نيسان 02, 2018


تحدث رئيس الديوان الملكي الأسبق عدنان أبو عودة عن نهج الملك الحسين في إدارة الأزمات، مسلطا الضوء على سبع أزمات عايش ستاً منها بحكم عمله، وتابع السابعة من الخارج وتلك الأزمات هي: مواجهة أيلول العسكرية بين الدولة والمنظمات الفدائية 1970، حرب رمضان أو أكتوبر 1973 ،  زيارة السادات للقدس والصلح المصري المنفرد 1977-1978 ،  أزمة منظمة التحرير والممثل الشرعي الوحيد 1974-1986، الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية المعروفة بـ " هبّة معان" 1989، احتلال الجيش العراقي لدولة الكويت في 2/8/1990 ، الاحتكاك الأمني المبكر مع إسرائيل بعد معاهدة السلام (مشكلة الدقامسة وخالد مشعل) .


وأضاف أبو عودة خلال محاضرة بعنوان : "الحسين وإدارة الأزمات" نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية بالتعاون مع اللجنة الثقافية بالنادي الأرثوذكسي الاثنين، أنه قبل أن يتناول هذه الأزمات واحدة واحدة، يرى من الضروري الإشارة الى شخصية المغفور له جلالة الملك الحسين القيادية ومكنوناتها الفكرية والسيكولوجية وضميره الإنساني الذي كان يقف وراء سلوكه ومقارباته المتميزة بالرحمة والتعاطف والتفهم والصبر وحُسن الاستماع واحترام الآخر والتسامح.

 

وبدأ أبو عودة بالحديث عن أزمة أيلول 1970 مشيراً إلى أن أسباب الصدام كانت متوفرة، وأن جلالة الملك الحسين لخص تطور الصراع بين شرعية الدولة ومنظمات مسلحة غيّرت توجهها من التحرير الى تغيير النظام، وجوهرها في قوله: لقد تحوّل العمل الفدائي الى عمل حزبي.

وبعبارة أخرى؛ بدأت الأزمة محلية ثم تحوّلت إلى إقليمية وبعدها إلى دولية، وبانسحاب القوات السورية انتهت الأزمة ببعدها الدولي، واستمرت ببعدها الإقليمي الذي أخذ شكل الإعلام المعادي وبُعدها المحلي

أما الأزمة الثانية فكانت حرب أكتوبر 1973 قال أبو عودة لقد كانت حرب رمضان في تشرين الأول 1973 أو حرب أكتوبر كما هي معروفة مصرياً، لماذا شكّلت هذه الحرب التي شنتها مصر وسورية بشكل مفاجئ في أكتوبر 1973 وهلّل لها العرب كل العرب في بدايتها، أزمة للأردن؟ وكيف عالج المرحوم الحسين هذه الأزمة؟...وبين أبو عودة أن جلالة المغفور له جلالة الملك الحسين استاء من المفارقات الواضحة، فبينما ينصح السادات بعدم دخول المعركة، سورية تطلب منا دخولها، بالإضافة إلى أن القوات السورية تبلغ ثلاثة أضعاف القوات الأردنية، وجبهتها تبلغ 81 كم، مقابل 450 كيلومترا من الجبهة الأردنية، وبعد 48 ساعة من هجومها لم تتقدم أبعد من الذي تقدمته في اندفاعتها الأولى.

وأضاف أنه لا يستطيع أحد أن يدّعي أن الأردن تخاذل في معركة المصير كما سميت، كما كنا قد جنبنا الأردن أن يكون هدفاً مباشراً لإسرائيل . الأردن دولة محاربة في هذه الحرب، وأصبح ينطبق عليها في حالة وقف إطلاق النار ما ينطبق على مصر وسورية في أي اتفاقية سلام ستعقد...وتابع: (مع الأسف رفضت إسرائيل قبول هذه الحجة عام 1974 حينما بدأت بواسطة هنري كيسنجر تنفيذ اتفاقيات فك الاشتباك مع مصر وسورية)، كان عذرها في ذلك، كما نقله كيسنجر لرئيس الوزراء زيد الرفاعي، بأنه صحيح أن الأردن كان إحدى الدول المتحاربة، لكنه لم يفتح جبهة من أراضيه.

