أيار 10, 2018

* سارة عبابنة

في أواخر ربيع عام 2007 سافرتُ إلى الضفة الغربية من فلسطين المحتلة للقيام بالعمل الميداني لرسالة الدكتوراه التي كتبتها عن الإسلاميات المنتميات إلى حماس. اغتنمتُ الفرصة لحضور مؤتمراتٍ واجتماعاتٍ للنساء اللاتي أعجبتني كتاباتهن حول حقوق المرأة والنوع الاجتماعي. لدى استماعي للأبحاث الأكاديمية التي قدمتها كل من الأكاديميات والناشطات في حقوق المرأة، صُدمت من العداء تجاه نساء حماس الذي شاب حديثهن حيثما كان النقاش يتطرق إلى فوز حماس في الانتخابات البرلمانية عام 2006. وكون وزيرة شؤون المرأة حينها كانت إسلامية، فقد هيمنت على الحديث عباراتٌ أكثر فجاجةً من أن نكرّرها هنا. وقالت المتحدّثاتُ أن الإسلاميات أدوات في أيدي رجال حماس. لم يكن هناك شكٌ لدى المتحدثات بأن حماس ترغب أن تقمع كل الفلسطينيات وأن ترجع المجتمع الفلسطيني «العِلماني» و«المنفتح» إلى العصور الوسطى.

هذا الحطّ من قدر الإسلاميّات والإيمان بأنّ الناشطات الإسلاميّات لسن أفرادًا قادرات على اتخاذ خياراتهن الخاصة كان على النقيض من التحليل رفيع المستوى الذي قدمته الأكاديميات والحقوقيّات في مجالات أخرى. أثارت هذه التجربة قلقي، فكيف يمكن لنسويات مهتمات بإعلاء أصوات المضطهدات أن يقمن بطمس أصوات نساء حماس إلى هذا الحد؟

في هذا المقال سوف أتفحّص العلاقة بين الحركة النسائية الفلسطينيّة وحماس؛ لأحاول وضع سياقٍ للجدل بين نساء الحركة النّسائية الفلسطينية ونظيراتهنّ الإسلاميّات، وللتفكير في كيف يمكن دراسة الإسلاميّات اللواتي لا يتبنين فكرًا نسويًا من منظور نسوي. السؤال الذي أطرحه هنا هو هل يمكن أن تقوم مجموعة غير نسوية بتمكين المرأة؟ أم أن أي مجموعة غير نسوية محكوم عليها مسبقًا بالعمل ضد المرأة؟ هل يعني كون مجموعة غير نسوية حتمًا أنها ستضطّهد المرأة؟ في هذه الورقة أود أن أدرس مجموعة غير نسوية (حماس) فيما إذا كانت تمكن النساء أم لا. سأقوم بذلك من خلال دراسة حالتين لعمل عضوات حماس. المثال الأول هو المواجهة التي حصلت بين وزيرتي حماس والحركة النسائية الفلسطينية. والمثال الثاني هو الهيكلية التي ابتكرتها طالبات الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت.

أجزم هنا أننا يمكن لنا دراسة مجموعات نسوية و
التفكير إذا كانوا يمكنون المرأة. ولكن لنفعل ذلك علينا أولًا تحليل الخطاب المهيمن بالنسبة لتمكين المرأة. وذلك لتفادي الحكم المسبق علي أي مجموعة بمجرد أنها لا توافق على الافتراضات النسوية. في حال تمكين المرأة الخطاب المهيمن هو خطاب النسويات والناشطات الفلسطينيات في فلسطين. في حالة فلسطين وضعت النّساء في الحركة النسائية الفلسطينيّة وفي المنظّمات غير الحكومية المعنيّة بحقوق المرأة تعريفهن الخاص بمفهوم تمكينَ المرأة، وكنتيجةٍ لذلك سأحاول أن أبرهن أنّنا يجب أن نبدأ بفهمٍ واضحٍ للافتراضات الأساسيّة لهؤلاء النّاشطات لتجنّب إطلاق الحكم على فكر حماس بخصوص حقوق المرأة من مجرّد استخلاص أن افتراضات الإسلاميات ليست ذاتها افتراضات الحركة النسائية الفلسطينيّة، وبأنّهن -أي الإسلاميات- لأجل ذلك لا يُمَكِّنَّ المرأة.

ثانيًا يجب النّظر في السّياق المُحدّد المُحيط بأولئك الذين يتحدّثون عن تمكين النساء، قبل اتخاذ أي قرار حول ما إذا كانت المجموعات الأخرى تُمكّن النساء أم لا. وأخيرًا، فإن الحُكم بأنّ أعمال مجموعةٍ ما تعود على النساء بالفائدة أم لا يجب أن يكون مبنيًّا على تحليلٍ لأفعال هذه المجموعة وليس مجرّد تبنّي ما يقوله أو يكتبه الآخرون عن هذه المجموعات. فعلى سبيل المثال، من المستحيلِ التّفكير بإجراء دراسةٍ للحزب الديموقراطي في الولايات المتحدة الأمريكيّة بالاستعانة ببياناتٍ مبنيّةٍ على آراء وروايات الحزب الجمهوري، إلّا إذا كانت تلك الدراسة بعنوان «الديموقراطيون بعيون الجمهوريّين».

لفهم الاستجابات «العِلمانية»[1] للحركة النسائية الفلسطينيّة تجاه إسلاميّات حماس نحتاج لأن نضع سياقًا لكلا الجانبين، ونحلّل خطاب وممارسة الإسلاميات.

يبدأ هذا المقال بمناقشة بعض الافتراضات الأساسيّة لأعضاء الحركة النسائية الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة بالإضافة إلى ذلك سيتم إعطاء نبذة عن تاريخ الحركة في فلسطين. من خلال ذلك يمكننا وضع سياقٍ للاتهامات الموجهة من الحركة النسائية الفلسطينيّة لنساء حماس وفهم الأبعادِ المتعدّدة التي أدّت إلى مُختلف المواجهات بين ناشطات حقوق المرأة والإسلاميّات.

في الجزء الذي يليه يدرس هذا المقال مثالًا لخطاب حماس تجاه المرأة وحالةً أخرى لممارسات بعض الإسلاميات. يتناول المثال الأوّل عملَ ورؤية مريم صالح وأمل صيام عندما تقلّدتا منصب وزيرة شؤون المرأة بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعيّة عام 2006. يهدف هذا المثال بأن يسلط الضوء على العلاقة المُسيّسة بين الحركة النسائية الفلسطينيّة والإسلاميّات، وأتساءل هنا ماذا يعلمنا المثال عن أنواع المعرفة «النّسوية» التي يُفترض في الغالب أنها صحيحة.

