تشرين الثاني 21, 2017

المجالي: التناغم العميق والنادر بين الحسين وشعبه عبر بالأردن إلى بر الأمان

 عقد مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية باكورة نشاطات كرسي الملك الحسين الأكاديمي، الذي أطلق العام الماضي، باستضافة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عبد السلام المجالي متحدثا حول ذكريات ومواقف وأحداث نصف قرن عايشها مع الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه.

وتحدث المجالي، وسط حضور نوعي، على كافة الأصعدة السياسية والدولية والشخصية ولم يبق ذكرياته سرا ولم يبخل على الحضور والباحثين بشيء، بدء من التقائهما في بريطانيا، وانتهاء بحضور جنازته.

والكرسي الذي يعكف على توثيق التاريخ الشفوي لمسيرة الحسين ضمن حزمة أهدافه، بدأ باستضافة المجالي باعتباره شاهدا مهما ومؤثرا في عصر الحسين – طيب الله ثراه-. 

الحسين ظاهرة متفردة في القرن العشرين

 بدأ المجالي حديثه بالقول: "إن الحديث عن العظماء ليس عملاً سهلاً ولا يستطيع القيام به وتأديته إلا من مَلَكَ الموهبة والمهارة اللتين لا أمتلكهما، فالحسين ظاهرة متفردة في القرن العشرين ومدرسة محددة الأهداف متكاملة الأبعاد متعددة المناهج حين شكلت بؤرة استقطاب لكل الطامحين للنجاح".

وتحدث المجالي عن المناقب الشخصية للملك الحسين وقال: "إن تواضعه وإنسانيته وتسامحه وحبه للناس وتفانيه في تحقيق مطالبهم وخدمة مصالحهم مثل يحتذى، وهذا ما جعله موضع حبهم وتفانيهم له، والالتفاف حول قيادته".

نظرة استشرافية مذهلة

وأضاف المجالي: "إن الحسين كان صاحب رؤيا يحلم بمستقبل مشرق لوطنه وأمته، ويمتلك خارطة طريق لوطنه واضحة المعالم، وهذه خاصية عز نظيرها، إضافة لما يملكه من نظرة استشرافية مذهلة، ومفهوم يتعلق بالدين الحنيف تفرّد به دون غيره من القادة فكان يدعو للتقدم إلى الإسلام وليس العودة إلى الوراء، سيّما أن الرسالة السماوية ، أمامنا دوماً وعلينا اللحاق بها."

بعد نظر وفكر ثاقب وعلو همة

وأوضح أن هذه الصفات ومعها حنكته وحكمته وشجاعته مكّنته من قيادة الأردن قيادةً نوعية، نقله فيها من موقع التخلف والجهل إلى روابي التطور والعلم الذي جعله متميزا على غيره من دول المنطقة، مبينًا أنه ورغم صعوبة المراحل التي مر بها والتحديات التي واجهها والمؤامرات التي جابهها إلا أنه استطاع أن يصل ببلده إلى بر الأمان، وأن يجعل منه بلدا فاعلا في المنطقة يُصغى إليه عندما يتكلم.

وعرض المجالي لفترة معاصرته للحسين عندما كان أميرًا، ولا يزال دون السابعة عشرة من عمره لكنه تحدث بطلاقة وثقة وبأدب جم ولا يقاطع أحد في كلامه، مضيفًا: "لقد أيقنت حينها بعد نظره وثاقب فكره وعلو همته وخرجت من ذلك اللقاء مبهورا".

واستذكر المجالي بداية تعرفه بالحسين، عندما كان المجالي يتخصص بدراسة جراحة الأذن والحنجرة في القاهرة، مبعوثا من القوات المسلحة "وأثناء زيارتي للسفير المرحوم فوزي الملقي وإذا بالأمير الشاب الذي يدرس في ساند هيرست يحضر إلى بيت السفير. كان لا يزال دون السابعة عشرة من عمره لكنه تحدث بطلاقة وثقة وبأدب جم لا يقاطع أحدا بكلامه، أيقنت حينها بعد نظره وثاقب فكره وعلو همته وخرجت من ذلك اللقاء مبهورا".

وبعد تسلم الحسين الملك، "ورغم صعوبة المرحلة التي كانت تسود المنطقة في خمسينيات القرن العشرين وبعد نكبة فلسطين والعواصف التي كانت تعصف بالبلاد المعروفة بشح مواردها وقلة امكانياتها، اضافة الى وجود قيادة اجنبية تتبوأ قيادة الجيش ونشوء تيار قومي عربي استحوذ على مشاعر الناس، إلا أن جلالته وبحنكته وشجاعته وبعد نظره ضرب أروع الامثلة في قيادة بلاده وتجاوز كل الصعاب، الأمر الذي جعل منه ليس قائدا محليا أو اقليميا بل عالميا، خاصة بعد تعريبه الجيش من قيادته البريطانية عام 1956 ووضع نفسه وبلده وجها لوجه أمام الامبراطورية البريطانية، فواجه ذلك بكل شجاعة وعزم ومن ثم جاءت ما سميت بحركة الضباط الأحرار عام 1957 وانقلاب العراق عام 1958 ناهيك عن العديد من المؤامرات التي حيكت لإسقاط حكمه إلا أنه تجاوزها جميعها.

ولفت إلى ما تعرض له الحسين من صعوبات وأزمات خلال تعرضه للحكم وكيف قام بمجابهتها كلها إلا أن حنكته ساعدته على تجاوزها كلها بدءً من تعريب قيادة الجيش وحركة الضباط الأحرار وانقلاب العراق ومحاولات إسقاط حكمه العديدة، مشيرًا إلى أن هذا كله جعله في وضع لا يحسد عليه سواء أكان ذلك من الأصدقاء أم من الأعداء لكنه في الوقت ذاته ضرب رقما قياسيا بالمحبين والمعجبين الذين رأوا فيه قائدا ملهما وسياسيا محنكا.

إنسان متواضع متسامح محب للخير وللناس

وأضاف: "وفوق هذا كله إنسان متواضع متسامح محب للخير وللناس يطبق الحكمة القائلة "العفو عند المقدرة" فقد كان لا يعرف الحقد على أحد، وقد برهن على ذلك في معاملته لخصومه ومعارضيه عبر مراحل حكمه التي امتدت على مساحة خمسة عقود تقريبا".

وقال المجالي إن أخلاق وعظمة الحسين جعلت زعماء ما يزيد على 90 دولة يحضرون جنازته، كما أنه أحب الناس فأحبوه، مضيفًا أنه لم يُجبر أحد على حب الحسين بل أحبه الناس وبادلوه الحب طواعية "لأن الحسين دافع عنا وعن كرامتنا وحمى مواطنينا وانتمى لنا، وعندما كنا نمرض بنى لنا المستشفيات ولما أرادوا العلم بنى لنا المدارس والجامعات ولما أردنا سكنا بنى لنا آلاف العمارات وشيد الطرقات وجعلنا أغنى بكثير مما نحن".

العدل عند الحسين –طيب الله ثراه- أساس الملك

وذكر أن التناغم عميق بين القائد والشعب ندر أن يكون في بلد آخر، وهذا التناغم كان قوة حافظت على الأردن أن يبقى بأمان رغم الأعاصير، فالعدل عند الحسين أساس الملك فكرا وتطبيقا، والجيش هو حامي الحمى وضامن الأمن، والقدس رمز الشرعية الدينية، والمواطن الصالح هو وسيلتها المنتجة والمحرك وكل هذه تتفاعل ضمن نظام منسق متكامل وكما قال ابن خلدون: "الجيش بالخزانة والخزانة بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل أساس الملك".

كما استعرض المجالي مرحلة السلام مع الاحتلال الإسرائيلي، قائلًا: "إن الملك المؤسس والملك الحسين كانا يؤمنان بالسلام بعد حساب دقيق لموازين المعركة وهذا الإيمان لم يأت عبثًا."

وأضاف: "إن الغرب غيّر استراتيجيته في المنطقة بعد حرب الخليج، فبدلًا من أن تكون إسرائيل هي المخفر المتقدم لهم من أجل حماية البترول، أصبحوا هم موجودون في الخليج فعلًا، مما جعل إسرائيل دولة حقيقية في المنطقة، وتم البدء بحرب السلام."

وأشار إلى تجربته في المفاوضات حين ذهب على رأس الوفد إلى مدريد وكيف عين الملك أعضاءً فلسطينيين على غير الاتفاق مع الاحتلال.

مدرسة أخلاق وقيم ومبادىء وقدوة قل مثيلها

وختم المجالي بالقول: "إن الحديث عن الحسين هو حديث عن مدرسة أخلاق وقيم ومبادئ مدرسة قيادة وقدوة قلّت مثيلاتها في القرن العشرين، وما ذكرته وما كان لي أن أذكره منها لو أتيح لي الوقت لن يكون أكثر من نقطة في بحر، ومع يقيني التام بأن الذين عاصروه لهم معه موقف إنساني أو قصة إن لم يكن كلهم، فجلّهم، فمكونات شخصيته متعددة ومكملة لبعضها البعض إلا أن إنسانيته تطغى على جميع هذه المكونات وقد تجلت هذه الإنسانية في أوقات الشدة والضيق وعند المنعطفات الحادة التي كانت في حياته رحمه الله".

الدروس والعبر والحكم من سير العظماء

وألقى مدير مركز الدرسات الدكتور موسى الشتيوي كلمة أكد فيها اهمية استقاء الدروس والعبر والحكم من سير العظماء، وفي مقدمتهم جلالة الملك الراحل الحسين طيب الله ثراه، لا سيما حين تروى الحقائق من الرموز الكبيرة التي عاصرته وعملت بمعيته لأكثر من نصف قرن امثال الدكتور عبدالسلام المجالي.

وأضاف شتيوي أن الكرسي يعكف على استضافة باحثين عالميين وأردنيين متخصصين في العلاقات الدولية ومنطقة الشرق الأوسط للعمل على مشروع بحث أو كتاب ضمن أهداف الكرسي، وإطلاق مشروع بحثي لإجراء دراسات معمقة ومتخصصة حول أهم المحطات في حقبة الحسين.

ولفت إلى أن الكرسي سيعمل على إنشاء مكتبة لتوثيق كل الأعمال والأنشطة الخاصة بمسيرة الحسين إلى جانب عقد المؤتمرات والندوات المتخصصة للإلمام بالسيرة الكاملة للحسين.

وكشف شتيوي أنّ هنالك سلسلة من المحاضرات والندوات المقبلة، التي يعقدها مركز الدراسات، ضمن البرنامج نفسه، لنخبة من السياسيين الأردنيين، خلال حقبة الحسين، منهم وزير الخارجية الأسبق حازم نسيبة، والوزير السابق إبراهيم عز الدين، ورئيس الديوان الملكي الأسبق عدنان أبو عودة، ووزير الخارجية الأسبق عبد الإله الخطيب، ونائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور رجائي المعشر فيما يجري المركز حالياً اتصالات مع سياسيين آخرين، أردنيين وعرب وغربيين، من أجل استكمال برنامج المحاضرات والندوات لهذا العام والعام القادم.