وعن الأزمة الثالثة فكانت زيارة السادات للقدس والصلح المنفرد، قال أبو عودة: في 9/11/1977 أعلن المرحوم السادات في خطاب أمام مجلس الشعب المصري عن استعداده لمواجهة زعماء إسرائيل ومناقشتهم في الكنيست، استجابت إسرائيل لعرضه، ووجهت له دعوة للقيام بزيارة رسمية لها، وفي 20/11 وكانت عشية عيد الأضحى، لبّى الرئيس السادات الدعوة وذهب للقدس، دُهش العرب جميعاً وأولهم جلالة المرحوم من هذه الخطوة، طرح الرئيس السادات في خطابه في الكنيست، وفي لقاءاته مع مختلف القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية رغبة مصر والعرب في السلام، وأنه يدعو إسرائيل للتجاوب مع هذه الدعوة، لم يكن رد الفعل العربي الرسمي واحداً بينما استنكرته معظم الدول، أيدته دول أخرى.

 وأشار أبو عودة إلى أن الأزمة التي تبعت زيارة السادات: بالنسبة لنا في الأردن وجلالة المرحوم الذي كان متيقّناً أن الأردن جزء من المشروع الإسرائيلي التوسعي، فقد كنا نخشى أن الدولة العربية الكبرى، أي مصر الساعية لإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل ربما في سبيل تحقيق هدفها خلال الانفراد أن تتفق مع إسرائيل على حلول تكون على حساب المصلحة الوطنية الأردني.

وأشار أبو عودة أن حضور الأردن بدون سورية ومنظمة التحرير كان سيخلق لها مشكلات عدة تشمل أعمالاً تخريبية وحرباً نفسية بإعلام عربي اعتاد على شيطنة الأردن إعلامياً منذ أيلول 1970، ولذلك اختار الأردن منذ البدء أن يتبنى موقف التوازن الذي عبّر عنه المرحوم بوضوح في خطابه في 28/11/1977 حينما قال إن مبادرة الرئيس السادات الانفرادية لا يجوز أن تتحول إلى سبب في إضعاف القضية، وأن من الجدير عربياً ألا ننسى دور مصر في نهضة العرب ووقوفها طوال 30 عاماً في مواجهة عدوان إسرائيل، كما لا يجوز تبادل نعوت الخيانة.

وأضاف أبو عودة أما نتيجة المباحثات المصرية الإسرائيلية؛ فكانت كاشفة للسياسة الإسرائيلية التوسعية وبخاصة في الضفة الغربية، قد عرض بيغن على السادات رفضه لفكرة إنشاء كيان فلسطيني، لأنه يعتبر الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين أراضي إسرائيلية، ولذلك فإنه يقترح أن يمنح المواطنون فيهما حُكماً ذاتياً تحت إدارة مدنية بدل الإدارة العسكرية الحالية، رفض السادات الخطة لكنه قرر مع بيغن مواصلة المباحثات من خلال لجنة مشتركة...ولفت إلى أنه في 17/1/1978 صرّح بيغن رئيس وزراء إسرائيل الليكودي أنه لا سلام إذا عادت إسرائيل إلى حدود 5 حزيران 1967 أو أعيدت تجزئة القدس، ووصف طلب مصر بانسحاب إسرائيل من القدس بأنه يتّسم بالوقاحة، وفي ضوء هذا التصريح سحب الرئيس السادات الوفد المصري المفاوض من القدس.

