شباط 04, 2015

الامتدادات الجغرافية والبشرية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

إبراهيم غرايبة

تحاول هذه الدراسة أن تقدر الوجود البشري والجغرافي لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية (داعش) وسوف تشير إليه لاحقا باسم "داعش"، وهي بالطبع دراسة تقريبية محكومة بالمصادر المتاحة وما يكتنفها من غموض وانحياز، ولكنها تعتمد أساسا على مقاربات تقديرية واستنتاجية يمكن الركون إليها، فمن الواضح أن داعش يملك موارد بشرية ومالية مكنته من السيطرة على اجزاء واسعة من العراق وسورية وأن يقيم شبه دولة تدير شؤون الناس وحياتهم كما تسيطر على الأراضي والمؤسسات وحقول النفط فيها، ومن الواضح أيضا أنه يمتلك تأييدا فكريا واسعا في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي وبين المسلمين في العالم يمكن ملاحظته بالمتطوعين الذين يتدفقون الى مناطق داعش للمشاركة معها في العمل والقتال، ويمكن أيضا ملاحظة وتقدير قوتها العسكرية بقدرتها على انتزاع مدن ومناطق واسعة في سورية والعراق ودحر القوات السورية والعراقية في تلك المناطق، وتخلص الدراسة إلى أن داعش كتنظيم سوف ينحسر بفعل المواجهة العسكرية الجارية، ولكن التشدد الديني والسياسي يرتبط وجوده ونموه بمجموعة من العناصر التي لا يمكن إزالتها بالقوة العسكرية، وهي الاحتلال والتهميش والظلم والفشل الاقتصادي والتنموي وغياب الدولة وسيادة القانون.

تتكون الدراسة من المحاور التالية:

1-      داعش: نظرة عامة

2-      الامتداد التاريخي والفكري التراكمي لداعش

3-      الوجود الجغرافي والمؤسسي لداعش

4-      مستقبل داعش وفرصه في الوجود والامتداد والانحسار

نظرة عامة

استطاع تنظيم الدولة الإسلامية أن يسيطر على مناطق واسعة من العراق وسورية، ويؤشر ذلك بالتأكيد على قوة هذه الجماعة وتأثيرها، ورغم أن التنظيم شغل العالم منذ سيطرته على مدينة الموصل ثاني المدن العراقية، فإنه في الواقع كان يسيطر على مناطق واسعة من العراق منذ العام 2003، ويملك التنظيم موارد مالية متأتية من النفظ والنشاط الاقتصادي القائم في مناطقه يمكن تقديرها وملاحظتها بقدرته على توفير السلاح والتمويل لعملياته ومؤسساته ورجاله.

ويمكن أيضا ملاحظة التاييد الفكري والاجتماعي والسياسي لداعش بالنظر إلى حالة العرب السنة في العراق وسورية والذين يمثلون قاعدة اجتماعية واسعة للتنظيم إضافة الى البعثيين وقوات الجيش العراقي السابق واستخباراته والتي يمكن أن تشكل قوة ضاربة ومصدرا للخبرات والقتال، وكذلك المنشقين عن الجيش السوري، وفي صفوف المظلومين والمهمشين في أوروبا والدول العربية والإسلامية، والجماعات الإسلامية ومؤيديها والمتدينين في أنحاء العالم والذين يملكون رؤية دينية مشحونة بالإيمان وعزيمة على العمل والقتال وطاقة لاحتمال الأعباء والتضحيات المترتبة على ذلك، وفي سلسلة تاريخية طويلة ومتصلة  من الهزائم والردود عليها ومحاولات استرداد الكرامة والخلافة الإسلامية المهدورة منذ مائة عام، ولكنها تبلورت على نحو واضح وصلب متماسك منذ اواخر الستينات عندما تشكلت موجة إسلامية واسعة نشأ وتطور حولها جماعات إسلامية واسعة تحظى بشعبية كبيرة وبقدرات تنظيمية وعسكرية مهمة، وفي التاثير والقيادة في دول عربية واسلامية عدة سواء بالثورات او المشاركة السياسية، إيران والسودان وتركيا والمغرب ومصر والجزائر وتونس وافغانستان وفلسطين ولبنان والعراق.

ويمكن ملاحظة المد الإسلامي وتطوره واستمراره في كل تجلياته وتطبيقاته بوضوح في مصر منذ اوائل السبعينات عندما دخلت في مواجهات مسلحة طويلة وممتدة مع النظام السياسي؛ لم يكن اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات الا حلقة فيها، والوجود الشعبي والسياسي الممتد في الجامعات والنقابات والذي توح بالنجاح الكاسح في الانتخابات النيابية والرئاسية ثم ما اعقبه من مواجهة عنيفة، والثورة الإسلامية في إيران والتي نجحت منتذ عام 1979 في تثبيت نظام سياسي إسلامي قوي في إيران يملك نفوذا وامتدادات قوية ومؤثرة في العراق ولبنان وسورية واليمن، وفي الثورة الإسلامية في افغانستان منذ العام 1978 وتطوراتها على مدى السنوات وتحولها الى دولة حاضنة للجماعات الجهادية.

ويتجاوز الوجود الإسلامي الصيغ السابقة إلى شبكات اسلامية واسعة وممتدة وعملاقة، من المؤسسات الاجتماعية والدعوية و المساجد والجامعات والمدارس والفضائيات ووسائل الاعلام والمناهج التعليمية .. ولا بد أن لداعش من ذلك كله نصيب!

