تشرين الثاني 07, 2017

 * محمد أبو رمان



مجدّداً عادت السعودية إلى الأجندة الإعلامية الدولية والعربية، بوصفها الملف الساخن، وهو أمر بحدّ ذاته غريب، غير اعتيادي، على دولة امتازت لعقود بحالة من السكوت والتآني في السياسات، وفي التعاطي مع ما يجري في الداخل وحولها.

        من الواضح أنّ هنالك "ورشة تغيير" ضخمة، تبدأ بإعادة صوغ علاقة الدولة بالمجتمع، وما تزال تمرّ في عملية ترتيب "بيت الحكم" في الداخل، وتنتهي بالتكشير عن الأنياب في الخارج، وهي ملفات وتحديات هائلة أشبه بالقفز إلى "حقل ألغام" بجسارة ملحوظة!

      الخطوة الأكثر خطورة، في ظني، هي إعادة صوغ العلاقة مع المجتمع، فجملة من القرارات التي تمّ اتخاذها تنمّ عن "تحول تاريخي" في الاتجاه، ما يمكن أن نختزله بفك الاشتباك بصورة متدرجة مع المؤسسة الدينية الرسمية، ومع المدرسة السلفية، التي مثّلت على الدوام "الأيديولوجيا غير الرسمية" للدولة السعودية، كأساس لمشروعية تاريخية وسياسية طويلة المدى.

      العلاقة بين الطرفين (الحكم والدعوة) بدأت بالاهتزاز خلال العقود الماضية، ومثّلت أحداث 11 سبتمبر نقطة تحول كبيرة، بعدما انتقلت القاعدة (التي يقودها السعودي أسامة بن لادن إلى مرحلة استهداف الأميركيين، وشارك في الهجمات أغلبية سعودية وخليجية)، إذ بدأت الانتقادات الغربية تزيد، وأخذت الأصوات في الولايات المتحدة الأميركية تتحدث بصورة مختلفة في مراكز الدراسات والتفكير عن العلاقة مع السعودية، وهي الحالة التي استمرت وتطوّرت وظهرت في مقالات ودراسات وكتب عديدة، حتى أفصح عنها الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، في أكثر من مرّة متسائلاً عن المضمون الحقيقي للصداقة الأميركية- السعودية.

      ولي العهد، الذي يعتبر اليوم هو المهندس الحقيقي لهذه التحولات والقرارات والسياسات، أراد من السماح للمرأة بقيادة السيارات، واعتقال قيادات سلفية معروفة عالمياً مع قيادات إخوانية سعودية، ممن عرفوا بمصطلح "الصحوة" في السعودية (كاتب سعودي مرتبط بالحكم أطلق على المعتقلين مصطلح "خلية قطر الإخوانية")، وكذلك الأمر إرخاء بعض القيود على الحياة الاجتماعية والثقافية السعودية القول بأنّ السعودية بدأت التغيير، وأنّ ما كان ينظر له بأنّه زواج كاثوليكي، ليس كذلك، وأنّ هنالك خطوات أخرى باتجاه الانعتاق من العلاقة التاريخية وتغيير قواعد الشرعية الدينية والسياسية.

       خصوم الرجل ينظرون إلى ما قام به بأنّه أقرب إلى التسويق الخارجي لتسهيل وتمرير عملية انتقال الحكم بسلاسة وبمباركة غربية ودولية، نظراً لقراراته المفاجئة، التي لقيت ترحيباً شديداً في الغرب وفي كثير من الأوساط العربية، لأنّ مثل قرار منع المرأة من قيادة السيارات كان ينظر له أقرب إلى النكتة في القرن الحادي والعشرين، ومع الارتفاع المذهل بنسبة النساء السعوديات المتعلمات الجامعيات، اللواتي درسن في الخارج والداخل، وحتى في أوساط الإسلام السياسي لم يعد أحد يؤمن بهذه السياسة سوى المدرسة السلفية التقليدية المتحالفة مع الحكم!

      مع ذلك، وبالرغم من هذه "الدعاوى"، فإنّ ما قام به بن سلمان يكشف عن عقلية جديدة مختلفة في إدارة الحكم، حتى في الخطاب السياسي، فلم يحيط ما قام به بالغموض، بل صرّح بوضوح  " سنعود إلى الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على جميع الأديان". وأوضح أن 70 في المائة من الشعب السعودي أعمارهم لا تتجاوز الـ30 سنة، وأضاف " وبكل صراحة لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة. اتخذنا خطوات واضحة في الفترة الماضية بهذا الشأن، وسنقضي على بقايا التطرف في القريب العاجل، ولا أعتقد أن هذا يشكل تحدياً، فنحن نمثل القيم السمحة والمعتدلة والصحيحة، والحق معنا في كل ما نواجه، وسندمرهم اليوم فوراً".       