ونوه أبو عودة إلى أن أزمة الانفراد المصري تطورت إلى أزمة أردنية جديدة مع الولايات المتحدة. ففي 20-21 أيلول زار وزير الخارجية الأمريكي سايروس فانس عمان، وقابل جلالة المرحوم بوجود المرحوم عبدالحميد شرف رئيس الديوان الملكي، وسلمه الوثيقتين وحثّه على اللحاق بالركب...وتابع: بعد سفر فانس، ترأس جلالة المرحوم اجتماعاً حضره رئيس الوزراء مضر بدران؛ والمرحوم عبدالحميد شرف رئيس الديوان؛ وأنا، وطرح جلالته خلاصة مقابلتة مع فانس، وبدأنا نناقش ما ورد في الوثيقة الأولى التي تهمنا لنقرّر، أسفر النقاش عن رفضنا الذهاب إلى السلام وفق ما جاء في تلك الوثيقة وجلالته الذي يرى الأمور بمنظار آخر يتعلق بمخالفة طلب الرئيس الأمريكي طرح الموضوع من زاوية ما هو العقاب المحتمل، وهل نقدر عليه وكيف نواجهه، هكذا كانت الأزمة الجديدة، وبعد تبادل الأفكار اتفقنا أن نتريث في الرد، وفي الوقت نفسه يستطلع جلالته موقف الدول النفطية الشقيقة التي تساعدنا مالياً فيما إذا حجبت الولايات المتحدة معونتها المالية عن الأردن، هل ستعوضنا؟...وقال أبو عودة: أما مسألة شراء الوقت، فاتفقنا أن يوجه سيدنا رسالة للرئيس كارتر يقول فيها إن ما جاء في الوثيقة مهم ويستحق الدراسة، وحينما درسناه تبيّن لنا أن هناك نقاط غامضة تحتاج إلى توضيح. وذكرنا في الرسالة تلك النقاط الغامضة وعددها ثلاث عشرة، وأرسلت الرسالة الى واشنطن، توقعنا أن يكون الوقت الذي ستأخذه واشنطن للرد على رسالة سيدنا كافيا لقيام سيدنا باستطلاع موقف الدول النفطية الشقيقة.

وبين أبو عودة أنه أجوبة الملوك والأمراء الخليجيين جاءت إيجابية، الأمر الذي طمأننا، وبعد ذلك بأسبوع عاد وزير الخارجية سايروس فانس بالأجوبة عن الأسئلة الثلاث عشرة، واختار جلالته أن يجعل اللقاء بين فانس وفريقه من الخارجية المعنيين بالشرق الأوسط مع الحكومة، وعقد اجتماع في رئاسة الوزراء بحضور رئيس الوزراء مضر بدران، والمرحوم الشريف عبدالحميد شرف، والمرحوم وزير الدولة للشؤون الخارجية حسن ابراهيم، اطّلع المسؤولون الأردنيون الثلاثة على الردود، وباعتبار أن موقفنا كان قد اُتخذ سلفاً، فدار الحوار بين الوفد الأمريكي والمسؤولين الأردنيين حول عدم قناعة الأردنيين بأن هذه الوثيقة والرد الأمريكي على ما أسميناه غموضاً ستصنع سلاماً حقيقياً وهكذا انتهينا من الأزمة دون خوف من النتائج.

 

أما فيما يتعلق بالأزمة الرابعة فتمثلت في محاولة إبطال مفعول مقصد هنري كسنجر من المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد.