ويملك موارد مالية كافية تقدرها مصادر سي ان ان بملياري دولار سنويا(1)، مستمدة من حقول النفط والمناطق والمدن التي تسيطر عليها، والأراضي الزراعية الخصبة والتي تقدم موارد ومحاصيل وافرة.

وبحسب التقرير المشار إليه في الهامش رقم 1 فإن داعش يحصل على الاموال من ستة مصادر:

1 – الابتزاز: يشير مجلس العلاقات الدولية بأنه وفي عام 2013، عندما كانت مدينة الموصل تحت سيطرة العراق، كان تنظيم "داعش" يحصل على ثمانية ملايين دولار شهرياً من خلال سلب الأموال وفرض الضرائب على أصحاب الأعمال المحليين، ومع إحكام التنظيم سيطرته على مناطق واسعة من العراق يتوقع بأن يتضاعف هذا المبلغ، كما ظهرت تقارير أشارت إلى أن التنظيم يقتطع جزءاً من المساعدات الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرته.

2-       المخدرات وعمليات الخطف وغسيل الأموال: تقوم "داعش" بتحصيل الأموال بتكتيكات مألوفة لمنظمات المافيا أكثر منها لجماعات جهادية ثورية، إذ قال مراسل "The Daily Beast" جوش روجين، لـ CNN بأن التنظيم يمتاز "بالحصول على أمواله من خلال نشاطات جمع تبرعات إرهابية (مثل) الخطف والسرقة والسطو، ولهم معاملات بالاتجار بالمخدرات، ومخططات لغسيل الأموال، إذ اختطفت أعداد كبيرة من المواطنين الأتراك والهنود خلال الأسبوع الماضي، بعد تغلغل "داعش" في مناطق واسعة شمال غرب العراق

3- الكهرباء:  أشارت صحيفة "The New York Times" بأن "داعش" تقوم ببيع الكهرباء لحكومة الأسد، من مصانع للطاقة تخضع لسيطرتها في شمال سوريا، وقد تمكن التنظيم بالقيام بهذه العمليات بشكل سهل بعد أن أوضح النظام السوري ملاحقته لجماعات معارضة أخرى في المنطقة، وقد أظهرت الحركة توجهاً للسيطرة على مصانع توليد الطاقة في العراق أيضاً.

4-النفط: تعتبر المناطق في شمال سوريا غنية بالنفط، وتحصل "داعش" على تمويل من خلال بيعها النفط الخام للحكومة السورية، ومع تقدم الحركة في العراق، حيث تكثر حقول النفط، فإن فرص حيازته للمزيد من منابع الذهب الأسود قريبة للواقع، إذ قامت الحركة، الأسبوع الماضي، بشن هجوم على مصفاة "بيجي" لتكرير النفط في كركوك، والتي تعتبر الأكبر من نوعها في الدولة.

5-      التبرعات: أشار مراسل "The Daily Beast" جوش روجين، في تقارير إلى أن "داعش" حصلت على تمويل من خلال متبرعين أثرياء، كما أن حركة "داعش" نشرت تقريراً لنشاطاتها (أبرزت فيه نجاح عملياتها وتوسع نطاق نفوذها)، في خطوة أشار إليها محللون في مركز "Institute of War" بأنها محاولة لإظهار قدرات الحركة للمتبرعين المتعاطفين مع قضيتها.

6-       "غنائم الحرب" كسب مقاتلو "داعش" كثيراً من سيطرتهم على الموصل، التي تعتبر ثاني أكبر المدن العراقية في بداية يونيو/حزيران، إذ سطت الحركة على البنك المركزي وغيرها من المراكز المالية في المدينة، وحصلت على مبلغ كبير من الأموال قدرت لتساوي 430 مليون دولار. ووفقاً لبعض الحسابات، فإن هذا المبلغ ساعد في بلوغ الحركة ميزانية تساوي ملياري دولار، وهو مبلغ لم تملكه أي من الحركات الأخرى مثل القاعدة أو طالبان، يأتي هذا في الوقت الذي أشارت فيه مدونة "The Money Jihad" إلى أن "داعش" تملك حالياً ميزانية أكبر من بعض الدول مثل تونجا وكيريباتي.


 

الامتداد التاريخي والفكري لداعش

ظهر تنظيم القاعدة في العراق بقوة منذ العام 2003، وكان يبدو واضحا انه يستمد وجودا وتأثيرا من البيئة الدينية التي بدات بالنمو والازدهار، وتمتعت في التسعينات بغض الطرف والدعم أيضا من قبل النظامين السياسي في سورية والعراق، كما ان الوجود الاسلامي القتالي في أفغانستان منذ اواخر السبعينات، والذي توج بالهجوم على مركز التجارة العالمي في 11 أيلول سبتمبر 2001 وهيمنة طالبان على افغانستان ومناطق القبائل البشتونية في باكستان أمد القاعدة في أفغانستان والعراق بمصادر إضافية من التدريب والتمويل والمتطوعين، وقبل ذلك كان الوجود الإسلامي القتالي يتشكل بوضوح وقوة في مصر منذ اوائل السبعينات وفي سورية واليمن والجزيرة العربية،... وبدأت تظهر بوضوح أيضا جماعات إسلامية متشددة وتتمدد في أوساط الشباب والمساجد في الدول العربية والإسلامية وفي أوساط المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة.

