كانون الثاني 15, 2019

أ. د الياس سلامة*

تمت مناقشة وضع الأردن المائي في ندوة عقدت في الجامعة الأردنية بحضور سمو الأمير الحسن بن طلال وعدد من الشخصيات السياسية من رؤساء وزارات ووزراء سابقين وعدد من المعنيين الحكوميين والمختصين في مجالات المياه المختلفة ، وخلصت الندوة الى أن مستقبل المياه والتزويد المائي في الأردن سيكون مضموناً اذا ما نفّذ الأردن مشاريع رئيسة تهدف الى ضمان أمن التزويد بالمياه بالكمية والنوعية التي تحقق الشروط الصحية لحياة متمدنة كريمة، ولتغطية احتياجات الصناعة والزراعة بشكل يتناسب مع خطط التنمية المستقبلية.

نعم، لقد سبق لدراسات متعددة لأكاديميين أردنين ومنذ حوالي 20 عاماً الى التحذير من  أخطار استنزاف وتملح المياه الجوفية في الأردن. كما وخلصت إليه دراسة للمساحة الجيولوجية الأميركية عام 2013، وتبعتها دراسة المساحة الجيولوجية الألمانية الأخيرة.

وكافة هذه الدراسات حذرت من خطر مستقبلي وليس آني. نعم، قد تتلف أحواض مائية في المستقبل، ولكن هذا لن يحدث فجأة، وإنما له إشارات متوسطة المدى.

أما فيما يتعلق بكيفية التصدي لنضوب وتردي مصادر المياه الجوفية ، فهناك إمكانية متاحة أمام المملكة، وتتلخص هذه الإمكانية في الحصول على كميات إضافية مناسبة من المياه من خلال المشاريع التالية:

- التحلية على شواطئ العقبة، أي ضمن سيادة الدولة الاردنية، بحيث تستفيد من المياه المحلاة مدينة العقبة في المرحلة الأولى، وبهذا يتم توفير ما يقارب من 25 م م م  سنوياً تتم اسالتها حالياً من منطقة الديسة الى منطقة العقبة بضغط مياه يصل الى 90 ضغطاً جوياً ودون استفادة حقيقية من طاقة تلك المياه الموجودة على ارتفاع يقارب 900متر فوق سطح البحر، والاستفادة من كمية 25 م م م التي يتم توفيرها سنوياً بضخها الى المدن الأردنية في الشمال لتغطية الاحتياجات الانية. تتبع بعد ذلك مراحل تحلية مياه إضافية لتغطية احتياجات الأردن المتزايدة وليعيش المواطن الأردني والمستثمر في طمأنينة على مياهه من حيث كميتها ونوعيتها. وهذا المشروع قابل للتنفيذ خلال مدة لا تزيد عن السنتين، وتتحمل الشركات التي تنفذه الكلفة الرأسمالية والتشغيلية، وبسعر لا يزيد عن 35-40 قرشاً للمتر المكعب في مدينة العقبة ، وبالطبع ستكون الكلفة أعلى من ذلك عند ضخ المياه الى بقية التجمعات السكانية في المملكة. ومثل هذا المشروع يضمن أمن المياه تحت سيادة وسيطرة الدولة الأردنية.

- أما التحلية من خلال مشروع قناة البحرين الاولي (البحر الأحمر-البحر الميت) فهو مشروع جيد، الا انه إقليمي مشترك مع فلسطين واسرائيل، ويحتاج الى اتفاقيات ومعاهدات والى فترات تنفيذ قد تستغرق خمس سنوات، ولن تكون المياه المحلاة من خلاله أقل كلفة من مشروع التحلية في العقبة. وهنا يجدر التنويه بأن الربط  بين انقاذ البحر الميت والتحلية ليس ضرورياً، حيث أنه من الممكن انقاذ البحر الميت وانتاج الطاقة الناتجة عن فرق ارتفاع البحرين وتقاسم تلك الطاقة بين الدول المشاركة دون اللجوء للتحلية.

- والمشروع الآخر الذي يمكن أن يوفر بعض عشرات الملايين من الأمتار المكعبة من المياه خلال عقد او عقدين من الزمن هو رفع كفاءة استخدام المياه في الري لتوفير المياه العذبة للاغراض المنزلية والصناعية. إلا أن هذا المشروع يتطلب برنامج تدريب للعاملين في الزراعة، واستخدام أجهزة موفرة للمياه، واستثمار في الاجهزة والمعدات،  ولذا فإن ثمار مثل هذا البرنامج لن تأتي الا تدريجياً وخلال سنوات طويلة، إلا أنه ضروري ويجب البدء به بالسرعة الممكنة.

أما من داخل حدود المملكة فقد استنفذت السياسات التقليدية في تطوير مصادر مائية جديدة، وليست هناك مصادر مياه يمكن تطويرها تفي بأية احتياجات معتبرة، فجميع مشاريع الحصاد المائي والسدود والأحافير قد توفر 10-20 م م م من المياه سنوياً على مدى الخمس سنوات القادمة. وعلى الرغم من أهمية هذه المشاريع إلا انها لن تسد العجز الكبير في التزويد.

- وهناك إمكانية لحصول الأردن على بعض حقوقه المائية من الدول المجاورة أو جرّ المياه من تلك الدول مقابل الثمن، وهي سورية والعراق واسرائيل. إلا أن الأوضاع الجيوسياسية في تلك الدول لا تسمح حالياً بالاعتماد عليها، علماً بأن مثل هذه المشاريع تحتاج الى عدة سنوات من النقاش للوصول الى الاتفاقيات، وعدة سنوات أخرى للتنفيذ، ووضع المياه في الأردن لا يحتمل الانتظار لهذه الفترات، عوضاً عن أن مثل هذه المشاريع تجعل الأردن مرتبطا ًسياسيا ً واجتماعيا ً  واقتصاديا ً في ما يتلعق  بهذا المرفق الحيوي الذي لا غنى عنه والموجود حينئذٍ تحت سيطرة دول اخرى قد لا تلتزم بالإتفاقيات، مما سيهدد الوضع المائي الذي يجب أن يكون آمناً وتحت السيادة الوطنية.

مياهنا الجوفية تخضع لاستنزاف، وقد تلفت أحواض مائية في الماضي نتيجة ذلك الاستنزاف، وهناك أحواض أخرى مهددة بالاستنزاف، إلا أن ذلك لن يحصل بين ليلة وضحاها، ومازال الوضع تحت السيطرة بجهود العاملين في هذا القطاع.  

وليطمئن الأردنيون بأن وضعهم في السنوات القادمة سيكون مستقراً كما كان في السنوات الأخيرة، وخاصة إذا ما اخذت الحكومات على عاتقها تطوير مصادر المياه بالتحلية تحت السيادة الأردنية  في مدينة العقبة، وهو الحل للذي يعزز سيطرة الأردن على موارده.

لقد بدأت مرحلة عودة اللاجئين السوريين الى وطنهم بعد أن أخذت الأمور تستقر هناك، مما سينعكس على توفر مياه إضافية يزود الأردن بها في الوقت الحاضر هؤلاء اللاجئين.

استنزاف مياهنا الجوفية مشكلة كبيرة ويشكل تعويضها بمياه بديلة تحدٍ للأردن، إلا أنه في التصميم  والإرادة في التصدي لهذا التحدي تكمن مقدرة الأردن، مما يعطي الأمل بمستقبل مائي آمن.

*باحث مختص في قضايا المياه في مركز الدراسات الاستراتيجية الجامعة الاردنية