قال أبو عودة أن ما يشغل جلالته ثلاث قضايا قومية: الأولى: مصالحة الرئيسين البعثيين المرحومين صدام حسين وحافظ الأسد. والثانية: إعادة مصر مبارك للحظيرة العربية والثالثة: النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية...وزاد: ما يهمني في هذا الأمر هو قلق سيدنا المتزايد من تسارع الاستيطان، وبخاصة عند مجيء بيغن رئيساً لوزراء إسرائيل، الذي نقل تركيز الاستيطان الى محافظة نابلس مخالفاً بذلك مشروع إيجئال آلون وزير حكومة حزب العمل السابقة التي ركزت على محافظة الخليل وضواحي القدس...وتابع: جلالة المرحوم الذي كان واعياً تماماً على المشروع الصهيوني الذي يجعل من الأردن مشروع التوسع، رأى في توسّع حزب الليكود بالاستيطان لسائر الضفة الغربية تهديداً للدولة الاردنية اذا استمر الحال على ما هو عليه؛ أي ، حالة اللاحرب واللاسلم: وهو المصطلح اذي أطلقه سيدنا على واقع الحال. بدأ هذا الخوف يتشكل في ذهنه بشكل جاد حينما رفضت إسرائيل وكسينجر إدراج الأردن مع مصر وسورية عام 1974 بنهج فك الاشتباك؛ بحجة أن الأردن الذي حارب في 1973 في الجبهة السورية لا يمكن اعتباره دولة محاربة؛ لأنه لم يفتح جبهة من أراضيه...ولفت أبو عودة إلى أنه حينما اتخذ العرب  قرار اعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد في قمة الرباط 26-29 أكتوبر 1974، قرأناه في الأردن قراءة سليمة واعتبرناه مكيدة دبلوماسية هدفها شراء الوقت لإسرائيل لمواصلة استيطان الضفة الغربية، وذلك بتحويل الضفة الغربية كما هي موصوفة في قرار 242 من أرض محتلة الى أرض متنازع عليها بين الأردن ومنظمة التحرير ...وزاد: في ضوء ذلك، قرّر جلالته وضع خطة لإبطال مقصد كيسنجر صاحب فكرة الممثل الشرعي الوحيد بالاتفاق مع المنظمة على مستقبل الضفة الغربية دون التراجع عن موافقة الأردن عن الاعتراف بالمنظمة الممثل الشرعي الوحيد، وشرعنا في تطبيق الخطة على الشكل التالي: أولاً: استضاف الأردن المؤتمر الوطني الفلسطيني في عمان في 22/11/1984، وفي كلمته الافتتاحية للمؤتمر اقترح جلالته بأن يتقدم الجانبان الأردني والفلسطيني بمبادرة أردنية-فلسطينية على أساس المبادئ التالية: التمسك بقرار مجلس الأمن 242 ( وذلك للتأكيد على أن الضفة الغربية المحتلة أرض محتلة وليست أرضاً متنازعاً عليها)، والأرض مقابل السلام، وإجراء المفاوضات من خلال مؤتمر دولي تحضره المنظمة على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى...ثانياً : قرّر جلالته أن نمضي قُدماً أولاً بالحصول على مباركة الدول العربية، وثانيا أن نثبت ذلك عملياً للعالم بإرسال وفد مشترك أردني – فلسطيني لعدد من الدول منها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ، وفي أيار/ مايو 1985 قام المرحوم بزيارة رسمية لواشنطن، حيث عقد محادثات مع الرئيس ريغان أكد له خلالها أن الأردن والمنظمة عازمان على التفاوض مع إسرائيل للوصول إلى سلام عادل ودائم على أساس قرارات مجلس الأمن 242 و338. وبعد الزيارة طلب سيدنا من عرفات تزويده بأسماء الفلسطينيين الذين سيشاركون في الوفد الأردني الفلسطيني المشترك، شريطة ألا يكونوا ممن عُرفوا بالقيام بأعمال عسكرية ضد إسرائيل...وبين أنه أرسلت أسماء سبعة أشخاص لواشنطن. ولكن اللوبي الصهيوني احتجّ على مشاركة فلسطين من أعضاء المنظمة، فتراجعت الإدارة الأمريكية عن موقفها الذي عبّرت عنه في زيارة سيدنا في أيام. وفي آب/ أغسطس من العام نفسه، استأنفت الحكومة الأردنية المفاوضات مع عرفات، وأكّد عرفات استعداد المنظمة لقبول قراري 242 و 338. وأبلغنا الإدارة الأمريكية بذلك، وجاء الرد مخيباً للآمال بأنه ليس من الممكن عقد اللقاء مع الوفد المشترك...وأوضح أبو عودة أنه نتج عن هذا التحوّل وغيرها في توجه الانتفاضة بأن تضع الأردن على الصعيد نفسه مع إسرائيل إلى قرار فك العلاقة القانونية والإدارية مع الضفة الغربية، وذلك في 28/7/1988 وبعد أقل من أربعة شهور على هذا القرار أعلن المرحوم أبو عمار في المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر المنعقد في الجزائر قيام دولة فلسطين وجاء في خطابه أن الدول تؤمن بتسوية المكشلات الدولية وفقاً لميثاق الام المتحدة وقراراتها وانها ترفض التهديد بالقوة أو العنف أو الارهاب، أي ان المرحوم عرفات وافق على الشرطين الأميركيين الذين رفضهما انثاء شراكته مع الأردن واعترف بهما بعد قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية لأن المنافس خرج من اللعبة.

