وإنما حقَّ كل أردنيّ في التوظيف والأمان الوظيفيّ. بعبارة أخرى، يطالب المحتجون بأن يعمل الأردنيون والأردنيات في وظائف توفّر لهم حياةً كريمة، مما يعني أن يتوفّر للمرء أمان وظيفيّ، وضمان اجتماعيّ، وتأمين صحّي.

عبّر العديد من المحتجّين عن ترحيبهم بالعمل في القطاع الخاص، خصوصًا في المصانع العديدة الواقعة في الجنوب، شرط أن تكون الوظيفة دائمة، وليس وفقًا لنظام عقود. فأثناء عملهم في وظائف عديدة في القطاع الخاص والقطاعات غير المنظّمة، شهد المحتجّون تجاوزًا لقانون العمل وغيابًا للأمان الوظيفيّ.

يشعر المحتجون بالتهميش، فقد طالبوا بتطبيق الدستور وقانون العمل. لكنهم في الوقت نفسه أكّدوا أن الأردنيّين ليسوا سواسيةً أمام القانون. فقد أصيب أحد المحتجين في ساقه خلال المسيره إلى عمّان، إلا أن المستشفى في عمّان رفض إدخاله لأنه غير مؤمّن صحيًا، كما ذُكِر سابقًا، ولا يستطيع تغطية تكاليفه: «ابن مسؤول هسا يجي خبر إنه صار مع حادث، ‏بتلاقي الطيارات ‏بتنزل عليه. بس إحنا ولاد الحراثين ما بطلعلنا (..) ما طلبنا قصر ولا طلبنا سيارات زي اللي بركبوها الذوات». كما أشار المحتجّون إلى كثير من قضايا الفساد. إذ قدّر أحدهم أنه لو وُزّعت رواتب بعض المسؤولين من أعضاءَ العديد من مجالس الإدارات سوف يتوفّر المال اللازم لتوظيف المئات في الجنوب.

في الأردن، تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى

عانى العديد من المحتجين الذين قَدِموا إلى عمّان من عجزهم عن تحصيل ورقة حسن سيرة وسلوك، التي تسمح لهم بالعمل في الاجهزة الأمنية. أحد الذين قابلتهم ارتكب جنحة عندما كان عمره 17 عامًا. مضت تسع سنوات على تلك الحادثة، إلا أنه لم يكن قادرًا على التقدّم لأي وظيفة في القطاع العام بسبب عدم حصوله على شهادة عدم محكومية. أربعة آخرون أخبروني أنه رغم عدم ارتكابهم لأي جريمة، فقد مُنعتْ عنهم ورقة حسن السلوك. وعندما سألتهم عن السبب، أجابوا إنه لم تردهم أي أجابة واضحة. قيل لأحدهم أن السبب هو خاله الذي كان يزور سوريا قبل اندلاع الثورة. صرخ رجلٌ كان يستمع لحديثنا قائلًا: «حسبي الله ونعم الوكيل، الله يصفح عنك، بس الحكومة الأردنية ما بتصفح عنك أبدًا. حتى ربنا بقول لا تزر وازرة وزر أخرى. ليش يتحمّل هذا الشب ذنب واحد ثاني؟».

المشكلة الأخرى التي أشار إليها المحتجّون هي أنهم مثقلون بالديون. أخبرني رجل (27 عامًا) جاء من سحاب ليشارك في الاحتجاج أنه استطاع الزواج باستخدام قرضٍ من أحد برامج تمكين المرأة. وسُرّح آخر من عمله في بلديّة معان عندما طلب إجازة بدون راتب حتى يتسنّى له العمل في الخليج لكي يسدّ ديونه. لو أنه لم يفعل ذلك لانتهى في السجن. «طلعولنا قروض إلكو، ما بدنا قروض، شليتوا عرضنا قروض. نسوان الأردن صارن يتحبسن من ورا القروض. وين ارفع راسك إنت أردني؟ صرت أتمنى إني لاجئ»، يقول أحد المحتجين. يتابع آخر: «‏خلونا نلتزم بالقروض. (..) 225,000 اليوم مطلوبين للقضاء. 225,000 ‏بني آدم! ‏(..) مين اللي بالأردن مش مطلوب؟ المرة صار عليها قرض، الولد صار عليه قرض. من وين يروح يجيب هذا الشاب؟ يروح يسرق؟ يروح يسرق؟».

تهاون في إنفاذ قانون العمل؟

في حين أن معظم ثروات الأردن الطبيعيّة تتمركز في الجنوب، إلا أن أهالي تلك المنطقة هم الأفقر في الأردن. يقول الدكتور خليل الرواد، أحد المشاركين في الاحتجاج: «أكبر محافظة مساحةً معان. مشاريع بتخوف فيها، لكن أهلها غير مستفيدين لو نسبة 10% من هاي المشاريع». فقد طالب المحتجّون بتوظيفهم في أحد المصانع المنتشرة في الجنوب، وأن ينالوا الأولويّة في ذلك. يقول أحدهم: «في حوالي 16 شركة بين معان والجنوب (..) شركات طاقة، شركات بوتاس، فوسفات، شركات (..) هندية. كلهن هذول شركات كبرى، بغض النظر عن المسمى، هذول شركات استثمارية أي أنه يجب أن يكون الحق لأبناء المحافظات الموجودة فيها بالعمل». يقول محتج آخر: «إحنا منطقتنا فيها تقريبًا 24 شركة خاصة، شركات كبرى بتستخرج من عنا مليارات الدنانير سنويًا، وحقنا بالتوظيف مهضوم. بيجيبوا موظفين وبستغلوا الحد الأدنى للأجور، (..) [أو] بستقطبوا خبرات من برّة، بالرغم من إنه المنطقة غنية بالشهادات والإدارات».

يحمل أنس (24 عامًا) الذين قَدِموا سيرًا على الأقدام من معان شهادة دبلوم في هندسة الطاقة الشمسيّة، لكن لم توظّفه أيّ من شركات الطاقة المتجدّدة المتواجدة في المنطقة.بعد ذلك تقدّم للتجنيد في الجيش، بالإضافة إلى أن رقمه 1 على قائمة ديوان الخدمة المدنيّة في قصبة مدينته، و11 على مستوى معان ككلّ. يعتاش هذا الرجل مع أشقائه الستّة على راتب قدره 300 دينارًا هو الراتب التقاعديّ لوالده.

بدلًا من إعطاء أهالي المنطقة الأولويّة، فإن هناك إشاعات أن الشركة الأردنية الهندية للأسمدة (جيفكو) تعاقدت مع 700 عاملًا هنديًّا ليعملوا في مصنعها بالقرب من معان مطلع شباط 2019. الوضع القانونيّ لهذه المسألة معقّد؛ إذ لا يوجد قانون في الأردن يلزم أي شركة أو مشروع عمل توظيف نسبة معيّنة من الأردنيّين. حتى عندما تم تخصيص قطاعات كانت مقتصرةً على الأردنيّين، لم تُتّخذ أي إجراءات احترازيّة في الاتفاقيّات لتضمن الإبقاء على أردنيّة تلك القطاعات. لدى سلطة منطقة العقبة الاقتصاديّة الخاصة بعض القوانين المحليّة التي تحتّم على الشخص الذي يريد الحصول على بطاقة مستثمرٍ أن يوظّف ما مقداره 20 موظّفًا أردنيًّا وأن يسجّلهم في الضمان الاجتماعي لمدة لا تقلّ عن ستة أشهر إن أراد ذلك الشخص استثمار مبلغ مليون دينار.[1] وعند استثمار مبالغ أخرى توجد شروط مختلفة. ونصّت الاتفاقية الأردنيّة مع الاتحاد الأوروبيّ على بعض الشروط المتعلّقة بعدد الأردنيّين المعيّنين ضمن اتفاق قواعد المنشأ الجديدة. [2] لكن إجمالًا، لا يوجد قانون يحتّم على المستثمرين توظيف الأردنيّين. «ليش بتجيب البنغالي والمصري؟ بتسترخصوا ما تعطي ابن البلد زيادة 50 ليرة ولا تأمين يعني، بجيبوا بنغالي بعطوه 200 ليرة لا ضمان ولا تأمين، [إذا] وقع الله لا يرده، بخلصوا منه. وابن البلد ما بشتغل»، يقول أحد المحتجين.

يعدّ عدم وجود تشريعات تمنع الشركات من استقدام العمالة الخارجيّة، عندما تكون العمالة الوطنيّة متوفّرة، جزءًا كبيرًا من المشكلة والحل على حدّ سواء في معظم الأحيان. إذ تتعاقد الشركات المُخصخصة مع شركات أخرى بعقود باطنيّة، ومن ثم تضاعف الأخيرة أرباحها عن طريق توظيف عمالة أجنبيّة رخيصة. في ظل غياب التشريع وتطبيق القانون، تستطيع الشركات تحقيق أرباح أكبر من خلال عدم توظيفها لأردنيّين تلتزم بتوفير الحدّ الأدنى من الأجر لهم، بالإضافة للضمان الاجتماعي والتأمين الصحّي. لا يكفي إذًا أن يحال المتعطلون عن العمل ببساطة إلى القطاع الخاص، إذ ينبغي إجراء إصلاحات عديدة قبل أن تصبح هذه الوظائف منسجمة مع ما يطالب به المعتصمون وما ينص عليه الدستور الأردني في هذا الشأن. فأولًا، على التشريعات أن تضمن خلق فرص العمل، مما يعني أن يصبح الحق في الحصول على العمل أولوية وطنية تسعى إليها الدولة بكافة مستوياتها ومؤسساتها. وثانيًا، على الدولة أن تتمكن من إنفاذ قانون العمل في كل القطاعات وأن تحمي العمال (أردنيين وأجانب) من الاستغلال. هذا يتطلب أن تضمن الدولة حصول العمال في جميع القطاعات على الحد الأدنى للأجور، وأن يحظوا جميعًا بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.