        يضاف إلى سؤال العلاقة بين الدولة والدعوة، إعلان إيقاف أمراء ورجال أعمال ووزراء كبار بتهمة الفساد، وإعلان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته من الرياض (في سابقة سياسية ستؤرخ)، ومباركة الرئيس الأميركي ترامب لهذه السياسات والقرارات، وعودة التصعيد المفاجيء للأزمة السعودية- الإيرانية، وما قد ينتظر أزمة الخليج (السعودية/ الإمارات – قطر) من تصعيد، فكل هذه التطورات تتكثّف وتتجمّع في لحظة تاريخية واحدة مفصلية، وربما حاسمة، في تاريخ السعودية، وتتزامن مع التراجع الملحوظ في أسعار النفط، والدخول في دورة اقتصادية جديدة بالنسبة للسعودية والسعوديين، غير مقروءة النتائج بعد.

     بالنتيجة، فإنّ الأمير الشاب، الذي يقود السفينة وسط هذه التطورات والتحولات والأزمات، ويسير نحو الإمساك بأزمّة الحكم والسلطة في بلاده، يدخل إلى لحظة دقيقة جداً، من الواضح أنّه يعتمد فيها على موافقة أميركية، لكن تحديداً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا نعرف ما هو موقف المؤسسات الأميركية الأخرى مما يحدث، وإقليمياً على التحالف الكبير بينه وبين ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، وداخلياً على التيار الليبرالي من الرجال والنساء، وعلى شركات ورجال أعمال وجيل من الشباب الذي يبحث عن مستقبل مختلف عمّا كانت عليه الحال في العهود السابقة.

     تبدو مثل هذه التوجهات في الداخل، وإظهار الأنياب في الخارج، ذات بريق شديد لدى الشرائح السابقة التي يراهن عليها الأمير، بخاصة أنّ الوضع السابق لم يعد قابلاً للاستمرار، وأصبحت السياسات السعودية خلاله مثاراً للنقد وأحياناً للسخرية، مع ارتفاع نسبة طبقة من المتعلمين في الخارج، وارتفاع منسوب البطالة وازدياد الشباب الذين يبحثون عن التغيير.

    مع ذلك، فإنّ هنالك ارتباكاً كبيراً في الرأي العام السعودي تجاه ما يحدث، بخاصة أنّ هنالك التباساً لديه، جرّاء التحليلات الإعلامية والسياسية الهائلة التي تغرقه في تفسير ما يحدث، وتربط ذلك بفرضية التحضير لمرحلة انتقال للسلطة فقط، أولاً، وأنّها تصفية حسابات داخلية ثانياً، وأنّها لا تتوازى مع انفتاح سياسي وإصلاح داخلي بل على النقيض إسكات كل الأصوات المعارضة، وإقصاء الأصوات غير المؤيدة أو معاقبتها.

   أيّاً كان التفسير؛ العبور نحو عقلية جديدة في إدارة الدولة، والتخلص من العقليات القديمة المحافظة، أو الأزمة الداخلية وترتيب الحكم، فإنّ المهم هي النتائج والتداعيات، وهنا تبدو الرهانات السابقة للأمير بن سلمان (إدارة ترامب+ الإمارات+ الشباب الليبراليون+ الجيش والأمن) ليست صلبة ولا راسخة، على الأقل في المعادلة الداخلية، التي تمتاز فيها السلفية بالجذور العميقة الراسخة، بخاصة التيار السلفي الحركي (الصحوة)، الذي يمتلك قاعدة شعبية عريضة وقوية، وهو في حالة غضب وتوتر نتيجة اعتقال قياداته، وفي مقدمتهم د. سلمان العودة، والقلق من وجود تحول في "هوية الدولة".

      ليس ذلك فحسب، حتى المؤسسة الدينية التقليدية، وعلى رأسها هيئة كبار العلماء، هي الأخرى بالضرورة لا تشعر بالرضا عن التحولات الجارية، وقد تفقد ما تبقى من "تأييد اجتماعي"، ويتسرب أعضاؤها إلى التيارات الأخرى، والحال نفسها للتيار الجهادي الصلب في السعودية، الذي سيستثمر كل ذلك لصالحه، والأقلية الشيعية التي لم تستفد من هذه التطورات، بل ربما تضررت من التصعيد الحالي مع إيران!

      الاصطدام بهذه التيارات والشرائح الاجتماعية العريضة ليست مسألة بسيطة أو سهلة، بل هو أشبه باشتعال حرب داخلية صامتة خطيرة، على المدى البعيد، بالتزامن مع توتر في العلاقة مع إيران وقطر، مع وجود إدارة أميركية غير مستقرة تماماً!

       بالنتيجة؛ السعودية تمرّ اليوم بأخطر منعرج، على الإطلاق، في تاريخها المعاصر، فإمّا أن تخرج منه بصيغتها الجديدة، أو تنزلق إلى مرحلة خطيرة!   


باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية