نيسان 12, 2015

باحث عراقي يراجع تطوّر "المسألة الشيعية" في العراق

حيدر سعيد: إيران كانت تبحث عن نصر معنوي في تكريت

    عمان-  كشف الباحث العراقي، د. حيدر سعيد، أنّ هنالك انقساماً بين تيارين في الأوساط الشيعية العراقية تجاه الأحداث الجارية، الأول ويقوده نوري المالكي، الذي أصبح بمثابة "رجل إيران" في العراق اليوم، يرى بأنّ المعركة هي اليوم بين محورين إقليميين؛ الأول هو الإيراني- الشيعي، والثاني هو العربي- السني، وليس أمام العراق خيار آخر إلاّ الاصطفاف مع المحور الإيراني، فيما يرى التيار الثاني (الذي يتشكل من النجف والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية والتيار الصدري) بأنّ سياسات المالكي أضرّت بالوضع السياسي والأمني في العراق، وأنّها سبّبت التقدم الأخير لتنظيم داعش وعززت الأزمة مع المجتمع السني.

     وأوضح سعيد، في محاضرة له في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية يوم الأربعاء الماضي، أنّ الولايات المتحدة الأميركية لم تكن راضية عن معركة تكريت، بينما إيران كانت تبحث عن نصر معنوي في العراق عبر هذه المعركة. وتحدث عمّا أسماه بـ"دولنة الميليشيات" عبر تبني الحكومة لها بالدعم اللوجستي والمالي في أشكاله المختلفة المتنوعة، من التسليح إلى الرواتب والذخائر.

    وتحدث سعيد عن وجود تشكيلات واسعة من القوى الشيعية المشاركة في قوات الحشد الشعبي، فيما يقارب 50 تنظيم، تتعدد في أجنداتها ورؤاها حول الموقف السياسي الراهن، فهنالك عصائب أهل الحق، وحزب الله، وجيش المهدي، وكتائب الإمام علي وغيرها، وبعضها تأسس بعد فتوى "جهاد الكفاية" التي أطلقتها المرجعيات الشيعية في النجف على أثر سيطرة تنظيم داعش على الموصل في العام الماضي.

    وذهب سعيد إلى أنّ رئيس الوزراء العبادي يواجه تحديات كبيرة، ويحاول أن يمسك العصا من المنتصف، فهو يريد أن يضع حدّاً للسياسات الطائفية والمواقف الطائفية، لكنه في الوقت نفسه يخشى من خسارة التأييد الشعبي الشيعي، الذي نجح المالكي في حشده على أساس المعركة الحالية من منظور لا يقف عند حدود اعتبار داعش امتداداً للسياسات العربية في العراق، بل يتعامل مع الفرقاء السنة على الأساس نفسه.

      وعاد الباحث العراقي، في محاضرته ونقاشه مع نخبة من السياسيين الأردنيين والعراقيين في مركز الدراسات الاستراتيجية، إلى جذور "المسألة الشيعية" في العراق، والمحطات الرئيسة التي مرّت بها في العراق المعاصر، مشيراً إلى أنّ العام 2003 كان بمثابة العام الذي شهد انفجاراً في تناول المسألة الشيعية والطائفية في العراق بعدما كانت من المحرّمات سابقاً.

    فكّك سعيد، عبر استعراضٍ تاريخي، تطوّر العلاقة بين الهوية الشيعية والعراق المعاصر، منذ ثورة العشرين إلى المرحلة الراهنة، مروراً بتأسيس الأحزاب الشيعية في العراق منذ فترة الخمسينيات، فأشار إلى أنّ الحكم في العراق منذ البداية صبغ الدولة بطابع أحادي يقوم على هوية سنيّة، عربية، حتى أنّ الضباط الشريفيين (الذين شاركوا في الثورة العربية الكبرى) اعتبروا ثورة العشرين بمثابة امتداد للثورة العربية الكبرى، لذلك صبغوا الدولة العراقية منذ الثلاثينيات بالطابع القومي والسني.

    بالعودة إلى الأحزاب الشيعية، وبروز الهوية الشيعية في المشهد السياسي العراقي، أشار سعيد إلى أنّ الشيعة قبل بروز الأحزاب المرتبطة بهم في العراق كانوا مندمجين في الأحزاب الإسلامية الأخرى، مثل جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير، وهنالك قيادات شيعية معروفة في هذا السياق، بل هنالك شخصيات شيعية قيادية معروفة في تأسيس حزب البعث العراقي.

    تأسيس حزب الدعوة الإسلامي جاء في العام 1959 ردّاً على انقلاب العام 1958، وتنامي النفوذ اليساري والشيوعي في البلاد، وبالرغم من أنّ حزب الدعوة كان الأقرب إلى النجف ومثّل النموذج الشيعي- السياسي العراقي إلاّ أنّه لم يتبنّ نظرية واضحة محددة في الدولة والنظام السياسي.