 أما الأزمة الخامسة فهي حسب أبو عودة الأزمة الاقتصادية الاجتماعية أو هبّة معان 1989. قال أبو عودة: تتالت الضغوطات على الاقتصاد الأردني مع نهاية عقد الثمانينات، حيث فاقت نسبة الدين الخارجي (ألـ 200% من الناتج المحلي الإجمالي) وعجز الحساب الجاري إلى (14% من الناتج) وعجز الموازنة العامة إلى (23% من الناتج) بالإضافة إلى أزمة بنك البتراء. في شباط/ فبراير 1989 وقّع الأردن في بغداد على ميثاق (مجلس الاتحاد العربي) الذي ضم الأردن والعراق واليمن ومصر، كان ذلك في فترة الهدوء التي أعقبت نهاية الحرب العراقية الإيرانية وحينما كانت الدول الأربع تواجه صعوبات اقتصادية لذلك، كان الاقتصاد من أهم التحديات التي يواجهها الاتحاد، ولذلك نصّت الاتفاقية أن هدف المجلس تحقيق التنسيق والتعاون والتكامل والتضامن بين الدول الأعضاء، وتحقيق التكامل الاقتصادي تدريجياً بينها.

ومن أبرز نتائج هبّة معان وفقا لابو عودة، هي العمل على الإصلاح السياسي من منطلق أن مجلس النواب  ما عاد تمثيلياً؛ لأنه انتُخب في نيسان/ أبريل 1967 وأن من الضروري إشراك جيل جديد في العمل السياسي ، قرر المرحوم إجراء انتخابات نيابية . كلّف المرحوم زيد بن شاكر رئيس الديوان الملكي آنذاك بتشكيل حكومة جديدة وأمره بإجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة ، أُعلنت نتائج الانتخابات في 10/11/1989 وكان الناجحون يمثلون مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي الأردني ، كان منهم حزبيون لم يشاركوا في العمل السياسي منذ أربعة عقود، ومنهم مستقلون ومخضرمون وآخرون محدثون . وما زالت تلك الانتخابات محطة مشرقة في تاريخ الأردن السياسي يستحضرها الناس بنوع من الحنين.

 أما الأزمة السادسة فكانت احتلال الجيش العراقي للكويت في 2/8/1990 ، فقال أبو عودة: تحوّلت المشكلة إلى نزاع غذاه واقع الوضع المالي للعراق الخارج من الحرب، وفي الاتصالات بين العراق والكويت، قيل أن حجة الكويت كانت بأنها بنفط الرميلة إنما تسترد ديونها من العراق، أي أنها اعتبرت معوناتها للعراق أثناء الحرب ديوناً. وكان رد العراق على أن هذه الأموال كانت للدفاع عن دول الخليج، وأنه يطالب كل دول الخليج التي تبرعت له أثناء الحرب بمزيد من المال لاستكمال ما أنفقه العراق في الحرب دفاعاً عنهم.

