أيار 08, 2018

محمد أبو رمان

على مدى يومين، وجلسات عديدة من الأبحاث والنقاشات بين الباحثين والخبراء في مجال الحركات الإسلامية، والحضور المهتم، جرت عملية اختبار وتمحيص لمفهوم "ما بعد الإسلام السياسي" الذي حمله عنوان لمؤتمر دولي عُقد في الأردن بترتيب من مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية ومؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية. 

إشكالية المصطلح نفسها استفزّت بعضاً من أنصار الحركة الإسلامية، على الرغم من مشاركة قيادات فيها في المؤتمر، وعلى الرغم، أيضاً، من توضيح الورقة الخلفية أن المقصود بما بعد الإسلام السياسي لس نهايته أو فشله (كما ذهب الباحث الفرنسي أوليفيه روا)، بل هي التطورات والتحولات التي تحدث لدى الحركات الإسلامية، وتدفعها إلى التخلي عن مفاهيم وفرضيات أيديولوجية، تبنّتها عقودا، وقبولها بدلاً من ذلك بمفاهيم الدولة المدنية والتعدّدية والديمقراطية صيغة نهائية لنظام الحكم، وفصل الدعوي عن السياسي، والمثال الأبرز على حركات ما بعد الإسلام السياسي هي أحزاب العدالة والتنمية في تركيا والمغرب والنهضة في تونس، كما شرح ذلك آصف بيّات، أحد أبرز المنظّرين لهذا المفهوم. 

لا تقف النتيجة التي خرج بها المؤتمرون عند حدود تعريف مصطلح "ما بعد الإسلام السياسي"، بوصفه مفهوماً جدليّاً، إشكالياً، وضبابياً، بل أيضاً باعتباره "طريّاً" لم يتجذّر بصورة كاملة بعد، ولم ينضج لدى أغلب التيارات الإسلامية والمجتمعات العربية والمسلمة، فما يزال الاتجاه السياسي الإسلامي الذي يذهب إلى هذه المنظومة الأيديولوجية الجديدة، أي الإسلام المدني الديمقراطي، والخروج من عباءة الإسلام السياسي إلى ما بعده نحو التخلي عن الشعارات الإسلامية، والقبول بالدولة الوطنية والتعدّدية والديمقراطية والدولة المدنية، وفصل الدعوي عن السياسي، ما يزال (هذا الاتجاه) محدوداً وفي بداياته، لم تتوضح تماماً المخرجات النهائية له، كما يصل إلى ذلك الباحث المصري، خليل العناني، في ورقته ومداخلاته. 

وعلى الرغم من أنّ المؤتمر حاول اختبار هذا الاتجاه المتنامي، بعدما كشفت عنه قراءة معمّقة لحالة التيارات الإسلامية بعد الربيع العربي في مؤتمر العام الماضي (صدرت أعماله في كتاب "آفاق الإسلام السياسي في إقليم مضطرب: الإسلاميون وتحديات ما بعد الربيع العربي")، إلّا أنّ النتائج جاءت لتضع قيوداً على مستوى التفاؤل بأنّ هنالك تحولات كبيرة وجوهرية تحدث في مسار الحركات الإسلامية، وأنّ الوقت مبكّر تماماً على استنتاج أنّ هذا الاتجاه المتصاعد سينتشر، ويكتب له النجاح الكامل. 

تتمثل هذه التحفّظات والمحدّدات على صعود نموذج "ما بعد الإسلام السياسي" في أنّ هذا النموذج مرتبط بشروط وسياقات أساسية، من ذلك وجود بيئة ديمقراطية واستقرار سياسي وتطوّر فكري، وهي الأمور التي لا تتوفر في أغلب الدول العربية والإسلامية اليوم حتى التجارب التي ينظر لها بوصفها معبّرة عن ذلك، فهي لا تزال موضع شك، ففي تونس حزب النهضة يصارع قوى وبيئة غير مستقرة، ولا تزال التجربة في بداياتها. وفي المغرب، هنالك شكوك في مدى نجاعة النهج البراغماتي لحزب العدالة والتنمية في تعزيز الديمقراطية، والخشية أن يكون فقط أداة من أجل استدامة سيطرة المخزن، وتحكمه باللعبة السياسية. 

الحال كذلك بالنسبة لتركيا مع بروز توجّهات الرئيس أردوغان نحو السلطوية والفردية، ما يقضي على النتائج الإيجابية لما قام به "العدالة والتنمية" هناك، وحتى في أندونسيا نقد إحسان فوزي ما وصل إليه أحد زملائه في كتاب آصف بيات "ما بعد الإسلاموية" من القول إنّ هذا التيار سينتصر هناك، إذ يرى فوزي أن القوى المعارضة للتيار من الإسلاميين أنفسهم أكبر من حجمه المتواضع على الساحة الأندونسية. 

طالما أنّ الشروط السياسية لا تخدم صعود هذا النموذج في أحيان كثيرة، فإنّ انزياح حركات إسلامية لهذا المسار، وتخليها عن عباءة الإسلام السياسي وشعاراته، قد يؤدي إلى نتائج معاكسة تتمثّل بوجود حالة فراغ في اليمين السياسي - الديني، تملأها حركات وجماعات راديكالية محبطة من الوضع الحالي، وفي ظل ضعف نتائج العملية الديمقراطية التي انخرط فيها "الما بعد إسلاميين". 

في الخلاصة، ما بعد الإسلام السياسي، كما وصفها آصف بيّات، هي نموذج وحالة، وليست مرحلة حتمية ستصل إليها الحركات الإسلامية، لأنّها (هذه المرحلة) مرتبطة بشروط ومحدّدات وسياقات ليست متوفرة بالضرورة في العالم العربي، وقد لا تكون المسؤولية ملقاةً على عاتق الإسلاميين وحدهم، بل الأنظمة السلطوية العربية بدرجة أولى.


* باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، ومتخصص في شؤون الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي.