كانون الأول 12, 2017


قال وزير الخارجية الأسبق الدكتور حازم نسيبه إن القدس كانت تعيش عميقاً في ضمير الحسين بن طلال طوال حياته، سواء عندما كانت جزءاً عربياً غالياً من المملكة الأردنية الهاشمية والتي رعى قدسيتها وإعمارها والدفاع عنها، وبصورة حزينة أشد، بعد سقوطها الكارثي في عدوان الخامس من حزيران 1967.

وشدد، في محاضرة القاها اليوم الثلاثاء بعنوان "الحسين وصنع السياسة الخارجية"، ضمن سلسلة محاضرات كرسي الملك الحسين للدراسات الأردنية والدولية في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية، ان قضية فلسطين احتلت، وفي قلبها بيت المقدس مركز الصدارة وقطب الرحى ومحور العمل والأمل في الكتاب الأبيض الذي حدد القواعد التي ترى الحكومة الأردنية العمل على أساسها لإحياء قضية فلسطين في عهد الملك الراحل.

واشار نسيبة الى ان الراحل الحسين كان يتطلع قبل العام 1967 إلى استرجاع القدس الغربية المتممة للقدس الشرقية التي كانت بين يديه والتي كان ثلثاها أحياء عربية خالصة، بناها أهل القدس بسواعدهم وأموالهم وعزائمهم، ولم تكن أبداً لليهود عندما احتلتها إسرائيل العام 1948، مضيفا "لو لم يكن الأمر كذلك، لما ألقى الأردن بمقدراته في حرب 1967".

وكشف نسيبة النقاب عن" الحادث الجلل"، عن الظروف والعوامل التي أحاطت بحرب 1967، ودخول الأردن فيها والخسارة الزلزالية التي نتجت عنها ممثلة بضياع نصف المملكة الأردنية. ومن المسؤول عن هذه الكارثة؟.

وبين ان الولايات المتحدة الأميركية توصلت إلى قناعة بأن مصر جمال عبد الناصر تعمل على ضرب المصالح الأميركية، كما أن الوحدة العربية التي كان ينادي بها وتعمل لها مصر وشقيقاتها العربيات، تشكل عاجلاً أم آجلاً خطراً داهماً على إسرائيل والولايات المتحدة والمصادر العليمة المطلعة تؤكد أن الرئيس جونسون أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل ولأجهزته بالعمل للإطاحة بالنظام القائم في مصر. وبدأ العد التنازلي للحرب في ربيع 1967.

واشار الى انه كان ورئيس الوزراء الأسبق الشهيد وصفي التل في القاهرة في 13 تشرين الثاني من نفس العام لاجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك، عندما شنت إسرائيل عدواناً دموياً على قرية السموع في قضاء الخليل، دمرت فيه جميع منازل القرية، مضيفا ان "التل قال له يومها: ها قد بدأت المعركة من أجل الضفة الغربية".

ولفت الى ان مصر وسورية ومنظمة التحرير الفلسطينية اتهمت الأردن بالتقصير والتقاعس في الدفاع عن السموع. بينما اتهم الأردن القيادة العربية الموحدة بالتقاعس عن نجدة الأردن في مجابهة العدوان، الأمر الذي أضعف مصداقية تلك القيادة.

وتابع أنه وفي الثامن عشر من أيار طلبت مصر من السكرتير العام للأمم المتحدة يوثانت إجراء سحب جزئي لقوات الطوارئ الدولية من قطاع غزة ومن بعض أجزاء سيناء، لتمكين القوات المصرية من أخذ مواقعها. وقد وافق يوثانت على هذا الطلب على أن يشمل سحب جميع القوات الدولية. ولما تمّ رحيل هذه القوات بحلول 21 أيار، أصبحت القوات المصرية ترابط في مضايق تيران المؤدية إلى ميناء إيلات (وكان اسمه الفلسطيني الأصلي أم الرشراش).

وقال "بعد إغلاق الخليج أصبح نشوب الحرب أمراً مؤكداً، مالم تفعل الدول الكبرى شيئاً لتفادي ذلك. كان موقف أميركا يراوح بين تهديد مصر بعمل عسكري مباشر لفتح المضايق، وبين تشجيع إسرائيل على توجيه ضربة إلى العرب"، مضيفا أن وزراة الدفاع الأميركية "البنتاغون" توصلت إلى "قناعة بأن الحرب ستنتهي إلى هزيمة عسكرية عربية".

وتطرق نسيبة الى الإيحاءات التي تثبت تورط أميركا فيما جرى ومنها انه وقبل عشرة أيام من نشوب الحرب، زار ريتشارد مورفي، مستشار السفارة الأميركية، منزل عبد المنعم الرفاعي بحضور عاكف الفايز وحضوره. وفي الحديث وجه إلى الحضور الكلام قائلاً: "لماذا لا تنصحوا جلالة الملك بتسوية خلافاته مع عبد الناصر والوقوف معه؟"، مؤكدا "لا بد أن أجهزة متنفذة في أميركا، لم تكن تمانع في تورط الأردن بحرب كانت متأكدة سلفاً من نتائجها".

وقال نسيبة "أصبحت حمى الحرب طاغية وشديدة الوطأة في الأردن، وفي كل بقعة من بقاع الوطن العربي الكبير. الناس مشدودون إلى أجهزة الراديو يستمعون بلهفة إلى كل كلمة ينقلها الأثير"، مضيفا "أصبحت الشعوب العربية وبينها، بل وفي مقدمتها، الشعب الأردني، في حالة من التعبئة النفسية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. ولم يعد ممكناً على الإطلاق النقاش حول مدى استعدادنا للحرب أو عدمه".

وتابع "لم يخطر بالبال أننا كنا ما نزال نملك جزءاً غالياً من أرض فلسطين هي القدس وسائر الضفة الغربية، وأنها تستحق وقفة تأمُّل ووقفة حساب".

واشار الى "أن أحد المسؤولين في الديوان الملكي الهاشمي، قال ان الرئيس جمال عبد الناصر يود التكلم مع جلالة الملك، بعد فترة طويلة من الانقطاع. أبلغني المسؤول في الديوان أن الملك الحسين قابل الخبر بترحيب كبير واتفق مع الرئيس على زيارة القاهرة حيث تمَّ الاتفاق على تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك وإيفاد قائد مصري عبد المنعم رياض إلى عمان ليقود المعركة".


وذكر "ان الراحل الحسين استدعى السفير الأميركي وقال له: إذا نشبت الحرب ولم نشترك فيها، هل تضمن الولايات المتحدة الأردن؟ فأجاب بالنفي".

وقال نسيبة "انه وبناءً على ما تقدم وتحت ضغط شعبي جارف قرر الحسين خوض الحرب على أساس أن إسرائيل سوف تضرب بغض النظر عن موقفنا (فخطوط التماس بينا وبين العدو عشرات الأمتار)".

وتابع "أطلعت على وثائق كانت تجمعها أستاذة كندية كانت تؤرخ لتلك الحرب وجهت لها سؤالاً مباشراً: هل كان بإمكاننا لو أردنا عدم الدخول في الحرب؟ فأجابت: كلا، فقد كان الهدف الرئيس لإسرائيل احتلال القدس خاصة، وسائر الضفة الغربية عامة، وخطوط النار بينها وبيننا أمتار".

وتساءل "من إذن يتحمل مسؤولية ما جرى؟"، موضحا "أن الشعب الأردني، بجميع أطيافه وسائر الشعوب العربية كانت مسؤولة عن خوض الحرب. في حين كان وصفي التل من الندرة التي نصحت بعدم دخول الحرب نتيجة إدراكه للنتائج التي سوف تترتب عليها. ما جرى كان سوء تقدير فادح من جهة وحتمية تاريخية ربما كانت فوق طاقتنا إن سياسياً أو عسكرياً".

واكد نسيبة ان فاجعة ضياع القدس تركت نتوءً عميقة في وجدان الحسين، وقد بذل جهوداً كبيرة موصولة لاستصدار قرار مجلس الأمن (242) الذي يعلن بطلان الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، ويدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها نتيجة العدوان.


وبين ان سياسة الحسين الخارجية كانت مستوحاة أولاً وقبل كل شيء من إيمانه الراسخ بمنطلقات الثورة العربية الكبرى القائمة على استقلال ووحدة أقطار الأمة العربية الواحدة، وبالأخص في المشرق العربي.

واشار الى وجود اتجاهين في المحيط العربي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية: أحدهما يرتكز في تنظيم دفاعه على أحلاف تمتد في حدودها إلى ما هو أبعد من النطاق العربي، والآخر يعمل على إقامة نظام دفاعي ضمن إطار عربي مستقل يجسده ميثاق الدفاع العربي المشترك لعام 1955.

وبين "لذا لم يكن من سياسة الحسين الدخول أو الارتباط بأية أحلاف جديدة، بعد إلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية وتعريب الجيش، والعمل على تمكين التساند والتماسك العربي، وأن وحدة الأمة العربية هي الشرط والركن الأول في حياتها وسلامة أوطانها".

إلى جانب "انتهاج سياسة حيادية في الصراع بين الشرق والغرب، والذي كان محتدماً بين الدولتين العظميين، مع إقامة أوثق العلاقات مع دول الطوق الإسلامي المساند، ممثلاً في الحزام الشمالي الذي يضم تركيا وإيران وباكستان. يضاف إلى ذلك الانتماء إلى مجموعة دول عدم الانحياز التي تضم الهند ومعظم دول العالم الثالث".

 من جهته نوه مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الدكتور موسى شتيوي بأن هذه المحاضرة تأتي ضمن سلسلة محاضرات شهرية، يسلط فيها الضوء على جانب مهم من مسيرة وفكر الراحل الحسين وعن سنين تخللتها عواصف هزت المنطقة والعالم، استطاع جلالته بحكمته وقيادته الوصول بالأردن لبر الأمان، وتجنيب أهله الشرور والويلات.

وأضاف شتيوي أن المحاضرة تمثل استحضاراً لإرث الحسين الخالد، وإبراز تجربته في الحكم وإدارة البلاد، وتوثيق تاريخه الشفوي، لتبقى ذكراه حية في قلوبنا وذاكرتنا، وذاكرة الأجيال من بعدنا، ولنؤرخ –بمنهجية علمية- لمرحلة مهمة من مسيرة الأردن، ونهضته الحضارية، حيث تعرض الاردن لكثير من الظلم حتى من قبل بعض الاشقاء والاعداء

يذكر بأن المحاضرة تأتي ضمن سلسلة من المحاضرات والندوات المقبلة، التي يعقدها مركز الدراسات، ضمن البرنامج نفسه، لنخبة من السياسيين الأردنيين، خلال حقبة الحسين، منهم رئيس الوزراء الأسبق الأسبق عبدالسلام المجالي ، والوزير السابق إبراهيم عز الدين، ورئيس الديوان الملكي الأسبق عدنان أبو عودة، ووزير الخارجية الأسبق عبد الإله الخطيب، ونائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور رجائي المعشر فيما يجري المركز حالياً اتصالات مع سياسيين آخرين، أردنيين وعرب وغربيين، من أجل استكمال برنامج المحاضرات والندوات لهذا العام والعام القادم.