يجادل الكاتب أن التطرف الديني ظاهرة ثقافية اجتماعية ليست طارئة على المجتمعات العربية والإسلامية وليست حالة خارجة عن السياق والتطور التاريخي والاجتماعي للعرب والمسلمين، وأنها تعبر عن أزمة التحولات الاجتماعية والتاريخية، والعجز عن التكيف والقدرة على استيعاب الحضارة الحديثة بمتطلباتها وشروطها، والفشل في تنظيم الصراع والتنافس على السلطة  سلميا، وأن الدين يقرأه ويطبقه اتباعه وفقا للحالة الحضارية والاجتماعية التي يعيشونها، وهم في ذلك ينشئون "تدينا" مستمدا من التحديات القائمة والإمكانيات العلمية والفكرية التي يحوزونها، والبيئة المحيطة بهم وما ينازعهم من دوافع ومصالح واهواء... أو باختصار وبساطة إنها مسألة انسانية مستقلة عن النص الديني نفسه، تستمد وجودها من وسائل الدفاع في مواجهة التهميش والاقصاء والظلم وبسبب الفساد والتخلف، وقد كان هذا التطرف يتحالف او يحتمي بالتجمعات القومية واليسارية في مرحلة سابقة للمدّ الإسلامي عندما كان التيار القومي واليساري هو الاكثر حضورا في الاوساط الشبابية والاجتماعية العربية، والظاهرة نفسها يمكن ملاحظتها أيضا في أووربا في منتصف القرن التاسع عشر عندما تشكلت حركات ثورية قومية وشيوعية وفوضوية مناوئة للانظمة السياسية وتحاول ان تعبر عن الشعور بالظلم والاحتجاج.

بدأ التطرف "الإسلامي" القائم اليوم في ستينات القرن العشرين، ورافق موجة المد الإسلامي الذي بدأ بعد هزيمة 1967 والتي كانت انكسارا للروح العربية لم تفق منها الأمة بعد. وقد انتشرت بين مجموعة من شباب الإخوان المسلمين المعتقلين في السجون المصرية وبين الشباب المقبل على التدين في نهاية الستينات رؤيتان تؤسسان لاتجاهين من الجماعات والأفكار، وهما الحاكمية، والمجتمعات الجاهلية.

وقامت على أساس فكرة الحاكمية جماعة الجهاد بقيادة محمد عبد السلام فرج، وكان من قادتها عمر عبد الرحمن وأيمن الظواهري، وفكرتها ببساطة أن الحكومات والأنظمة السياسية قد كفرت بعدم تطبيقها للشريعة الإسلامية لقوله تعالى "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" ولكن هذه الرؤية التكفيرية امتدت إلى المجتمعات ووصفها ب"الجاهلية" باعتبار أنها مجتمعات لا تحكمها الشريعة الإسلامية، وتطورت الرؤية هذه لدى جماعات مثل التكفير والهجرة إلى اعتبار الأمة قد ارتدت عن الإسلام، وأنه لا يوجد مسلمون إلا أعضاء جماعة "المسلمين" وهم أتباع جماعة التكفير والهجرة التي كان يقودها شكري مصطفى. وأقبل على الجماعتين عدد كبير من المؤيدين والأتباع من الشباب في مصر، ثم امتدت هذه الأفكار على أنحاء مختلفة ومتفاوتة إلى الجماعات والأفراد في العالم الإسلامي وبين المسلمين في الغرب.

ووجد النظام السياسي في مصر نفسه في مواجهة قاسية ومعقدة مع شبكة إسلامية مسلحة ومعبأة وتملك وسائل واتصالات مع المجتمعات والدول والعصابات وتعبر الحدود وتخترق المؤسسات والمجتمعات، وتعرضت مصر منذ منتصف السبعينات لموجة عارمة من العنف من أشهرها حادثة المدرسة الفنية العسكرية بقيادة صالح سرية (إسلامي فلسطيني) عام 1974، ثم في عمليات إرهاب وخطف تمارسها جماعة التكفير والهجرة، أهمها عملية اختطاف واغتيال وزير الأوقاف المصري الشيخ محمد الذهبي عام 1977، ثم اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات عام 1981 على يد مجموعة عسكرية تنتمي إلى جماعة الجهاد، ثم موجة من العنف والتفجير والاغتيالات على مدى عقدي الثمانينات والتسعينات.

 وساهمت أفغانستان التي تحولت إلى مقر آمن ومناسب للجماعات الإسلامية من جميع أنحاء العالم في عولمة العنف و"التطرف الإسلامي" وتلك قصة أخرى. وامتد العنف والتطرف إلى الوطن العربي والعالم الإسلامي والمسلمين في الغرب، وكأنما فتح صندوق الشرور فتطايرت إلى كل مكان.