    المفارقة الأخرى، التي أشار إليها سعيد، أنّ المرجعية الشيعية العراقية في النجف، تحديداً السيستاني، لم تتبنّ نظرية ولاية الفقيه العامة، التي نظّر لها الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية، الذي كتبه في النجف في العراق خلال مرحلة وجوده هناك، إذ تتبنّى المرجعية الشيعية في العراق مبدأ "الولاية الخاصة" للفقيه، وقد طوّر محمد باقر الصدر نظرية سياسية في بداية الثمانينيات في كتابه "خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء"، الذي يرى فيه إقامة حكم مدني بإشراف أو مرجعية دينية، وهو المفهوم، الذي يرى سعيد أنّه يحكم النموذج السياسي الشيعي العراقي اليوم.

   عند هذه النقطة توقف الباحث العراقي ليبين أهمية دور النجف في المشهد السياسي الحالي، مشيراً إلى أنّ هذه المؤسسة الدينية بمثابة اللاعب السياسي الأبرز والأكثر أهمية وقوة، وتتميز بثلاثة سمات أساسية؛ الأولى أنّها ذات طابع مركزي شديد، بالرغم من أنّها في بنيتها شبكية وليست هيراركية. والثانية أنّها تتدحرج نحو الشأن الوطني والاندماج فيه، فتصبح مرجعية وطنية دينية عراقية، بالرغم من أنّ فتاويها عابرة للحدود، إلى أنّها تقترب كثيراً من الهم العراقي وملابساته السياسية والاجتماعية. والثالثة أن هنالك صراعاً بين أنواع من الثنائيات؛ ثنائية النجف/ قم، العلماء العرب/ الإيرانيون.

    ومن المفارقات الأخرى، التي أشار إليها سعيد، هي أنّ السيستاني، على سبيل المثال، إيراني، ما تزال جنسيته إيرانية، لكنه في انتمائه ومواقفه الفقهية والدينية هو "نجفي في مواجهة قم".

     ثم تتبّع سعيد التحولات التاريخية والسياسية التي حدثت لدى القوى الشيعية في العراق، منذ تأسيس حزب الدعوة والانشقاقات التي حدثت فيه، وبروز مجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق في الثمانينيات باحتضان إيراني، وصولاً إلى التيار الصدري في التسعينيات، ليقرر بأنّ هذه الاتجاهات الثلاثة هي الاتجاهات الشيعية الرئيسة والفاعلة (في العراق) في الأعوام الأخيرة، وهي التي تفرعت عنها الفرق والتنظيمات والميليشيات المختلفة الفاعلة اليوم في المشهد الحالي.

    أقرّ سعيد بأنّ القوى الشيعية في العراق لم تكن تملك تصوراً عميقاً لنموذج متعدد الهويات، وهو النموذج الذي تمّ القضاء على عناصره الرئيسة في العام 2005، ونجح النموذج الاحتكاري، الذي كان يطبق في العراق خلال مرحلة حزب البعث بأن يسود مرّة أخرى، وتم استبدال الحديث عن المظلومية الشيعية في العراق خلال تلك العقود بالأزمة السنية خلال أعوام ما بعد الاحتلال الأميركي.

    وحمّل سعيد المنظمات الشيعية العراقية المسؤولية الأولى عن صياغة الدولة الأحادية في العراق، وهي التي تكرست مع الأعوام الثمانية التي حكم فيها نوري المالكي العراق، وهي الفترة الأطول منذ العام 2003، ما جعل من هذه الصيغة هي الأكثر تجذّراً وهيمنة وتشدداً إلى درجة صدور دراسات أكاديمية معتبرة تعتبره "حكماً تسلطياً"!

     خلال النقاش والحوار بين الباحث والحضور أشار إلى مفارقة مهمة تتمثّل في أنّ المالكي في بدايته كان يمثّل التيار العروبي داخل حزب الدعوة في مواجهة النفوذ الإيراني، وكان يسعى إلى التحول نحو حكم وطني يشمل الجميع، ويأخذ مسافة عن طهران، إلى أنّه بدأ مع مرور الوقت ينزاح ويتدحرج نحو النموذج الطائفي والتسلطي وأصبح لاحقاً الأكثر قرباً لطهران من المنظمات الأخرى.

     ولم يخل سعيد مسؤولية العرب في نفوذ إيراني الحالي في العراق وتبعية قوى سياسية شيعية لطهران، إذ أنّ العرب شعروا بقلق شديد بعد احتلال العراق من صعود القوى الشيعية في العراق وأبعدوها ولم يحتضنوها، ورفضوا أن يفتحوا لها الأبواب، كما أنّهم، أي الحكومات العربية، كانوا يخشون من المشروع الأميركي في المنطقة خلال تلك المرحلة، الذي كان يتبجّح بأن العراق سيكون مفتاح التغيير السياسي وانتقال الحكم من النظام التسلطي إلى الديمقراطية، ما جعل الدول العربية تنظر بتوجّس لهذا النموذج وللقوى السياسية الشيعية التي صعدت إلى الحكم في العراق معه.

abortion at 10 weeks partial abortion abortion clinics austin tx