كانون الأول 14, 2017

بالرغم من سوء قرار الرئيس الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، فإن هذا القرار المخالف للقانون الدولي، قد يحمل على خلق ديناميكية جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي، وربما يتيح القرار فرصة غير مقصودة بالرغم من سلبيته الواضحة.
لقد أدى هذا القرار الى إعادة إحياء القضية الفلسطينية والقدس تحديداً، ووضعها في الواجهة مجدداً بعد أن كانت في المقعد الخلفي لسنوات طويلة، وبخاصة في العامل العربي والإسلامي والساحة الدولية أيضاً. باستثناء تأكيد جلالة الملك عبدالله الثاني على محورية القضية الفلسطينية لإنهاء النزاع في الشرق الأوسط، لم تعد هذه القضية على الأجندة العربية إلا في مناسبات المجاملة.
أولى النتائج الإيجابية غير المقصودة لقرار ترامب، تحريك الشارع العربي والمنظومة الرسمية العربية والإسلامية وحتى المحافل الدولية التي تمخضت عنها مواقف مشتركة حيال الاحتلال الإسرائيلي والقدس تحديداً، وإعادة التعاطف مع القضية الفلسطينية: شعبياً ورسمياً. وبالرغم من أهمية الدعم السياسي العربي والدولي للقضية الفلسطينية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً من إرادة الشعب وفعله، إذ إن الساحة الرئيسية لهذا الصراع هي الساحة الفلسطينية، والذي سيكون له الدور الأهم في حسم المعركة هو الشعب الفلسطيني وقيادته.
الاستراتيجية الفلسطينية في العشرين عاماً الماضية والتي كانت برأسين أو مسارين، إذا جاز التعبير، قد استنفدت مفعولها. ومسار أوسلو، بقيادة منظمة التحرير، والمفاوضات التي استمرت لكل هذه الفترة قد أثبتا فشلهما، وثبت بأنهما كانا استراتيجية إسرائيلية لشراء الوقت، علاوة على أنهما جعلا الولايات المتحدة اللاعب الوحيد بهذه العملية الذي أثبت إما عدم قدرته على التوصل لحل أو انحيازه للرواية والرؤية الإسرائيلية. في حين أن المسار الثاني الذي مثلته "حماس" ومنظمات أخرى، وهو الاشتباك العسكري مع إسرائيل واللجوء للمقاومة المسلحة والتي امتدت لأهداف ناعمة، ثبت أيضاً فشله تجاه إجبار إسرائيل على التوصل الى حل أو إلى هزيمتها عسكرياً والذي أدى بـ "حماس" لتغيير استراتيجيتها لاحقاً.
المسار الأول كان مفاوضات من دون أسنان (مقاومة) والثاني كان مقاومة من دون رؤية سياسية او مفاوضات لنهاية الصراع. اسرائيل استغلت هذا الانقسام الى أقصى درجة، ما أدى لإضعاف الفعل الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.
أما الآن، وبالرغم من تغير المصالحة الفلسطينية، فهناك فرصة لتطوير استراتيجية جديدة موحدة للشعب الفلسطيني، ونقل النضال الفلسطيني المشروع الى مرحلة جديدة.
إسرائيل لن ترحل عن الأراضي المحتلة إلا إذا أصبح استمرار الاحتلال مكلفاً لدرجة أنها لا تستطيع الاستمرار في تحمل كلفته المادية والبشرية والسياسية.
الاستراتيجية الجديدة يجب أن تكون مبنية على مبدأ المقاومة الشعبية السلمية. فاللجوء للعنف يقدم هدية للاحتلال، لأن هذا ما يريده.
الاستراتيجية الجديدة يجب أن تكون مبنية أيضاً على ثبات الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية تحديداً لتفويت الفرصة على الإسرائيليين من طرد الفلسطينيين في الضفة، وإن كان بشكل تدريجي.
استراتيجية فلسطينية جديدة لا يمكن أن تنجح إلا إذا تزامنت معها استراتيجية عربية تهدف الى تقديم الدعم المادي لتمكين الشعب الفلسطيني من مقاومة الاحتلال، والمساعدة في بقاء هذا الشعب على أرضه، ودعم القضية الفلسطينية: سياسياً وإعلامياً على الأصعدة كافة بشكل يضمن نجاح الشعب الفلسطيني في صموده. وتتطلب الإفادة من التعاطف الشعبي والرسمي العربي والإسلامي والدولي مع القضية الفلسطينية، تغييراً في الاستراتيجية الحالية لإقامة الدولة الفلسطينية، وذلك برفع كلفة الاحتلال الإسرائيلي فلسطينياً ودولياً. ولكن هذا يتطلب توافقاً فلسطينياً أولاً ثم عربياً ثانياً. نظرياً هذا ممكن، إلا أن هناك صعوبات عدة تواجه هذا التصور، ولكن إذا لم يتم تغيير الاستراتيجية الحالية، فالتخوف هو أن يضعف هذا التعاطف مع مرور الوقت، ونعود للمربع الأول.