وبعد الحادي عشر من أيلول 2001 يمكن ملاحظة خصائص جديدة للمشهد الإسلامي مختلفة عن المرحلة السابقة أهمها صفتان أساسيتان هما:

الأولى هي الصعود الكبير للحركات السلفية الجديدة القائمة على العنف والتطرف وذات الجذور والامتدادات في الجزيرة العربية، وتميزت أيضا باجتذابها أعدادا كبيرة من المتطوعين والمؤيدين، وقدرتها على تنظيم أعمال مقاومة مسلحة، كما يحدث اليوم في أفغانستان والعراق وسورية، أو القيام بعمليات عنف مسلح كما حدث في الولايات المتحدة وإندونيسيا والسعودية واليمن وأفريقيا، وأما السمة الثانية فهي انتقال مسؤولية الجهود الإصلاحية والدعوية من الحركات المنظمة إلى حالة مجتمعية تنهض بها شبكة من الحكومات والمؤسسات والجماعات والأفراد؛ ما يعني ببساطة ضعف قدرة الجماعات المعتدلة المنظمة مثل الاخوان المسلمين على ضبط المتدينين والتأثير عليهم، وأنشأ ذلك بطبيعة الحال موردا واسعا وسهلا للجماعات المتطرفة كي تجتذب المؤيدين والمتطوعين الى صفوفها!

وبالطبع فإنهما تحولان كبيران يؤشران على انحسار أو تغير في أدوار ومهمات الحركات والتنظيمات الإسلامية السياسية والتي حققت سيادة مطلقة على المشهد الإسلامي السياسي منذ سبعينيات القرن العشرين، ويبدو المستقبل القريب وكأنه سوف يشهد تحول مجموعة من الحركات الإسلامية برغم عراقتها وحجمها إلى مرحلة تاريخية، خاصة وأن قطاعا كبيرا من الشباب والمجموعات قد تجاوزها، فلم يكن خروج مجموعة من الشباب في مصر عن المسار التقليدي والعام لجماعة الإخوان المسلمين ليؤسسوا جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية مجرد حدث عابر أو مثل كل عمليات الخروج والانقسام التي عرفتها الجماعة.

ربما يكون أيمن الظواهري وجماعة الجهاد وليس أسامة بن لادن مفتاح فهم التحولات التي جرت في الحركة الإسلامية، فقد كشفت الثمانينيات في مصر والتسعينييات في أفغانستان أن جماعة الجهاد المصرية تقود تحولات كبرى في الحركة الإسلامية في مصر والعالم العربي والإسلامي.

سافر أيمن الظواهري عام 1985 إلى باكستان ثم أفغانستان، وهناك أعاد بناء تنظيم حركة الجهاد وجمع خيوط التنظيم في يديه بمساعدة مجموعة معاونين وقادة لجؤوا إلى أفغانستان، واستقدم الملاحقين والفارين من التنظيم، ووجد الشباب في أفغانستان فرصة غنية للعمل والتدريب بحرية مثالية. وانتقل الظواهري بصحبة أسامة بن لادن ومعهما مئات الشباب العرب إلى السودان عام 1993، وبعضهم هاجر إلى اليمن. وكان يجري ترتيب دخول الشباب مرة أخرى إلى مصر للقيام بعمليات تنظيمية وعسكرية. وبعد سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان عام 1996 هاجر الشباب إلى أفغانستان مرة أخرى وبدأت تحولات فكرية وتنظيمية وسياسية مهمة منذ الهجرة الثانية إلى أفغانستان، فقد أعلن عن تشكيل حركة الجهاد العالمية.(2)

يرجع العديد من  الباحثين والمحللين جذور التطرف الديني إلى فكر سيد قطب وحكمه بارتداد المجتمع عن الإسلام وتردي هذا المجتمع في الجاهلية لرفضه حاكمية الله، واستخدمت فئة من الشباب هذه الفكرة أساسا لتغيير الواقع ورفضه والعمل على تغييره بالقوة.

وكانت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول ثم الاحتلال الأميركي للعراق مرحلة جديدة من المواجهة بين الإسلاميين الجدد والولايات المتحدة وحلفائها من الدول الغربية والعربية والإسلامية، وأسست هذه الأحداث لمواجهات كبيرة ربما نجحت في القضاء على جماعات متطرفة لكنها أشعلت التطرف في كل مكان.

المشهد الواقعي الميدني لداعش

تبدو سيطرة داعش على مدينة الموصل، المدينة الثانية في العراق (1.8 مليون نسمة) انتصارا مهما بل وحاسما لداعش، فقد كرست سيطرة التنظيم على اجزاء واسعة من العراق، هي تقريبا المناطق السنية في غرب وشمال العراق، مضافا إليها أجزاء واسعة في شمال شرق سورية (دير الزور والرقة

وحسب موقع البوابة (3) فإن التلفزيون الفرنسي قدم على موقعه الإخباري "فرانس تي في انفو" خريطة موضحة للمناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" في سوريا والعراق، واستطاعت الجماعة ان تسيطر على عدة مدن محيطة بحقول النفط وأن تضع يدهها على انابيب النفط التي تغذي المنطقة.

وبحسب الخريطة التي نشرها الموقع، فإن داعش تسيطر على الجزء الأكبر من شمال سوريا بدءًا من الحدود مع تركيا عند مدينة منبج جنوبًا وحتى مدينة اكجاكال التركية الواقعة على الحدود شمالًا، وحتى مدينة البوكمال الواقعة على الحدود مع العراق، أما في العراق، فيسيطر التنظيم على مساحة شاسعة غرب البلاد تمتد إلى مدينة موصل في الشمال مرورًا بمدن كركوك وبيجي وتكريت وسامراء والفلوجة إلى الجنوب على مقربة من العاصمة العراقية بغداد.

