شباط 07, 2019

يستذكرُ الأردنيُّون في السّابع من شباط (فبراير) من كل عام ذكرى حزينة وأليمة بوفاة المغفور له بإذن الله الحسين بن طلال، الملك والقائد والزّعيم والأب والإنسان، الذي عايشوه على مدى أجيال، وعاصروا مسيرته الطويلة في الحكم، وآمنوا فيه، وأدركوا محبَّته البالغة لهم، فكان إلى جانبهم في كل المفاصل الحرجة والصعبة التي مرَّت بها البلاد واجتازها بحكمةٍ واقتدار وحُسن تدبير.

واليوم تكتسبُ المناسبة خصوصية انقضاء عقدين من الزمان على رحيله، ولم تمحُ هذه السنوات ـ رغم طول المدّة ـ صورة الحسين من أذهان الأردنيين وقلوبهم المتعلّقة بمحبّته ومحبَّة البيت الهاشمي الشريف؛ ذلك أن الحقبة الطويلة التي أمضاها الحسين في سدّة الحُكم، والتي قاربت نصف قرن، أظهرت تلازماً في العمل الجاد لبناء الأردن بين القائد وشعبه، والتحاماً فريداً بينهما، وهي حقبة لم تخلُ من لحظات صعبة ومنعطفات خطرة، فكان إلى جانبهم في كل هذه المحطات، وقريباً إليهم في همومهم وتطلُّعاتهم، مُشاركاً لهم في الأوقات المرّة والحلوة.

كان يرحمه الله مؤمناً بقُدرات شعبه وإمكانياته، معوّلاً عليهم في رفعة البلاد وخدمة الوطن، مثلما كان غيوراً على أُمّته العربية والإسلامية، مُعتزّاً بتاريخها الطويل والمشرف في الإسهام الحضاري للإنسانية  جمعاء، ومُدافعاً عنها في كل المحافل والملتقيات ضد حملات التشويه التي كانت تترصَّد بها وتنقص منها، وكانت خُطبه وتوجيهاته وكلامه النابع من القلب يُلاقي قبولاً لدى الناس؛ من الخاصة والعامة، فيحرصون على سماعه ويترقَّبون ظهوره في المناسبات الوطنية والدينية.

وكان التواضع سمةً فيه، يُباسط الصغير والكبير، ويتلطف في معاملتهم، ويعرف أقدار الناس فينزلُ كل واحدٍ منزلته، مع مقدرة فريدة على احتمال الناس والاستماع لهموهم ومشاكلهم بإصغاء تام، والتوجيه بحلّ الممكن منها. وقد اعتاد الأردنيُّون أيضاً على التبسُّط في مخاطبته، فلم يتكلَّفوا في مُناداته بألقاب التفخيم والتعظيم؛ وكانوا يلمسون فيه دواعي السرور عندما ينادونه باسمه المجرَّد: "يا حسين"، أو بالكنية: "أبو عبد الله"، أو حتى "سيدنا".

ولهذا، فقد كان وقع المصاب بفقده شديداً على الأردنيين، على اختلاف فئاتهم وشرائحهم وتنوّع الأعمار والأجيال، ولم تستأثر فئة دون أخرى بمحبّته وقُربه منها، بل كان أباً للجميع وقائداً لعموم الأردنيين على اختلاف مراتبهم وأديانهم ومنابتهم ومنازلهم وديارهم، يرحمه الله.

وقد قيّض الله  لهذا الشعب ما يخفّف من مصابهم في سيرة خَلَفه جلالة الملك عبد الله الثاني، أطال الله في عمره، مُقتدياً بنهج الحسين، وسائراً على ذات الطريق خدمةً للأرض والشعب، في مسيرة حافلة بالبذل والعطاء والتفاني.