شباط 07, 2019

* الأستاذ الدكتور موسى شتيوي


لقد أرست الثورة العربية الكبرى أسس النهضة العربية ،التي شكلت نموذجاً عربياً لم يأخذ حقه بالبحث والتحليل . بعد انتهاء حقيقة الاستعمار ، بدأت حركات التحرر باستنساخ نماذج عالمية للدولة الحديثة ، ولكن أغلب هذه المشاريع أو النماذج كان ينقصها العمق التاريخي والثقافي المطلوب لبناء شرعية راسخة لهذه الأنظمة ، وبالوقت نفسه الولوج للحداثة وإنجاز التنمية.

بالرغم من شح الإمكانات آنذاك وصغر حجم الأردن ، إلا أن الملك عبدالله الأول مؤسس المملكة استطاع ببصيرته وحنكته السياسية أن يضع الأسس الراكزة والمتينة لدولة عربية حديثة، كانت منذ تأسيسها تتمتع بالأصالة والحداثة في الوقت نفسه، لدولة شكلت بذور الديمقراطية والتعددية والحداثة التي وصل إليها الأردن اليوم مستنداً ليس فقط على الشرعية التاريخية ، وإنما أيضاً على المشروعية الحديثة التي استطاع أن ينسجها مع الشعب الأردني ، الذي تبنّى المشروع الهاشمي ودافع عنه ، فكانت حالة التحام فريدة بين القائد وشعبه.

أما الحسين الشاب ، فقد استطاع أن يثبّت الدولة الأردنية في ظل ظروف استثنائية عاشتها المنطقة في بداية عهده واستمرت لعقود لاحقة. ولكن برؤيته الثاقبة وبعزيمته التي لا تكل ،استطاع أن يبني هو وشعبه هذا البلد ، فقد بنى مؤسسات البلد خطوة خطوة، ابتداءً من المؤسسات العسكرية ، و التعليمية والصحية ، وحتى البنية التحتية ، وأصبح الأردن بزمنه بلد الإنجازات في كل هذه المجالات ، حيث انتقل الأردن في عهد الحسين – طيب الله ثراه – من مجتمع زراعي / رعوي الى مجتمع حديث بكل ما تعنيه هذه الكلمة واستطاع تحقيق الإنجاز في كافة المجالات. وبهذا، تم إضافة الإنجاز للمشروعية التاريخية للدولة .

لقد كانت رؤيته الثاقبة وحنكته السياسية وعلاقاته الهائلة مع كل الدول بمثابة طوق نجاة للأردن من العواصف الإقليمية والدولية ، وفي غضون خمسين عام شهد الأردن نهضة تعليمية وصحية واقتصادية تعتبر قصة نجاح بكل المقاييس، وأصبح نهج الحسين في إدارة الدولة مدرسة سياسية للدولة الأردنية .

لقد استطاع الحسين أن ينسج علاقة خاصة مع الأردنيين عز نظيرها ، الملك الإنسان ، كان الكل يشعر بأنه تربطه معه علاقة خاصة. لذا شكّل رحيله فاجعة للأردنيين . وفي الأيام الأخيرة من مرضه، كانت لوعة الأردنيين كبيرة وحزنهم شديد ، وساد شعوراً بالمرارة حيال عجزه حيال هذا الحدث الجلل.

لقد ترك لنا الحسين وطناً عزيزاً ومنجزاً كبيراً نتباهى ونعتز به بين الأمم.

عبدالله الثاني كان هدية الحسين للأردنيين ، الذي حمل ولا يزال يحمل راية الهاشميين ورسالتهم العربية والإنسانية ، وحمل - ولا زال - حلم النهضة العربية الكبرى ، واستمرت مسيرة العطاء والذي استطاع الملك المُعزز خلال فترة قصيرة أن يراكم الإنجازات في كافة المجالات ، واستطاع قيادة دفة البلاد في خضم الانهيارات العربية ، أن يجنب البلاد الكوارث والويلات بعزم وإصرار وحكمه قل نظيرها ، ورؤية ثاقبة في مواجهة العواصف والتحديات واستطاع أن يعزز مكانة الأردن العالمية ، ويعظم من مكاسبها التنموية، والمسيرة مستمرة.

في ذكرى الوفاء والبيعة ، رحم الله الحسين، وأطال الله في عمر عبدالله الثاني، وسدد على طريق  الخير خطاه.


* مدير مركز الدراسات الاستراتيجية/ الجامعة الأردنية.