ولا يبدو ثمة معلومات كافية وميدانية عن الأوضاع في ظل داعش،. وبحسب الكاتب جمال خاشقجي (4) ومصادره في الموصل فإن منطقة داعش والتي يعيش فيها حوالي 5 ملايين نسمة تبدو آمنة، ولكن السكان يعيشون بلا مستقبل ولا افق واضح في مدينة محاصرة لا يغادرونها إلا بإذن وكفيل لضمان عودتهم إليها ولا مجال لتقارير اعلامية مستقلة، فداعش لا يسمح بذلك ويعتقل الاعلاميين المستقلين، بل يعدمهم أحياناً بتهمة الخيانة والتخابر إذا عملوا من دون إذنه، ولم يسمح لأية قناة أجنبية بدخول الموصل أو أية مدينة تحت سيطرته، باستثناء قناة Vice الأميركية غير التقليدية، التي تبث فقط على شبكة الإنترنت، ولم يطلق داعش اذاعة او تلفزيون مكتفيا بالانترنت وبتوزيع تعاميمه وبلاغاته مشافهة أو كتابة من خلال المساجد عقب الصلوات، وأحياناً بمكبرات الصوت في الأسواق، على رغم أن في الموصل إذاعة «الرشيد»، وهي مجهزة ولا تزال سليمة بعدما سيطر على بناية قناة «سنا» التلفزيونية، واعتقل عدداً من العاملين فيها.

ومن المؤكد أن داعش يريد الاحتفاظ بالسكان للحماية والموارد والتجنيد، ويواصل ممارسة وظائف الدولة وجباية الضرائب، ويسمح للحكومة المركزية بتحويل رواتب الموظفين (باستثناء القضاة)، ويسمح لرعاياه بدفع فواتير الهاتف، فتحرص شركات الهاتف العراقية والكردية التي يملكها أبناء الزعماء الثلاثة، بارزاني وطالباني والحكيم، على استمرار توفير الخدمة، وينشر دعوته، ويجند الشباب والأطفال.

كانت السيطرة على مدينة الموصل قمة الانتصار وذروة الامتداد الداعشي، ويبدو ان الجماعة توقفت عند ذلك، ولم تتقدم إلى بغداد كما كان متوقعا، ولعل ذلك بداية النهاية أيضا، فقد كان دخول الموصل مثل ناقوس الخطر الذي جمع دول العالم لمواجهة التنظيم وسحقه (ربما) فقد التقى أوباما مسؤولي الدفاع وقادة الجيوش من 21 دولة في قاعدة اندروز الجوية من اجل تنسيق الحرب على داعش.

عدم اجتياح داعش لبغداد قد يؤشر على حجم قوتها وانتشارها وتأثيرها، كما أنها التزمت أيضا بحدود كردستان ولم تقترب منها؛ ما يعني أنها  غير قادرة كما يبدو على السيطرة على بغداد، أو أنها تؤجل ذلك، أو تريد أن تخفض حجم المواجهة والحرب، وهي بالطبع تخطط للسيطرة على مناطق السنة في غرب وشمال غرب العراق، وتبدو حدود اشتداد الصراع وضراوته عندما اقتربت من مناطق الكرد في سنجار (مناطق اليزيديين) ومدنية كوبانة الكردية في سورية.

وقد يؤشر هذا الموقف على أن ثمة تغاضي عراقي واقليمي وربما دولى على سيطرة داعش على مناطق السنة (عدا بغداد المتقاسمة بين الشيعة والسنة) وأن الصراع هو بسبب تعدي داعش على مناطق الكرد، وقد يؤشر على موازين وحدود القوى والصراع والتاييد والمعارضة وأن داعش يحظى بتاييد العشائر السنية، ويستطيع التحرك والسيطرة في هذه المناطق وان محاولة الامتداد خارج هذه المناطق يؤدي الى صراع مسلح مكلف، وربما يكون الوضع القائم والذي تفجر أو بدا متأزما بعد احتلال الموصل ربما كان أمرا واقعا منذ الغزو الأمريكي للعراق، فقد كانت جماعات القاعدة وحلفاؤها يسيطرون على مناطق السنة تقريبا وبخاصة خارج المراكز.

وبرغم صحة الردّ بأن داعش أصبح مستهدفا على المستوى الإقليمي والدولي وأنه لم يعد مسموحا له السيطرة حتى على مناطق السنّة، وأنه دخل في مواجهة مع العالم تبدو نهايتها مرجحة في القضاء على التنظيم فإن الخريطة القائمة في هذه اللحظة لامتداد داعش وتأثيره يمكن النظر إليها وتقديرها من خلال تخمين الموارد البشرية والمالية من المصادر التالية:

1-      القاعدة الصلبة للتنظيم من أعضاء الجماعة المؤمنين بها والمعبأين بمبادئها وافكارها القتالية والمستعدين للقتال لأجل ذلك حتى النهاية، وتتراوح تقديرات هؤلاء بين 30 – 40 ألف مقاتل حسب عضوة لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي فينسنت دايان في تصريح لوكالة الأنباء الامريكيةومحطة سي ان ان (5) ... هؤلاء المقاتلون نصفهم تقريبا من العراق، وربعهم من سورية، وربعهم الباقي من جميع أنحاء العالم، ويقدر عدد المقاتلين الأجانب (غير السوريين وغير العراقيين) بين 6 – 8 آلاف مقاتل، كما تنسب العربية نت الى معهد بروكينغز (6)

2-      ضباط وجنود سابقون في الجيش العراقي وحزب البعث ومنشقون عن الجيش السوري، ويمثل هؤلاء العمود الفقري الفني والتدريبي لداعش.

3-      التجمعات السكانية السنية في مناطق داعش ويقدر عددهم بخمسة ملايين، ويشكل هؤلاء قوات ومجاميع محلية في المدن والبلدات ويسيطرون عليها ويسيرونها باسم داعش، وهؤلاء يغلب عليهم العلاقة القائمة على التحالف والمصالح، من زعماء العشائر والبلدات والمغامرين.

التطور في هذا الامتداد والوجود هو بشكل رئيسي السيطرة على مدينة الموصل، ولكن القاعدة موجودة من قبل على مدى السنوات العشر الماضية على نحو قوي ومؤثر من قبل في حزام بغداد، مثل الفلوجة والرمادي وابو غريب وعلى امتداد الشمال الغربي للفرات، ولكنها كانت ومازالت ثانوية في بغداد العاصمة ذات السبعة ملايين نسمة، فهي مركز التعبيئة الشعبية المؤثر للميليشيات الشيعية وقوات الأمن (7)

وفي المقابل فإن داعش بدأ يواجه تحديا كبيرا يتمثل في تشكلات سنّية مناوئة له على غرار ما حدث في العام 2008 عندما نجحت الإدارة الأمريكية في العراق في تشكيل جماعات واسعة من "الصحوات" التي استطاعت أن تواجه القاعدة وتهزمها، ولكن الادارة العراقية بقيادة المالكي فككت المشروع ولاحقت القائمين عليه، بل إن الملاحقة "المالكية" للسنّة امتدت حتى الى القيادات السياسية المعتدلة، وأعادت التجمعات والعشائر السنّية من جديدة الى التحالف مع القاعدة لمواجهة الاقصاء والتهميش الذي مارسته الحكومة العراقية بحقها.

وفي مواجهة ذلك فإن داعش يعاقب العشائر السنية بقسوة على مشاركتها في تجمعات وتحالفات مناوئة، مثل عملية الابادة بحق عشيرة البونمر العراقية السورية والتي قتل حوالي سبعمائة من رجالها معاقبة لها على موقفها المناوئ لداعش منذ البدء في تشكيل الصحوات عام 2008. (8)

وهناك مؤشرات أخرى كثيرى على تفكك وتراجع التنظيم اجتماعيا وشعبيا وعسكريا، مثل التحالفات الجديدة الكردية والعربية السنّية، وقد استطاع هذا التحالف استعادة معبر ربيعة العراقي السوري من ايدي داعش، كما حققت قوات عشيرة الجبور انتصارا على داعش في مدينة الضلوعية شمال بغداد، وفي كركوك فإن التحالف العربي السني التركماني يسيطر على الاوضاع في المدينة، وبالطبع فإن داعش يحقق انتصارات ومكاسب كثيرة في المدن والبلدات، كما حصل في كوباني وسنجار وهيت والرمادي بحسب الصحف والوكالات الصادرة في 2 تشرين ثاني نوفمبر/ 2014 وأوردت وسائل الإعلام في 3 تشرين ثاني نوفمبر 2014 نسبة الى مصادر تركية أن قوات البشمركة تحق انتصارات وتحرر مئات المختطفين من أيدي داعش.

ومن المرجح أن امتناع داعش عن دخول بغداد او عجزه عن ذلك يؤشر على حدود قدرات وانتشار هذا التنظيم ومستقبله أيضا، ولكن يبدو أيضا أن وجود داعش وفرصه في بغداد وحولها قوية، وقد يسعى الى قسمة بغداد الى غربية وشرقية، مكتفيا بالسيطرة على شطرها الغربي المفتوح على الصحراء والقاعدة الاجتماعية السنية، وقد يشكل بوجوده في ابو غريب تهديدا قويا ومباشرا لمطار بغداد الدولي.

حدث انشقاق كبير في القاعدة فانقسمت بين الدولة الإسلامية (داعش) بقيادة أبو بكر البغدادي، وجبهة النصرة بقيادة الجولاني، ولكن معظم مقاتلي القاعدة انضموا الى داعش، وفي ذلك الحين من عام 2013 وفق  الباحث مجاهد ديرانية (9) والذي يقدر قوات داعش في ذلك الوقت بـ 17 ألف مقاتل معظمهم انضم الى داعش، كما حدث من قبل انشقاق للقاعدة في العراق عن القاعدة الأم بقيادة الظواهري، فقد اعلن الظواهري تبرؤه من تنظيم الدولة الاسلامية في العراق، وكانت الأخبار والتقارير على الدوام تشير الى خلافات منذ العام 2004 بين قيادة القاعدة المركزية والقاعدة في العراق متصلة بالسياسات المتشددة والاستعداء الذي سلكته القاعدة في العراق.