خاتمة

تنصّ المادة 23 من الدستور الأردنيّ على أن:

1. العمل حق لجميع المواطنين وعلى الدولة أن توفره للأردنيين بتوجيه الاقتصاد الوطني والنهوض به.
2. تحمي الدولة العمل وتضع له تشريعًا يقوم على المبادئ الآتية:
أ. إعطاء العامل أجرًا يتناسب مع كمية عمله وكيفيته.
ب. تحديد ساعات العمل الأسبوعية ومنح العمال راحة أسبوعية وسنوية مع الأجر.
ج. تقرير تعويض خاص للعمال المعيلين، وفي أحوال التسريح والمرض والعجز والطوارئ الناشئة عن العمل.
د. تعيين الشروط الخاصة بعمل النساء والأحداث.
هـ. خضوع المعامل للقواعد الصحية 
و. تنظيم نقابي حر ضمن حدود القانون.

هذا يعني أنه ليس من حقّ المواطنين الحصول على العمل فحسب، بل على الدولة أيضًا أن تُعطي الأولويّة لخلق الوظائف للأردنيّين. وإضافة إلى ذلك، فإن قانون العمل خاضع لقانون الضمان الاجتماعي ويترتب على ذلك حق العاملين في التأمين الصحي وغيره.

في سياقٍ عالميّ تتجه فيه الوظائف باضطراد لأن تكون بنظام العقود، يتراجع الأمان الوظيفيّ كحقّ للبشر حول العالم. إن المنطق الذي يقول إن باستطاعة الاستشاريّين استيفاء أجور أعلى بهدف توفير مصاريف التأمين الصحي والضمان الاجتماعي التي يدفعونها على نفقتهم الخاصة، يمثّل عزاءً لأصحاب الدخل الجيّد، في غياب الأمان الوظيفيّ. إلا أنه عندما تتحوّل جميع الوظائف، ذات الأجر المجزي وذات الحدّ الأدنى للأجور، إلى نظام العقود، فذلك يعني أن الحق في الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي سيتلاشى ليصبح حبرًا على ورق. من أجل الحصول على عمل لائق، فإن الحد الأدنى للمعيشة، والتأمين الصحّي، والضمان الاجتماعي يجب أن تكون جميعها جزءًا رئيسيًّا في معادلة التوظيف. وعلى الدولة أن تحمي هذه الحقوق، ولا تسمح لأحد أن يتجاوز القانون.

لطالما ما سوّق جذب الاستثمار على أنه سيقضي على البطالة، ولكن الاستثمار أصبح هدفًا بحد ذاته، بل أصبح أولوية الدولة، والعصا السحرية التي تعلق عليها جميع الآمال. وعندما تفرّط الدولة بحقوق العمال من أجل النمو والاستثمار، تصبح عمالة العقود زهيدة الأجر هي السائدة. هذا يعني أن العمال يتقاضون أجورًا زهيدة حتى يتسنّى للمستثمرين مضاعفة أرباحهم، كما يُنزَع عن العمال الأمان الوظيفي ويفقدون حقوقهم الأساسيّة بالتأمين الصحّي والضمان الاجتماعي.

لم يطالب المحتجّون بأعطيات أو امتيازات خاصّة. بل على العكس، حيث قاموا بمسيرةٍ شاقّة، مكلفة ماديًّا وجسديًّا، ليطالبوا بحقوقهم الدستوريّة. يجب ألا يكون الحق في الحصول على العمل محلّ نقاش. مع ذلك، سلّط الاحتجاج الضوء على التحديات الحقيقيّة التي يواجهها هذا الحق الدستوريّ. إن السبب وراء رفض المحتجّين لحلّ الدولة السريع الذي يقضي بتوظيفهم في «القطاع الخاص» هو أن معظم الوظائف التي انخرطوا فيها ضمن ذلك القطاع كانت منزوعة الأمان الوظيفيّ، وامتيازات التأمين الصحّي والضمان الاجتماعي. إن هذا النوع من التوظيف ليس حلًا، ولا يجب أن يكون مطروحًا من الأصل.

عندما تعلو مصلحة القوى العاملة الأردنية على مصلحة العمل والربح، عندها يُحتَرَم حق العمل. هذا يعني ضرورة ضمان تطبيق حقوق العمل والأمان الوظيفيّ في جميع القطاعات، ومن قِبل جميع المستثمرين. إن تطبيق القانون ضرورة لا غنى عنها، حيث لا يجوز تقديم تنازلات في شأن قانون العمل والدستور باسم خلق بيئة جاذبة للاستثمار، كما لا يجوز أن يكون بمقدور مستثمر استغلال العمالة الأجنبيّة. كذلك لن يكون القطاع الخاص مكانًا لائقًا للعمل مثل القطاع الحكوميّ قبل أن يكون جميع العاملين في الأردن، أردنيين وأجانب، تحت مظلّة قانون العمل.

* باحث مساعد في المركز

نقلا عن موقع حبر:

https://www.7iber.com/politics-economics/maan-unemployed-protest/