وتحوّل النزاع الذي عرِف به جلالة المرحوم وعدد من الدول إلى نوع من المهاترات  التي كانت تدفع باتجاه نزاعات مسلحة. فبادر جلالته للتدخل والقيام بدور وسيط الخير بين العراق والكويت. وفي 30/7/1990 طار جلالته إلى بغداد ورافقه رئيس الديوان الملكي المرحوم زيد بن شاكر وأنا. وفتح سيدنا موضوع خلاف صدام مع العراق للتعرف على حقيقة الموقف العراقي ليكمل وساطته مع الكويت.

وأضاف أبو عودة أن جلالة المرحوم عبّر منذ البدء عن خشيته من التدخل الأجنبي عسكرياً، وبعد الاتصال بعدد من القادة العرب مباشرة في عواصمهم، لاحظ جلالته انقساماً ما في مواقفهم؛ فكان منهم من أيّد توجه جلالته نحو الحل العربي، ومنهم من وقف علناً مع الموقف الأمريكي، وهكذا لم يتمكن من جمعهم حول الحل العربي كمجموعة عربية ذات وزن، طبعاً باستثناء دول الخليج التي اعتبرت نفسها طرفاً ثانياً في النزاع ، وبالنسبة لجلالته أصبحت الأزمة كيف نتجنّب في الأردن هذه الحرب ونتائجها. أي الوقوف على الحياد في حالة وقوع حرب. ففي موقف الحياد كان لا يمكن للمرحوم صدام أن يلومنا بعد أن حاول سيدنا إقناعه بالانسحاب من الكويت ولم يستجب، ولا لدول الخليج أن يلومونا لأنهم كانوا يعرفون بصدق محاولات سيدنا لإقناع صدام بالانسحاب، ولا الولايات المتحدة التي اتصل برئيسها بوش واجتمع به في ولاية Mane ليقنعه بدعمه في التوصل إلى حل سلمي، ليكتشف بأن الولايات المتحدة كانت قد أخذت قرارها لإخراج القوات العراقية بالقوة العسكرية من الكويت. كما تأكد له الموقف الغربي بنيّته في ضرب العراق أثناء مقابلته لرئيسة الوزراء البريطانية السيدة ثاتشر.

ولم يقبل لنفسه بمرور الطيارات الإسرائيلية من الأجواء الأردنية لضرب الجيش العراقي، إذ لابد من التعرض لها. وهكذا ينتهي موقف الحياد الذي اختاره، ولذلك قام بإبلاغ العراق أولاً. وكي يتأكد أن إسرائيل هي الأخرى لا تستخدم الأجواء الأردنية، قام بإيصال رسالته المشابهة للرسالة التي حملتها لبغداد ولكن بالقنوات الدبلوماسية بأن الأردن سيقف على الحياد، ومن أجل ذلك طلب من بغداد ألا تستخدم أجواءنا، ويطلب من إسرائيل ألا تفعل ذلك هي الأخرى، وهكذا كان، أي حافظ الأردن على حياديته، فلا المرحوم صدام يمكن أن يلومه ولا حلفاءنا الغربيين. ومع ذلك عاقبتنا الولايات المتحدة على موقف الحياد حينما أوقفت ضخ النفط عبر خط التابلاين الموصل إلى مصفاة البترول في الزرقاء. ففي عام 1989 كان الأردن يحصل على 85%من حاجاته النفطية من العراق، ويحصل على 15% من المملكة العربية السعودية عبر خط التابلاين وبقي الحال كذلك حتى اليوم مع خط التابلاين.