أمّا الحالة الثانية التي سأدرسها فهي بُنية الكتلة الإسلاميّة في جامعة بيرزيت كمثالٍ للفكر الإسلاميّ في الممارسة. سأستخدم هذا المثال في ما إن كان بإمكان النّماذج الإسلامية التي لا تعيد النظر بسلوكيّات النظام الأبوي بشكلٍ ناقد أن تمكّن المرأة، وماذا يعني ذلك من حيث بعض الممارسات التي تعتبرها العديد من النسويات وناشطات حقوق المرأة في العالم العربي ذات طبيعةٍ أبوية، بالأخصّ الفصل بين الجنسين.

نقد وافتراضات النسويّة الفلسطينية

إيلين كُتّاب أستاذة في دراسات المرأة في جامعة بيرزيت وتُعتبر واحدةً من الأصوات الرائدة في الحركة النسائية الفلسطينية. تنتقد كُتّاب الحركة النسائية الفلسطينية وتتعاطف إلى حدٍّ ما مع حماس[2]. على الرغم من موقفها المنفتح نسبيًّا تجاه حماس، ما زالت لديها شكوكٌ كبيرة إزاء الحركة الإسلامية من ناحية سياساتها الجندريّة. كما صاغت ذلك في حِوارنا: «جزءٌ من أجندة [حماس] السياسيّة هو حرمان المرأة من التمكين أو تمكينها بأسلوبٍ محدّد. حماس تظن أنها تمكّن النساء، ولكن حسب معاييرنا نحن فهي لا تمكن النساء. يمكن القول بأن حماس تمكن المرأة لأنّ حماس تريد للمرأة أن تكون مواطنة من عموم المواطنين. حماس تشجّع النساء على متابعة تعليمهنّ العالي. وهي تريد للمرأة أن تشارك أكثر في الحياة العامة. [ولكن] القضية هي كيف وأين. [ومسألة] «أين» تعتمدُ على الفصل بين الرجال والنساء (..) وما هي الوظائف التي تريد حماس أن تعمل فيها النساء؟ فقط الوظائف التي تُعدّ امتدادًا لأدوار المرأة الإنجابيّة كالتدريس، إلخ، وشرط ألا تخرج النساء عن هذا الإطار أبدًا. أعتقد أنّ هذه المواقف مُمَكِّنةٌ نسبيًّا في ذلك السّياق، إلا أنّها أيضًا تحرم المرأة من التمكين لأنّ حماس لا تمنح النّساء فرصًا جديدةً للاستكشاف. لنأخذ «السياسة» على سبيل المثال، تستخدم حماس النّواحي السياسية فقط لخدمة أهداف الحزب ذات الطبيعة الأبويّة، والتي تتسم بالذكوريّة إلى حدٍّ كبير. وتفعل حماس ذلك باستعمال أداة الدّين، إذ تستخدمه كوسيلةٍ لقمع المرأة. ومن ناحيةٍ أخرى تُعتبر هذه المواقف مُمَكِّنةً لأنّ حماس على الأقل تقبل بأن تنخرط النساء في الحياة العامة»[3].


سلام حمدان ناشطةٌ في مجال حقوق المرأة أجريتُ معها لقاءً عام 2007. حمدان لم ترَ أن إطار الدّين الإسلامي يحرم المرأة من التمكين بالضرورة، بل إنّ الإطار المحدّد الذي تختاره حماس هو ما يفعل ذلك. «تعرفين الآية القرآنيّة «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ» أخبرتُهنّ [الإسلاميات] أنّ هناك 380 تفسيرًا مختلفًا وأنّهن يخترنَ أكثر هذه التفسيرات محافظةً. الإسلاميّات لا يسمحنَ لكِ بالتحدّث عن الحجاب. وقفتُ وقلت: «إذًا فنحن لم نتّفق». وهنّ قلن «لدينا مبدأ وهو الكرامة». وأنا قلت: «منظوري للكرامة مختلفٌ عن منظوركنّ، فأنا أؤمن بأنّني يجب أن أحصل على المساواة في الحقوق في كلّ المجالات (..) ». قلن لي: «لا، فإعالة نفسكِ ليست من واجباتك». ثم تحدّثنا حول ما إذا كانت النساء سيصلن إلى مرحلة القوامة والولاية على أنفسهن وهنّ قلن: «لن يحصل ذلك أبدًا»[4].

بالمقارنة مع الأخريات في الحركة النسائية الفلسطينية كانت حمدان وكتّاب من الأكثر تعاطفًا مع حماس، وخلافًا للعديد من الناشطات في مجال حقوق المرأة في الضفة الغربيّة، لم ترفضا ناشطات حركة حماس على الفور، إلا أنّه كان من الواضح أن تقبلهما للآخر كان له حدوده.

هناك فرضيات تستعملها كتاب وحمدان بالحكم على حماس. على الرغم من أن طرحهما يختلف؛ إلا أنّ كِلا النّاشطتين -كتّاب وحمدان- تعتبران بأنّ النضال للعدالة بين الجنسين هو الأولوية، وأن بعض الممارسات كالفصل بين الجنسين وحصر المرأة في أدوارٍ معينة أبويةً بطبيعتها. من خلال فحص مثالين، يبيّن هذا المقال أنه في الممارسة العملية يمكن أن يتمّ تمكين العديد من النساء في مساحات مخصّصة للنساء فقط. وأنّه في الواقع، قد تعمل المساحات المختلطة على إقصاء نوعٍ معيّن من النساء، معظمهن من خلفيّات أكثر محافظةً اجتماعيًا ومهمشة اقتصاديًا. لذا فإنّ المساحات المختلطة التي فيها اختلاط بين الجنسين قد تبدو متاحةً للجميع من الناحية النظرية. ولكنها عند التطبيق العمليّ تكون مُتاحةً فقط لنساء ما يُسمّى بالأُسر «ذات التفكير المنفتح» ولا يمكن لنساء من خلفيات محافظة أن تدخلها. بالإضافة لذلك، ليست المساحات المنفصلة أبويّةً بطبيعتها، طالما أنّ المساحة المخصّصة للرجال لا تتمتّع بامتيازات تفوق مساحة النساء، فإن المفهوم على هذا النحو ليس أبويًّا.

ترى حمدان أنّ الإسلام كدين يمكن أن يمكّن النساء، شرط أن يتمّ تفسير النصوص الأساسية على منهج غير أبوي وأن يتمّ تفكيك القراءات والتفسيرات الذكورية على غرار أعمال الفقهاء الإصلاحيين، مثل الباحثتين الباكستانيتين رفعت حسن (1990) وأسماء برلاس (2002) والباحثة الأمريكية أمينة ودود (1999) على سبيل المثال لا الحصر. وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو إن كان بإمكان الحركات التي تعمل وفقًا لتفاسير إسلامية مهيمنة ذكورية أن تمكّن النساء. بمعنى آخر، هل تستطيع منظّمات مثل حماس أن تمكّن المرأة حتى من دون نقد تفسيرات إسلامية أبوية؟ يعتزم هذا المقال الإجابة على هذه الأسئلة.

تحوّلت العلاقة بين الحركة النسائية الفلسطينيّة وناشطات حماس من تجاهلٍ متبادل إلى صدامٍ مفتوح عندما عُينت الإسلامية مريم صالح وزيرةً لشؤون المرأة بعد فوز حماس في الانتخابات البرلمانية عام 2006. يبحث القسم التالي هذه الأزمة لتسليط الضوء على العِداء بين الحركة النسائية ونساء حماس. إضافة إلى ذلك، سيُبرِز النقاش الرفض القَبليّ من الحركة النسائية للتعامل مع نساء حماس بأي شكل من الأشكال. كما هو الحال في كتابات أعضائها، أصدرت الحركة النسائية الفلسطينيّة سلفًا الحكم بإدانة حماس ونسائها. لم تتمكن المحاولات اللاحقة التي قامت بها نساء حماس للتواصل ولا الممارسة التي تبنّتها الوزيرتان الإسلاميتان من جعل الحركة النسائية تعيد تقييمها للإسلاميّين وحُكمها عليهم. هذا مثالٌ واحدٌ فقط على ما أصبح أمرًا طبيعيًّا في الكتابة الأكاديمية حول النوع الاجتماعي والفكر الإسلامي في فلسطين، ألا وهو أنه عندما يتعلق الأمر بالنساء والفكر الإسلامي هناك حُكمٌ سلبيٌّ مُسبقٌ لا أساس له من الصحة أكاديميًّا بشأن تمكين المرأة من خلال إطارٍ إسلامي. ويجب التنويه على أن هذا الحكم المسبق يعتبر غير مقبول في أي تقييم أكاديمي آخر.

وزارة شؤون المرأة الفلسطينية

أُسِّست وزارة شؤون المرأة في تشرين الثاني عام 2003 وعُيِّنت زهيرة كمال -الناشطة السابقة في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين- كأول وزيرةٍ لها. ظلّت كمال وزيرةً حتى انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 حيث تم تعيين د. مريم صالح مكانها. في الخامس عشر من شهر آذار 2007، حلّت أمل صيام محل صالح «كمرشّحةٍ مستقلّةٍ» في حكومة الوحدة الوطنية الجديدة. على الرغم من أن صيام زعمت أنها غير تابعةٍ لحماس، فقد اعتبرها الكثيرون واحدةً من الإسلاميّين. حلّت خلود دعيبس – كمرشّحة مستقلّة – محلّ صيام عندما أقدم محمود عباس على حلِّ حكومة الوحدة يوم 15 حزيران 2007 .

عملت هند[5] في منظمةٍ غير حكومية لتعزيز الإصلاح القانوني والمساواة بين الجنسين. عندما قابلتها، أخبرتني كم كانت غاضبةً لأنّ «إسلاميّةً» تبوأت منصب وزيرة شؤون المرأة: «رأينا امرأةً لم يسبق لها أن عملت في قضايا المرأة، ولذلك لم تكن تعرف كيف تتعامل مع هذا المنصب. لقد جاؤوا بامرأةٍ لتشغل الوظيفة، ولكنّها لم تكن امرأةً تؤمن بأهمية قضايا النساء».
وعمل مارسيل في وزارة شؤون المرأة تحت إدارة كافة الوزيرات الأربع، ولخّص الأحداث على النحو الآتي: «عندما تغيّرت الحكومة، كانت جميع المنظمات غير الحكومية ضدّ الحكومة الجديدة. أصدرت هذه المنظمات حكمًا مسبقًا بأنّ حماس تقمع النساء، وقالوا إنهم لا يستطيعون العمل مع الإسلاميين في قضايا المرأة».

عندما تولّت أمل صيام مسؤولياتها وزيرة لشؤون المرأة، واجهت معارضة كبيرةً من الموظفين: «لم يتعاونوا معي. في الأشهر الثلاثة لم أستطع توظيف مديرة مكتب أو حتى مرافقة، كان بإمكاننا المصادقة على العديد من القوانين، لكنّ الموظّفين داخل الوزارة لم يتعاونوا معي. كان هناك مخطّطٌ لعدم العمل معي».

وقبل صيام، واجهت مريم صالح رد فعلٍ مماثل: «بعد شهر من تقلّدي المنصب، دعوتُ كلّ المنظمات النسائية من جميع الفصائل المختلفة للمجيء لاجتماع، الاتحاد العام قاطع هذا الاجتماع. (..) كانت لديّ رغبةٌ كبيرةٌ بإيقاف التهميش الذي عانيتُ منه بنفسي، كانوا يعتبروننا نساءً متخلفاتٍ جاهلاتٍ سيعدن بالنساء إلى العصر الحجريّ».

لكي نفهم رفض الحركة النسائية الفلسطينيّة لنساء حماس، من الضروريّ أن نفهم تاريخ هذه الحركة. سيوضح القسم التالي، إن العلاقة العدائيّة بين الحراكين لم تكن مجرّد نتيجةٍ للاختلافات الأيديولوجية حول السياسات الجندريّة وتمكين المرأة، بل لعبت الفئويّة السياسيّة والحراكُ السياسي القائم على أساس الموقف الطبقي دورًا رئيسيًّا في خلق هذه العلاقة.

الحركة النسائية الفلسطينية: ملاحظات تاريخية وسياقية

النساء الفلسطينيّات ناشطات سياسيًّا منذ عام 1917 حين احتشدن جنبًا إلى جنب مع رجال بلدهن ضد وعد بلفور[6]. في عام 1921، تأسست أول منظمة للنساء حصريًّا –ألا وهي الاتحاد النسائي الفلسطيني-[7]. وحضر 200 مندوبة فلسطينيٌّة مؤتمرَ النّساء الفلسطينيّات العربيّات عام 1929[8]. بقيت بعض فروع الاتحاد النسائي العربي الفلسطيني نشطة، ولكن نكبة 1948 وخسارة معظم أراضي فلسطين أدّت إلى مرور فترةٍ توقف فيها العمل بشكلٍ شبه كامل. استمرّ هذا الجمود حتى تأسيس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية عام 1965[9]. تمّ تأسيس الاتحاد جنبًا إلى جنب مع جمعيّة المرأة الفلسطينية كجزءٍ من إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية.

حدث التغيير الجذريّ الثاني في الحركة النسائية في أواخر السبعينات عبر إنشاء اللجان النسائية، والتي زعم العديدون أنها تشكّل العمود الفقري لما يُعرف الآن باسم الحركة النسائية الفلسطينية الجديدة. في يوم المرأة في عام 1978، تم تأسيس لجنة عمل المرأة على يد جيلٍ جديدٍ من النساء «الحاصلات على مؤهلات جامعية والمثقفات سياسيًا والتقدميّات اجتماعيًا».[10] 


قبل البدء بالعمل، قررت ناشطات لجنة عمل المرأة تقييم احتياجاتِ النساء اللاتي يعتزمن العمل معهنّ. وعند إجراء مسحٍ وإنشاء علاقاتٍ مع النساء اللواتي يهدفن إلى تمكينهن، «دُهشت نساء لجنة عمل المرأة لدى اكتشاف فئةٍ تقع خارج نطاق خبرتهنّ».[11] كانت خلفيّات ناشطات لجنة عمل المرأة تنحصر في الطبقتين العليا والوسطى، ولذا فإن قلّةً قليلةً منهنّ كانت على درايةٍ بحياة النّساء في مخيمات اللاجئين واللاتي كنّ «أميّاتٍ وفقيراتٍ وغير واعياتٍ بحقوقهنّ القانونية، يتّكلن اقتصاديًّا على الرجال ويعملن فوق طاقتهنّ».[12] وتكتب سيمونا شاروني أن: «هذا الوعي الجديد لدى الناشطات الفلسطينيات من الطبقة الوسطى والتركيز على المشاريع التي تبدأ من القواعد الشعبية وتنظيمها كان له أثرٌ كبيرٌ على تطوّر لجنة عمل المرأة ولاحقًا على الحركة النسائية بأكملها».[13] 

أدّى هذا الوعي إلى نقاشاتٍ حول العلاقة بين الجندر وأشكال التمييز الأخرى بالذات التمييز الطبقي. وعلى الرغم من السعي إلى «الوصول إلى مزيد من النساء العاديات» [14]إلا أنّ الوعي بامتيازاتهنّ الطبقية لم يدفع بالنساء في لجنة عمل المرأة إلى العمل بقوّة لتوسيع العضوية بحيث تشمل النساء من الطبقات الاجتماعية-الاقتصادية المهمشة.[15] 

 نتيجة للولاءات الحزبية بين أعضاء لجنة عمل المرأة انبثقت مجموعاتٌ مختلفة عن لجنة عمل المرأة. ولأن لجنة عمل المرأة أصبحت على صلةٍ أكبر بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أنشأت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اتحاد لجان المرأة الفلسطينية. أسّست المجموعة الموالية لفتح «لجنة المرأة للعمل الاجتماعي» في حين أسّس الأعضاء الأكثر تأييدًا للشيوعية «لجنة اتحاد النساء العاملات» [16]. وعلى الرغم من هذا الشرخ على طول الخطوط الحزبية، واصلت اللّجان النسائية العمل معًا وتجنّبت الخصومات ونفّذت مشاريعَ عدة مشتركة خلال الثمانينيات[17].

أدّى اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 إلى تغيير في بُنية الحركة النسائية[18]. فقد انضمّت النساء الفلسطينيات اللاتي شاركن مسبقًا في برامج محو الأمية التي قدمتها لهن الحركة النسائية رسميًا إلى صفوف الحركة[19]. وهذا أدى إلى تغير في البنية الاجتماعية والطبقية للحركة النسائية.

بعد اتفاقية أوسلو للسلام عام 1993 حدث تحول جديد في طبيعة الحركة النسائية، إذ تحولت العديد من المنظمات النّسائية الشعبية الناجحة إلى منظماتٍ غير حكومية. وترى إصلاح جاد بأنّ ما تسمّيه هي «أنجزةْ الحركة النسائية (NGOization)» لم تمكّن النساء.

«يشير مصطلح الأنجزة إلى العملية التي يتم من خلالها تحويل القضايا ذات الاهتمام الجماعيّ (الشعبي) إلى «مشاريع» بمعزلٍ عن السياق العام الذي تُنفّذ فيه ودون مراعاة العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تؤثر على هذه المشاريع، كما أنها تشير إلى تحوّلٍ في نشاط المرأة من الطوعيّة إلى الاعتماد على التمويل الأجنبي؛ وتحوّلٍ في الموظفين الذين يتعاملون مع تمكين المرأة، إذ تُستبدل الكوادر الشعبيّة من أبناء الريف واللاجئين بنخب حَضَرية من مهنيّي الطبقة الوسطى»[20].

وهكذا تقول جاد أن الحركة النسائية قد تحوّلت من حركة كانت منخرطة في المقاومة السياسيّة إلى منظمات غير ربحية تقوم من خلال «الأنجزة» على بناء الدولة (غير الموجودة أصلا!). لقد تم تحويل الطوعيّة والمقاومة السياسية إلى عملٍ مدفوع الأجر وهذا ينزع الطابع السياسي عن العمل النسوي. وفي هذه العملية تعرّضت العضوات السابقات في الحركة النسائية لضغوطات متزايدة لمجاراة واستيعاب تفضيلات الدول المانحة.[21] 

النقاش المطوّل حول الحركة النسائيّة ضروريّ لنحدّد سياسيًّا موقع أصوات أولئك الذين عرّفوا تمكين المرأة وكتبوا عنه في فلسطين على مدى الثلاثين سنةً الماضية. ولنعرف من اللاتي أصبحت رواياتهن مرادفًا للحقيقة حول تمكين المرأة الفلسطينية. تختلف معظم الكاتبات اختلافًا جوهريًا حول معظم القضايا النسائية، ولكن حين يتعلّق الأمر بعلاقة حماس بالنساء، فإنهن يُجمِعن على أنّ حماس تضطهد النساء (باستثناء قلة من الأكاديميات منهن إصلاح جاد). غير أنّ ما يُغفَل ذكره هنا هو الخلفيّات السياسيّة والطبقيّة للمتحدثات.

من المهم الإشارة إلى الخلفية الحزبية للجان المرأة. وبالذات إلى صلة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية واللجان بمنظمة التحرير الفلسطينية لفهم الشكوك العميقة التي ساورت أعضاء الحركة النسائية الفلسطينية الجديدة تجاه حماس. على الرغم من أنّ العلاقة متباينة، إلا أنه خلال صيف 2007 أصبحت العلاقة بين حماس ومعظم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية عدائيةً ومسيّسةً للغاية.

