تشرين الثاني 15, 2018

أدرك الراحل خلال ما يقارب خمسة عقود من الحكم في فترة من أعقد التجاذبات الدولية التي تطلبت مرونة وسرعة في اتخاذ القرار، وهي ظروف تجعل من وضع رؤية واستراتيجية طويلة أمراً شديد التعقيد ، ومنذ تولي الملك الحسين بن طلال سلطاته  في الثاني من أيار العام 1953 كان المشهد السياسي الدولي يعج بالصراعات المحمومة وإن وصفت بالحرب الباردة.
ويمكن وصف عقدي الخمسينيات والستينيات بالكثير من السمات، لكن يبقى الرهان على ثبات الأردن هو العنوان الأبرز لتلك الحقبة ، وبالعودة لسردية التاريخ، نجد أن الملك الراحل كان أمام خيارات "أكون" أو "لا أكون" منذ لحظة اعتلائه العرش. وبتشريح بسيط للمشهد التاريخي، فيمكن عرضه بانتهاء حقبة الحكم الاستعماري وأفول فرنسا وإنجلترا بعد حرب عالمية طاحنة وعالم انشطر الى معسكرين بمساحة مناورة محدودة تجعل الخيارات محصورة بين الأبيض أو الأسود، ويعزز تعقيد هذا المشهد الدولي صراع إقليمي يتصدره المد القومي والشيوعي ولاحقاً الإسلام السياسي، ودرة تاج هذا الصراع القضية الفلسطينية، ومن خلالها تبدأ عقدة الجغرافيا الأردنية التي تتأرجح بين المنحة والمحنة .
إن عبور الأردن للعقود المصيرية الأولى وما تلاها من حقبة الانفتاح التي وسمت عشرة السبعين من القرن المنصرم، وبداية انهيار المعسكر الشرقي في حقبة الثمانينيات وما تلاها من بروز نظام عالمي جديد وما بينها من تجاذبات وحروب على حدود المملكة الاردنية الهاشمية وما أعقبها من تغيرات دولية، شهد تغيراً مستمراً في السياسة الخارجية بزوايا مختلفة بما يتناسب مع مصلحة الدولة الأردنية ضمن محددات لا يمكن إحاطتها والمضي في خياراتها دون إرساء أسس متينة للدولة الأردنية ضمن مشروع حضاري نهضوي، وهو روح البناء الوطني الذي سعى إليه الراحل الكبير، طيب الله ثراه، منذ توليه مقاليد الحكم في خطوات ثابتة وبتوقيت صعب تثبيت أركان الدولة عبر رحلة شاقة من البذل والعطاء توجت بعلاقة إنسانية جمعت بين الشعب الأردني والأب الإنسان على مدى عقود من التضحية والنضال.
وعلى الصعيد الداخلي ، أدرك الحسين أن الاستثمار بالإنسان هدف ووسيلة للنهضة والتقدم . ومن هنا، جاء اهتمامه وتركيزه بالتعليم ، الذي توجه بصدور الإرادة الملكية السامية في 2/9/1962 بتأسيس الجامعة الأردنية ، التي مهدت للنهضة التربوية والتعليمية في العقود التالية.
كما أدرك جلالة المرحوم مبكراً أهمية مراكز الفكر والدراسات في صنع السياسات العامة ، إذ تجلى ذلك بصدور الإرادة الملكية العام 1984 بإنشاء مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية. والمركز الذي يحمل قيم ورسالة الجامعة الأردنية والدولة الأردنية ، ومن باب العرفان والوفاء للراحل العظيم ، أنشيء "كرسي الملك الحسين للدراسات الأردنية والدولية" ، الذي حظي بمباركة ودعم جلالة الملك عبدالله الثاني .
يطمح المركز من خلال برنامج الكرسي أن يكون مشروعاً وطنياً، يوثق من خلاله الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومسيرة الراحل العظيم ، ويلقي الضوء على نهجه في القيادة الذي عزّ نظيره على مستوى العالم . وكذلك ليوثق ويساهم بقراءة أردنية لحقبة الحسين، والنموذج الأردني في بناء الدولة الأردنية الحديثة ، التي يستكمل مسيرتها وبناءها بخطىً ثابتة جلالة الملك عبدالله الثاني، من خلال رؤيته الثاقبة لدولة أردنية حديثة تقوم على الإنجاز والاعتدال والوسطية كرسالة حضارية.
أنشطة الكرسي سوف تتضمن توثيق التاريخ الشفوي والمكتوب ، وإقامة الندوات والمؤتمرات ، التي ستكون باكورتها عقد مؤتمر دولي حول السياسة الخارجية الأردنية في عهد الحسين ، وإنشاء مكتبة شاملة تضم كل الوثائق والكتب والدراسات حول الراحل الكبير والأردن في حقبة حكمه، لتكون مرجعاً لتشجيع الباحثين الأردنيين والعرب الأجانب.


أ.د موسى شتيوي / مدير مركز الدراسات الاستراتيجية