أما عن الأزمة السابعة فقال أبو عودة: أطلق في الثالث عشر من آذار/ مارس 1997 الجندي  الأردني (أحمد الدقامسة) النار على فتيات إسرائيليات كنّ في رحلة مدرسية لمنطقة الباقورة شمال وادي الأردن. قُتلت سبع طالبات وجُرحت ستّ، وفي تلك الاثناء حاول رجال من الموساد الإسرائيلي اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السيد خالد مشغل في أحد شوارع  العاصمة. وقد وقع الحادث في اليوم نفسه الذي اجتمع فيه وفد إسرائيلي عسكري وآخر مدني مع جلالة المرحوم. الأمر الذي جعل المرحوم يستشيط غضباً. اكتشف الأطباء الأردنيون في مستشفى المدينة الطبية أن الموساد حقنوه بإبرة سامّة، وألا حل لإنقاذ حياته إلا بإحضار الترياق الذي يبطل أثر السم في جسم المصاب، تحرك المرحوم بسرعة، وطلب من الحكومة الإسرائيلية إرسال الترياق. وكان الأمن الأردني قد تمكن من إلقاء القبض على اثنين من الموساد الجناة. وضع المرحوم الحكومة الإسرائيلية أمام خيارين:

في حالة وفاة خالد مشعل سيكشف الأردن  هوية العملاء الإسرائيليين، وقد ألقى القبض على اثنين منهم، وسيحاكمهما علناً، وسينفذ حكم الإعدام بحقهما، أو أن تُبادر الحكومة الإسرائيلية بالاعتراف بجريمتها وتقدم الاعتذار والترياق لإنقاذ حياة خالد مشغل. كان هناك سباق مع الزمن، حيث قرأ جلالته ردات الفعل الأولية للحكومة الإسرائيلية بأنها سياسة مماطلة. فشدّد على إسرائيل وهدّدها، إما معاهدة السلام أو حياة مشعل، فاستجابت حكومة إسرائيل بسرعة، وأرسلت مدير المخابرات الإسرائيلي إلى عمان ومعه الترياق المطلوب، وأنقذت حياة مشغل. وقبل تسليم عميلي الموساد، طلب الملك من إسرائيل إطلاق سراح المرحوم الشيخ أحمد ياسين فوافقت. كان سلاح المرحوم في هذا كله سلاح الإنسانية البتّار الذي اكتسبه من تعزيته لأهل الثكالى من حادثة الترياق، وشاهده العالم والذي أثر على الشعب الإسرائيلي، وعلى كل المنظمات الدولية الإنسانية، فلم يكن بإمكان نتنياهو أن يماطل حتى يموت مشعل ويفاوض بعدها على إطلاق سراح الجناة.

 وقال رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية الدكتور موسى شتيوي إن هذه المحاضرة ضمن سلسلة نشاطات برنامج كرسي الملك الحسين الذي انشئ بدعم ومباركة من جلالة الملك عبدالله الثاني، ومن باب الوفاء والعرفان للملك الباني، برنامجاً أكاديمياً في المركز باسم كرسي الملك الحسين للدراسات الأردنية والدولية.

وأضاف في المحاضرة أن برنامج كرسي الملك الحسين الأكاديمي يهدف إلى استحضار إرثه الخالد، وإحياء ذكراه العطرة، وتوثيق مسيرته التاريخية، وإجراء الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمرحلة حكمه، طيب الله ثراه، ولنتوصل من خلال ذلك إلى قراءة أردنية أكاديمية للأحداث التاريخية والمحطات المفصلية

وأشار إلى أنه لقد مرّ الأردن منذ تبوؤ جلالته الحكم، بأزمات كبيرة وخطرة، بعضها كان خارجياً إقليمياً ودولياً، وبعضها الآخر كان داخلياً، لكن جلالته استطاع بحكمته المعهودة وقيادته الفذة ذات البُعد الاستراتيجي والإنساني، وتلاحم الأردنيين حوله، من العبور بالأردن وأهله إلى بر الأمان، وكانت هذه الصفات القيادية بحق سرّ نجاح جلالته، حتى غدا أسلوبه في الحكم مدرسة ونهجاً حكيماً وعقلانياً، يتجلى بأبهى صوره في قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني.

وسلم رئيس الجامعة درع كرسي الملك الحسين إلى أبوعودة هذا وحضر المحاضرة رئيس الجامعة الأردنية الدكتور عزمي محافظة، ووزراء وأعيان ونواب سابقين وأعلاميين وأكاديميين وأعضاء النادي الأرثوذكسي.