بالإضافة لذلك، هناك فروق طبقيّة بين أعضاء الحركة النسائية وحماس، إذ تأتي النساء في الحركة النسائية الفلسطينية غالبًا من خلفيّات الطبقة الوسطى العليا وهن من سكان المدن، وعلى النقيض من ذلك، فإن الكثير من نساء حماس هن من اللاجئات ومن سكان القرى[22]. بالرغم من أن النساء في حركة حماس والحركة النسائية الفلسطينية على نفس المستوى التعليميّ في أغلب الأحيان[23]، فقد تابعت العديد من النساء في حماس دراستهن لنيل شهادة الدكتوراه، إلّا أنّ الجامعات التي التحقت بها ناشطات حماس ورسوم هذه الجامعات كانا يختلفان بشكلٍ كبير. وهذا الاختلاف في نوع وتكلفة التعليم لعب دورًا مهمًّا في تحديد أنواع الوظائف المتاحة للنساء عند التخرج. مثلًا، حقيقة أن معظم النساء الإسلاميات لاجئات يتلقين تعليمهنّ في غزة أو في جامعات عربية يحدّ من فرص توظيفهنّ في قطاع المنظمات غير الحكومية، وهو مجالٌ غالبًا ما تعمل فيه نساء الطبقتين الوسطى والعليا. هذا القطاع الذي يُعدّ أحد المصادر الرئيسيّة لتوظيف المرأة، يتطلّب إجادة اللغة الإنجليزية بطلاقة. ولذا، وعلى الرغم من تمتُّع معظم الإسلاميّات بمستوى تعليمي عالٍ، إلا أن عدم طلاقتهنّ باللغة الإنجليزية، إضافة إلى وجود اختلافٍ اجتماعيّ واقتصاديّ بينهنّ وبين نساء الحركة النسائية يعني أن مجال عمل هاتين الفئتين غالبًا لا يتداخل[24].

رؤيةٌ جديدة؟

إذًا ما الذي حقّقتهُ صالح وصيام عندما كانتا وزيرتيْن لشؤون المرأة؟ قبل الإجابة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن فترة تولّي هاتين الوزيرتين للمنصب قد امتدّت لعامٍ وثلاثة أشهر فقط (إذا جمعنا الفترتين معًا). خلال هذا الوقت، يمكن تصنيف خطاب الوزيرتين الإسلاميّتين كالآتي:

أولًا، ارتأت الوزيرتان أنّ الإسلام يجب أن يكون مصدر المبادئ التوجيهية الأساسيّة بدلًا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. على الرغم من أن الإدارة الإسلامية الجديدة لوزارة شؤون المرأة قالت إنها تقدّر الجهود التي بذلتها الإدارة السابقة إلا أنّ أعضاءها أرادوا تعديل الإطار الأساسي الذي يستند إليه بيان رسالة الوزارة ليصبح متوافقًا مع تعاليم الإسلام. لم توضح صيام ماذا تعني بالإسلام كمرجعية وماذا يعني هذا بالتفصيل بالنسبة لقضايا النساء.

ثانيًا، حاولت صالح توسيع سلطات الوزارة، إذ ارتأت أنّ التغيير القانوني مهمّ، إلا أنها رأت أن عمل الوزارة السابق لم يعالج المشكلة الرئيسيّة التي تواجه المرأة الفلسطينية، ألا وهي الاحتلال. بعد أن أصبحت وزيرة، حاولت صالح أن تبرهن أنّ مقاومة الاحتلال يجب أن تكون أهمّ أولويّات وزارة شؤون المرأة. وبينما اتفق الكثيرون في الحركة النسائية مع هذا الرأي، إلا أنهم كانوا يؤمنون أيضًا أن الكفاح من أجل تحرير فلسطين يجب أن يقترن بالنضال من أجل العدالة في قضايا النوع الاجتماعي. وكأن كلا الخطابين يفترضان بذلك تعارضًا بين النضال من أجل التحرر الوطني والنضال من أجل تحرير المرأة، وكأن الحركة النسائية الفلسطينية نسيت أنها قد كانت أول من نظّر حول ضرورة التلازم بين النضال من أجل التحرر الوطني وتحرير المرأة في آن واحد.

ثالثًا، سيّست صالح قضية حقوق المرأة بحجّة أنّ النساء الفلسطينيات يجب أن يُنظر إليهنّ كسجينات ومقاتلات وزوجات شهداء، وما إلى ذلك. وفقًا لمارسيل، فإن الوزارة (تحت إدارة فتح): «لم تتعامل فعليًّا مع القضايا المرتبطة بشكلٍ مباشر بفكرة النّساء تحت الاحتلال. كما أنها لم تعمل على القضايا التنفيذية، بل كان تركيزها الأساسي هو تغيير القوانين الموجودة».[25] وبعد ذلك خلال فترة عملها الميداني، قامت صيام بجولةٍ في المدن الفلسطينية الرئيسية في الضفة الغربية والتقت بأهالي السجينات، «وهي قضية كانت معظم المنظمات النسائية القوميّة والعِلمانية قد نسيتها»[26]. نظّمت صيام مهرجانات لأقارب السجينات اللاتي تم تكريمهنّ لتضحياتهنّ من أجل فلسطين، والتقت أيضًا مع النساء وناقشت مشاكلهنّ معهنّ. وبذلك، واجهت صالح وصيام ما اعتبرتاه سياساتٍ نخبوية للإدارة السابقة.

رابعًا، حاولت صالح وصيام تغيير سلطات الوزارة لتتحوّل من وزارة تستقبل الخبيرات والخبراء إلى وزارة مفتوحة لعموم النساء. كانت هذه محاولة لعكس «الأنجزة» -على حدّ تعبير جاد- والتي كانت قد هيمنت على الحياة السياسيّة بعد عملية أوسلو «للسلام». بدأت الوزيرتان بزيارة النساء في جميع أنحاء الضفة الغربية بدلًا من استقبال «الخبيرات» في مبنى الوزارة. لتمكين الإصلاح القانوني، كانت الوزارة قد ركزت في السابق على تنظيم ورش عمل مع خبراء وخبيرات في مجال حقوق المرأة. لم يكن الإسلاميون وحدهم من انتقدوا نخبويّة وزارة شؤون المرأة السابقة، بل إنّ أصواتًا مهمّةً داخل الحركة طرحت الحجج ذاتها أيضًا. ترى إيلين كتّاب، والتي سبق التعرف عليها، ما يلي: «لم تكن وزارة شؤون المرأة وحدها، بل كانت جميع [جهود حقوق المرأة] تستهدف النخبة. (..) لا أعتقد أنّ الحركة العِلمانية عادت بنتائج حقيقيّةٍ على النساء بشكلٍ عام لأنها لا تتعامل مع القضايا ذات الأولوية، أيّ قضايا المرأة التي تمثل قضايا الأغلبية، وهذه أيديولوجيةٌ طبقيّة. (…) أتعاطفُ حقًا مع الحركة الإسلامية التي تستهدف الفقراء، فهم يستهدفون غالبيّة النساء، ويستهدفون القضايا الحقيقية. ليس لدينا دولة، لِمَ يجدر بنا إذًا التحدّث عن التشريع؟».[27]

تشير جاد إلى البُعد الاقتصادي للشرخ بين النشطاء الفلسطينيين الإسلاميين والعلمانيين. «إن الخطاب الشمولي الذي تستخدمه النساء في المنظمات غير الحكومية هو شيءٌ دخيل، لا لأنّه «غربي» بل لأنّه لم يتم تأسيسه على أساس معرفة دقيقة بأوضاع المرأة التي تدّعي هذه المنظمات أنّها تمثلها».[28] وهكذا كانت الحجّة القائمة هي أن الوزارة الجديدة يجب أن تصل إلى أولئك الذين أهملتهم الوزارة السابقة. أعربت صالح عن اعتقادها بأن وزارة شؤون المرأة يجب أن تبني سلطاتها على نسخةٍ أكثر واقعيةً لـ«المرأة الفلسطينيّة»: «امرأةٌ تعيش في ظل الاحتلال وتنبع معظم مشاكلها الملحّة منه». وقالت صالح إنّ معظم النساء الفلسطينيات لم يشعرن بأنّ وزارة شؤون المرأة تمثّلهن، وهي ملاحظةٌ أكّدها عددٌ من الكتاب في السنوات الأخيرة[29].

«قلتُ إنّنا يجب ألا نعمل فقط مع النساء العاملات، فهناك الكثير من النساء اللاتي لا يعملن في الحكومة أو في الشركات (…) كيف يمكننا مساعدة هؤلاء النساء، كالنساء في مخيمات اللاجئين وزوجات السجناء؟ الآن هناك 12000 سجين. حتى لو افترضنا أنّهم جميعًا غير متزوجين، فإننا نتحدث عن 12000 أمّ، وكم منهم متزوج؟ كم منهم لديه بنات؟ إذًا فهذا قطاعٌ كبير. لدينا العديد ممّن أصيبوا بإعاقاتٍ جراء الانتفاضة الأولى. من يعتني بهم؟ ألسن النساء؟ ماذا عن الشهداء؟ أين زوجاتهم؟».[30]

وبعبارةٍ أخرى، فإن الإدارة السابقة رأت النّساء فقط بصفتهنّ أفرادًا وذلك بسبب نظرتها الليبرالية للمرأة، ما أدّى بها إلى إغفال المشاكل التي تواجهُها النساء الفلسطينيّات نتيجةً لعلاقاتهن بأطفالهنّ وأشقائهنّ وأولياء أمورهنّ وأزواجهنّ: كأمّهات وبنات وأخوات وزوجات. أدى إغفال التعامل مع هذه المشاكل -برأي صالح- إلى تجاهل بعض المشاكل الأساسيّة التي تواجه المرأة في فلسطين. أبرزت النّسويات المشكلة في رؤية المرأة فقط من حيث علاقتها بالرجل. وهذا المثال يلفت انتباهنا إلى حقيقة أن رؤية النساء فقط كأفراد قد تنطوي أيضًا على نفس القدر من الإشكال[31]. إذ أن من المهم الإشارة إلى أنه بقدر ما هو ضروري أن نفهم النساء كأفراد فإنه من المهم أيضًا أن نستوعب أن النساء كالرجال كائنات لها علاقاتها، وتعرّف نفسها أيضا بهذه العلاقات.

والآن دعنا نجيب عن التساؤل فيما إذا كانت فقط النماذج الإسلامية التي تنتقد سلوكيات أبوية هي التي تمكن النساء. البحث سيقوم بدراسة الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت وعلى وجه الخصوص، سأبحثُ في مسألة ما إن كانت ممارسة الفصل بين الجنسين هي «حتمًا» تضطهد النساء.

الكتلة الطلابية الإسلامية في جامعة بيرزيت

أسست مجموعة الطلبة الإسلاميّة، والمنتمية لحركة حماس، ما يسمى بالكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت، وهي واحدةٌ من أكبر الجامعات في فلسطين وتقع في قرية بيرزيت بالقرب من رام الله. تأسّست الكتلة الإسلامية عام 1978 على يد مجموعةٍ صغيرةٍ من الرجال والنساء الذين وجدوا صدى لأفكارهم في جماعة الإخوان المسلمين أكثر من الأحزاب اليسارية التي كانت مهيمنة آنذاك. في عام 1979، كانت الكتلة الإسلامية تتألف من عدد قليل من الطلاب الذين نسقوا أعمالهم بطريقة غير رسمية. ولكن بحلول صيف عام 2007 (بعد حوالي 30 عامًا من تأسيس الكتلة) أصبحت الكتلة الإسلامية واحدةً من أقوى المجموعات الطلابية وأفضلها تنظيمًا في الحرم الجامعي. والأهم من ذلك لغايات هذا المقال، هو أن الكتلة الإسلامية كانت تتكون من ذراعين متساويين آنذاك، أحدهما للطالبات والآخر للطلاب.

كانت هناك حوالي 100عضوة و100 عضو ناشطين ينظّمون الأنشطة على مدار العام. هؤلاء الطلبة يشكّلون ما يسمى قاعدة الكتلة الإسلامية. تنتخب الكتلة 23 طالبةً و23 طالبًا لمجلس الشورى (الهيئة الإدارية) في انتخابات منفصلة للطالبات والطلاب، حيث يمكن ترشيح اسم أي شخص من قبل أي عضوٍ في القاعدة عن طريق ترشيحات سرية. تعمل «الأخوات» على الترويج لانتخاباتهنّ، إلا أن «الأخوة» يمتنعون عن ذلك لأسباب أمنية[32] [33]. وبشكلٍ منفصل، يصوّت الـ23 طالبة والـ23 طالبًا لانتخاب اللجنة، والتي تتكون من 5 أخوات و 5 أخوة. وأخيرًا، من هؤلاء الإخوة الخمسة والأخوات الخمس، يتمّ اختيار القادة الذين يُطلق عليهم مسمّى الأمير والأميرة. كان الأساس المنطقي وراء وجود هاتين البُنيتين المنفصلتين تمامًا هو الإيمان بأن الاختلاط بين الجنسين حرام.

بالتالي كانت الكتلة الإسلاميّة تتكون من بُنيتين متساويتين، إحداهما للطالبات والأخرى للطلاب. البُنيتان متطابقتان والأمير والأميرة متساويان في المنصب. وبخلاف لجنة المرأة في جبهة العمل الإسلامي في الأردن مثلًا، لا يقع القسم النسائي في الكتلة الإسلامية في بيرزيت تحت إدارة قسم الذكور، ولا يُعدّ جزءًا منه، بل هو كيانٌ مساوٍ. ويتمّ التنسيق بين قسمي الذكور والإناث، بين الأمير والأميرة.[34]

في السنة الدراسية 2005/2006، فازت الكتلة الإسلامية بانتخابات مجلس الطلبة، حيث حصلت على سبعة مقاعد. من هذه المقاعد السبعة، تم منح مقعدين للإسلاميات وخمسة مقاعد للإسلاميين.[35] كانت كتلة اليسار المنظمةَ الطلابية الوحيدة الأخرى التي كان لها تمثيلٌ نسائي في مجلس الطلبة، وكانت هناك طالبتان من بين الممثلين. جميع الطلاب الآخرين تم تمثيلهم فقط من قبل الطلاب الذكور[36].

إنّ مثال الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت لا يناقض فقط الاعتقاد السّائد بأن النساء في أحسن الأحوال مهمّشات وفي أسوأ الأحوال غائباتٌ تمامًا في الأحزاب السياسية الإسلامية، بل هو أيضًا مثالٌ على بنية حسّاسة للنوع الاجتماعي وتتحلّى بالمساواة قلّما وجدنا ما يضاهيها في جميع أنحاء العالم. كما يعارض هذا المثال الاعتقاد بأن الفصل بين الجنسين بالضرورة يحرم النساء من التمكين والمساواة.


في التطبيق العملي، غالبًا ما يعني الفصل بين الجنسين أن يحظى الرجال بحق استخدام المساحات العامة، وأن تُمنع النساء من استخدامها (بكلماتٍ أخرى، وجود مساحاتٍ منفصلةٍ ولكنّها غير متساوية، وهنا يرى العديد من المعارضين أنّ هذا هو دائمًا الحال عند الفصل بين الجنسين). يُعارض مثال مجموعة بيرزيت الطلابية الإسلامية ما أصبح الآن مقولةً تقليدية لدى معظم النسويات والنشطاء المدنيّين، وعلى الأخص في الولايات المتحدة. أيّ أن الفصل يعني بالضرورة اللامساواة. وتبنّت العديد من ناشطات حقوق المرأة في العالم العربي الاعتقاد بأن المساحات المنفصلة للجنسين غير متساوية بطبيعتها. إن مسألة ما إن كانت المساحات المنفصلة للجنسين قامعةً للمرأة بطبيعتها أم لا مرتبطٌ بالسؤال الأكبر حول ما إذا كان بوسعنا أن نحكم مسبقًا بأن ممارساتٍ معينة تحرم المرأة من التمكين وتضطهدها.

لنأخذ المثال التالي، أحدُ المشاريع التي عمل عليها الذراع النسائي في الكتلة الإسلامية كان استئجارَ مبنى سكني في عام 2006، واستخدامه كسكنٍ للطالبات. ولأن السكن كان تحت إدارة وإشراف الطالبات الإسلاميات، فإن آباء الطالبات اللاتي كن يعشن في مناطق بعيدة كانوا أكثر استعدادًا للسماح لبناتهن بالعيش في الحرم الجامعي[37]، مما مكّن بعض الطالبات من الالتحاق بالجامعة.[38] أخبرتني ريم ،إحدى الناشطات وأميرة سابقة للكتلة، أن العديد من الآباء كانوا سيرفضون السماح لبناتهم بالدراسة في جامعة بيرزيت لولا التطمينات التي قدمتها طالبات الكتلة الإسلامية للأهالي عند زيارتهم لهنّ. كان العامل الحاسم في السماح للطالبات بالدراسة هو معرفة الأهالي بأن هناك مساحات مخصصة للنساء فقط في جامعة بيرزيت.[39]

أكّدت العديد من الطالبات اللواتي التقيتُ بهن أنهن لم يكنّ ليستطعن معالجة المشاكل التي تواجه النساء تحديدًا لو أنهنّ كنّ جزءًا من مجموعة مختلطة من الجنسين.[40] في المجموعات المختلطة من الجنسين، غالبًا ما تستحوذ القضايا التي تُعتبر «محايدةً من ناحية الجندر» على الأسبقيّة على حساب «قضايا المرأة» والتي يُعتقد أنّها ثانويةٌ لنضال التحرير الوطني.[41] وحتى من دون تقديم حجة نسويّةٍ بقول إن قضايا المرأة ترتبط بطبيعتها بالتحرير الوطني بحكم الواقع، فقد تمكّنت الطالبات الإسلاميات في جامعة بيرزيت من التركيز على قضايا المرأة بشكل حصريّ بفضل تخصيصهن مساحاتٍ تفصل بين الجنسين.

في العديد من البلدان، يُنبئ الفصل بين الجنسين حقًا عن اللامساواة في الانفصال، ولكن بالنسبة للمجموعة الطلابية في بيرزيت، فإن الإيمان بالفصل بين الجنسين لم يؤدِّ إلى نموذجٍ يضرّ بالمرأة ويجعلها تتحمّل عبء هذا الفصل. على العكس من ذلك، فعلى مدى السنوات الـ(28) الماضية، طوّرت الطالبات بُنيةً أقمن فيها مساحاتٍ متساوية. وهذا يدل على أن الفكر الإسلامي بشكل عام، والإيمان بالفصل بين الجنسين بشكل خاص، لا يؤدّيان بالضرورة إلى حرمان النساء من بعض الحريات.

الخلاصة

بدأ هذا المقال بطرح سؤالٍ حول ما إذا كانت المجموعات اللانسويّة تستطيع تمكين النساء. يظهر المثالان اللذان تمت دراستهما أنّه على الرّغم من عدم العمل مباشرةً على تمكين المرأة، وحتى مع الاحتفاظ بمفاهيم التسلسل الهرمي للجندر، لا يسعُنا القولُ إنّ عمل المجموعة الطلابيّة في بيرزيت أو عمل الوزيرتين الإسلاميتين كانا ضد مصالح المرأة. وبالإضافة لذلك، فإنّ العديد من الخلافات بين الحركة النسائية الفلسطينية وناشطات حماس لا علاقة لها بقضايا الجندر أو النساء.

لم تتولَّ مريم صالح ولا أمل صيام منصب الوزارة لفترةٍ كافية تمكّننا من تقييم ما قد تبدو عليه وزارة شؤون المرأة في ظلّ قيادة «إسلامية» أو ما إذا كانت سياساتهما تمكّن المرأة الفلسطينية أم لا. ومع ذلك، فإن هذه الحالة ترتبط بالعديد من القضايا الهامة. أولًا، هي تُبرز رهبة أولئك المنخرطين في الحركة النسائية الفلسطينية من «الإطار الإسلامي». ويؤكد هذا على رأي صبا محمود بشأن حركة التديّن في مصر إذ تقول «إن عمق انزعاج الليبراليين والراديكاليين والتقدميين جراء الطابع التديّني لهذه الحركة غير عادي».[42]

وتكشف ردة فعل الحركة النسائية الفلسطينية الافتراضات التي تتشاركها معظم النّسويات، بالأخصّ أن نيل حقوق المرأة لا يمكن أن ينبع إلا من أيديولوجيةٍ عِلمانيّة، وأنّ الأطر المستمدّة من الدين ستضطهد النساء دائمًا.

من ناحية، يمكن القولُ إن تولي د. مريم صالح منصب الوزيرة هو في حد ذاته مثالٌ على امرأةٍ تستعيد مساحة صنع القرار، كونها امرأة متدينة نشأت في مخيم للاجئين، وهذا ما تسعى الحركة النسائية إلى تحقيقه. ولكنّ الفرق الطبقي، يتبعه مستوى التغريب (Westernization) والمنظور المختلف للعالم، يجعل الحركة النسائية تعتبر الرؤية التي تمثلها نسوةٌ مثل مريم صالح خصمًا لنضالها.

إلا أنّ القضية تتجاوز شخص مريم صالح، إذ أنها صراع حول مسألة أي نهج سياسي هو الأفضل. لقد وضع النهج الإسلامي[43] الذي اتبعته صالح وصيام الافتراضات الأساسية للحركة النسائية محل الاختبار. لقد أعطى هذا النهج الأولويّة لمحاربة الاحتلال على حساب معالجة المشاكل الاجتماعية التي تواجهها النساء الفلسطينيات. كما استعان هذا النهج بالإسلام كأداة إرشاد عوضًا عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

أرادت صالح وصيام تغيير سلطات الوزارة التشريعية إلى وزارة تعمل على حل المشاكل التي تواجهها النساء الفلسطينيات نتيجة للعيش في ظل الاحتلال. بالإضافة لذلك، ارتأت الوزيرتان أن النظر للنساء كأفراد فقط يمنعنا من إدراك العديد من المشاكل التي تواجهها النساء كأمهاتٍ وأخواتٍ وزوجاتٍ وبنات. وبدلًا من تنظيم ورش عمل لنشطاء حقوق المرأة، التقت الوزيرتان الإسلاميتان مع النساء الفلسطينيات العاديات (غير الخبيرات) في جميع أنحاء الضفة الغربية. وهكذا لم تكن الخلافات متعلّقةً بتمكين المرأة بقدر تعلّقها بنوع السياسة التي تشارك فيها الأطراف: الإصلاح القانوني وبناء الدولة أم التعامل مع المشاكل الناجمة عن الاحتلال؟

إن ما يُصوَّر على أنّه صراعٌ حول حقوق المرأة هو صراع بين الطبقات والفصائل السياسية. حاول كلٌّ من الطرفين فرض نظرته باعتبارها الشكل الشرعي والموضوعي الوحيد لتمكين المرأة. وفي حين أنّ كلا الطرفين مذنبان، فإن الحركة النسائية تتمتع بمزيّة امتلاك الخطاب المهيمن في المجال الدولي في صفّها، بالإضافة إلى امتيازات الوضع الاجتماعي. من ناحيةٍ أخرى، حظيت الإسلاميات بدعم قوة «خطاب الإسلام المهيمن» بالإضافة إلى اعتبارهنّ «أكثر تمثيلًا» للمرأة الفلسطينية «الحقيقية».

من الصعب تحديدُ أيّ رؤيةٍ تمكّن المرأة الفلسطينية أكثر. ومع ذلك، فإن التركيز على النساء في ظل الاحتلال، وكذلك على المرأة من منظور علاقتها بالرجل، ساعد صيام وصالح على توسيع نطاق سلطات الوزارة. كما مكنهما من الوصول إلى عددٍ أكبر من النّساء والاستماع مباشرةً إلى مختلف المشاكل التي تواجهها النساء في جميع أنحاء الضفة الغربية. بالتالي يكفي أن نقول يقينًا إن أعمالهما لم تشكل تهديدًا لرفاه النساء الفلسطينيات.

أمّا في حالة الكتلة الإسلامية، فلم تعمل الطالبات على دحض فكرة فصل الجنسين أو إعادة تفسيرها لصالح نسخةٍ لا تحظر اختلاط الجنسين. على الرغم من عدم طرح الطالبات تفسيرًا جذريًّا بديلًا لما يعتبره الكثيرون بمثابة قراءةٍ أبويةٍ للإسلام، فإن تمسكهن بفكرة الفصل لم يؤدِّ إلى حرمان الطالبات من أي امتيازات، بل وعلى العكس، فقد ساعد ذلك الطالبات الآتيات من خلفياتٍ ريفية ومحافظة، إذ أتاح وجود مساحة منفصلة للجنسين للطالبات أن ينشطن سياسيًا دون المساس بسمعتهن أو عصيان آبائهنّ. فعليًا، مكّن الفصل بين الجنسين العديد من الطالبات من السكن في الحرم الجامعي.

يحثّنا هذا المثال على الامتناع عن الإدلاء بتعميماتٍ حول طبيعة النشطاء السياسيين «الإسلاميين» فيما يتعلق بالجندر. تمامًا كما يجب الامتناع عن إطلاق التعميمات ضد أي فصيل سياسي آخر، فلسطينيًا كان أم غيره. إن النموذج الذي طوّرته طالبات بيرزيت ليس مفيدًا فقط للمجموعات الإسلامية الأخرى للتفكير به والتعلّم منه، بل وأيضًا للجماعات السياسية العِلمانية والمنظمات الطلابية بشكل عام، فهو نموذج حقق مساواة كاملة بين الذكور والإناث سواءً في البنية التنظيمية أو في التركيز على قضايا الطالبات والطلاب بشكل متساو.في الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت، أنشأت الإسلاميات نموذجًا مختلفًا لتمكين المرأة. إن مجتمعهم «الإسلامي» المثالي هو مجتمع يتم فيه الفصل بين النساء والرجال، ويتم تحديد أدوار المرأة وواجباتها ضمن هذه المساحات المنفصلة. جادل العديد من نشطاء حقوق المرأة في العالم الإسلامي بأن الفصل بين الجنسين يحرم المرأة من التمكين. ومع ذلك، وكما يُظهر المثال السابق، يمكن أن يكون الفصلُ شكلًا آخر من أشكال التمكين.

أخيرًا، لا أزعم هنا أن هذه الأمثلة تمثل عملَ حماس، ولا أن هذا المقال كافٍ لإطلاق أي نوعٍ من «الأحكام» حول ما إذا كانت حماس ككل تعمل على تمكين المرأة أو حرمانها من التمكين. بل استخدمتُ المثال الأول للصدام بين الحركة النسائية والوزيرتين الإسلاميّتين لإبراز خطر الأخذ برواية الحركة النسائية الفلسطينيّة دون نظرةٍ ناقدة ودون وضع هذه الادعاءات في سياقها الصحيح.

على الرغم من العمل الهام الذي تقوم به الحركة النسائية الفلسطينيّة فيما يتعلق بعدالة النوع الاجتماعي ونقد المشروع الصهيوني، فإن هذه المقالة هي بمثابة تحذيرٍ للأخذ بروايات أولئك اللاتي أصبحن «نجومًا» في مجال دراسات المرأة فيما يتعلق بالإسلاميين أو الجماعات الأخرى. نحتاج إلى إيلاء المزيد من الاهتمام لفرضياتنا وموازين القوى التي تنتج عن خطابنا، وأن لا نحكم على «الآخر» غير النسوي لمجرد اختلافه عن الفرضيات التي تتبناها النسوية. بمعنى آخر لا يمكن أن نقول أن العمل غير النسوي سيؤدي حتمًا إلى ظلم النساء.

* باحثة مساعدة في مركز الدراسات الاستراتيجية