لا يبدو أن هذه الانقسامات قد أثرت على داعش أو أضعفته، وإن كانت وسائل الإعلام تتحدث عن حالة واسعة من الاستياء في صفوف المعارضة السورية وأعضاء ومؤيدي الجماعات الإسلامية المتشددة، ولكن من المؤكد أن المورد البشري الرئيسي للقاعدة يقوم على العشائر السنية في العراق وسورية، ومن ثم فإن ضعفها وقوتها يعتمد على مدى تاييد هذه العشائر والبلدات، والعامل الآخر المؤثر أيضا في قدرة داعش على الاستمرار والتأثير هو الموارد المالية وقدرة التنظيم على تمويل عملياته ومؤيديه.

وحسب دراسة لـ باراك مندلسون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد نشرته مجلة فورن افيرز (10)  فإن موقف الظواهري والمقدسي وابو قتادة من داعش يضعفه معنويا ويؤثر سلبا على اجتذاب المؤيدين.

ولكن ثمة تحليل آخر لـ ويل ماككانتس، زميل الباحثين بمركز سابان لسياسات الشرق الأوسط مفاده أن الانفصال يعزز ال صورة «داعش» كقوة يعتد بها بل وحتى كأكثر الجماعات الجهادية نفوذا.

ولكن من المؤكد أن داعش فقد الشرعية التي كان يستمدها من القاعدة الأم ومن الشخصيات الدينية المؤثرة في الوسط المؤيد لهذا التيار في العالم، وقد يكون هذا الانشقاق خطوة في التدمير الذاتي للتنظيم، كما حدث من قبل للجماعات المسلحة في الجزائر عندما افقدها التشدد والسلوك الوحشى التأييد الشعبي والاجتماعي والديني الواسع الذي كانت تحظى به، وبفقدانه للمؤيدين يفقد التنظيم أيضا سيطرته على الأراضي والبلدات، ويتحول اعضاؤه ومؤيدوه من المتدينين المنضبطين الى المغامرين ضعيفي التعليم والتدين والذين ينضمون الى التنظيم لدوافع مصلحية وحتى جرمية لأجل الانتقام والسلب والنهب.

وتبدو صدقية هذا التحليل في حالات ومشاهد جديدة بدأت تتأكد بعد طرد المسيحيين واليزيديين والدخول في مواجهة مع الكرد فقد اكتسب التنظيم اعداء جدد متحمسين لقتاله، وتأثرت صورته سلبا لدى الناس في العراق وسورية وفي أنحاء العالم.

ومن المعلوم أن داعش يجتذب مؤيدين ومقاتلين من مختلف أنحاء العالم، ويرجح أن هذا المورد سوف يتجه الى الانحسار والتوقف بعد الانشقاقات التي حدثت في صفوف القاعدة والممارسات الوحشية التي اعطت صورة سلبية إضافة بالطبع إلى الاجراءات الدولية التي بدات تلاحق كل محاولات الانضمام الى التنظيم.

تختلف التقديرات ويصعب بالطبع تحديد عدد هؤلاء المتطوعين، ولكن يمكن القول وفقا للمصادر الاعلامية التي نشرت عن المتطوعين أنهم بحدود عشرة آلاف متطوع، من جميع انحاء العالم، إذ تقدر المصادر الأردنية وجود ألفين إلى ثلاثة آلاف متطوع يقاتلون في صفوف النصرة وداعش، ومثلهم جاءوا من تونس ومثلهم تقريبا من دول اوروبا، وهناك متطوعون قادمون من السعودية واعداد بالعشرات من كل بلد تقريبا.

وبحسب دراسة لـ  جوزيف شينيونغ ليو: كبير زملاء وأستاذ كرسي لي كوان يو، في معهد دراسات جنوب شرقي آسيا في بروكينغز نشرت في مجلة فورن افيرز (11) فإن مواطنين سنغافوريين وفيلبينيين واندونيسيين وماليزيين انضموا الى داعش، والتقديرات الرسمية الأولية لهؤلاء بالمئات، وقد قتل بالفعل ماليزيون وإندونيسيون في عمليات انتحارية في سورية.

يقول شينونغ ليون: يعتمد وصول «داعش» إلى جنوب شرقي آسيا على عدة عوامل؛ فيشعر بعض المسلمين الملتزمين بتوافق آيديولوجي مع الجماعة المتطرفة تشكله رؤى وقراءات لنصوص دينية يروجها دعاة نافذون عن خلافة آخر الزمان على نهج النبوة، كما أن ما يقال عن مظالم أهل السنة على يد الشيعة في العراق وسورية تؤجج مشاعر النصرة والحمية لدى المسلمين في أنحاء العالم. (12)

مستقبل الوجود والامتداد لتنظيم الدولة الاسلامية

تبدو المواجهة مع داعش حتمية، ويرجح ان تستطيع قوات التحالف الدولي القضاء على داعش او اضعافه إلى حدّ كبير، ولكن من المرجح أيضا أن التطرف الديني والسياسي سوف يظلّان قائمين ومؤثرين، لأنه وببساطة لا يستمد داعش وجوده من مجرد فكر متشدد يلقى مؤيدين، فهذه النصوص الدينية التي يستند اليها التنظيم موجودة منذ ألف واربعمائة عام ولم يكتشفها أبو بكر البغدادي ولا ايمن الظواهري من قبل، ولكنه فهم تشكل حول الشعور بالظلم والهزائم، ويمكن ملاحظة كيف تشكلت جماعات متشددة مقاتلة في التاريخ الإسلامي مثل الخوارج والاسماعيليين والقرامطة وحركات الزنج والعيارين والصفارين وعشرات الجماعات التي استطاعت أن تجمع الغاضبين والمحتجين وتسيطر على اجزاء من الارض وتقاتل الدولة المركزية.

سوف تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها على الأغلب تشكيل جماعات مقاتلة من الاهالي والعشائر والبلدات في مناطق داعش وبدعم الجيوش الرسمية فإن هذه الجماعات الجديدة سوف تكون بديلا لداعش، وقد تكون ايضا العمود الفقري في المواجهة مع النظام السياسي في سورية، ولكن انحسار التطرف والعنف يعتمد بعد ذلك على قدرة الحكومات المركزية على دمج هذه الجماعات والمجتمعات في العمليات السياسية والاقتصادية ومشاركتها في ذلك وشعورها بالرضا والعدل، وبطبيعة الحال بمدى التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي سوف تحققه دول المنطقة، فمن الواضح ان التطرف يزدهر في الدول والمجتمعات الفاشلة والفقيرة وفي حالة غياب سيادة الدولة والعدالة وتطبيق القانون.

هل ستمتد عمليات داعش العنفية الى خارج العراق وسورية؟ يبدو ذلك واردا بالطبع، وليس ثمة ما يمنع تنفيذ هذه العمليات سوى القدرة الفنية ووجود المقاتلين والمؤيدين، ولكن ذلك يزيد الضغط على داعش، وقد يجري حسابات اكثر عقلانية للاستمرار في العمل والتخفي في حالة سيطرة التحالف الدولي على اراضيه وقيام دول وسلطات مركزية، ولكنه بالطبع احتمال وارد كما حدث من قبل بعد عمليات الملاحقة والمواجهة التي جرت بين التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة والقاعدة في افغانستان والعراق؛ ما ادى الى سلسلة عمليات ارهابية في عدة دول منها السعودية والاردن واندونيسيا وبريطانيا اضافة الى الجزائر ومصر التي ظلت على الدوام مسرحا لعمليات عنفية تهدأ احيانا وتتواصل في احيان اخرى.

هل سينتصر داعش ويستطيع تثبيت دولته شمال وغرب العراق وشمال سورية؟ هل يمتد الى بغداد ومناطق سورية أخرى مثل حلب؟

يظل ذلك احتمالا بالطبع يجب أخذه بالحسبان، ولكن مؤشرات الحرب والحشد الدولي بأنه لن يسمح لداعش بإقامة دولة ولا التوسع، وإن كان سيظل مصدر تهديد وقلق للدول والمجتمعات على مدى السنوات العشر القادمة، يرجح هذا الاحتمال استنادا الى تجربة الحرب مع القاعدة في السنوات العشر الماضية، وإن كانت الطبيعة الجغرافية للحزيرة السورية العراقية لا تسمح بتشكيل ملاذات آمنة كما أفغانستان.

ما مستقبل التأييد الفكري واللوجستي لداعش والقاعدة خارج العراق وسورية؟ يبدو واضحا أن القاعدة مازالت تحظى بمؤيدين وأتباع وإن كانت استطلاعات الرأي والملاحظات العامة تؤشر على تراجع شعبية الجماعات المتشددة والعنفية، ولكنها حالة لا يمكن وصفها بالمستقرة والثابتة فمن المؤكد أن فرص القاعدة والتطرف بعامة في اجتذاب المؤيدين والأنصار مستمدة من الحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القائمة في البلدان العربية والإسلامية، كما أن حالة الاستعصاء واليأس في القضية الفلسطينية سوف تؤدي بطبيعة الحال الى العداء وتزايد العداء مع الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها ما يزيد التأييد للمتشددين والجماعات المعادية للولايات المتحدة والحكومات العربية والإسلامية المتحالفة والمؤيدة.

ولذلك فإن مبتدأ مواجهة التطرف والعنف وانحساره يبدأ من تسوية عادلة للقضية الفلسطينية وعمليات اصلاح سياسي واقتصادي في الدول العربية تحقق للمواطنين جميعهم فرص العدل والمشاركة وتحسين حياتهم.

هوامش

1-       كيف تحصل داعش على الأموال، تحقيق نشر في موقع سي ان ان باللغة العربية/ 23 يونيو حزيران/ 2014

http://arabic.cnn.com/business/2014/06/23/mme-isis-money

2-       منتصر الزيات، أيمن الظواهري كما عرفته/ القاهرة: دار مصر المحروسة، 2002

3-       التلفزيون الفرنسي ينشر خريطة للمناطق الواقعة تحت نفوذ تنظيم داعش، موقع البوابة، 11 حزيران يونيو/ 2014  http://www.albawabhnews.com/630963

4-       جمال خاشقجي، كيف هي الحال في الموصل. الحياة اللندنية.1 تشرين ثاني نوفمبر 2014

5-       مجلس الشيوخ الأمريكي: 40 ألف مقاتل في صفوف داعش: راديو نوى. 27 تشرين أول اكتوبر/2014   http://www.radionawa.com/arabic/dreja.aspx?=hewal&jmare=25370&Jor=1

6-         كثر من 7 آلاف مقاتل عربي وأجنبي في صفوف "داعش"/ موقع العربية نت: 9 كانون ثاني يناير/ 2014   http://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/egypt/2014/01/09/%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86-7-%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%81-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%AA%D9%84-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%A3%D8%AC%D9%86%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B5%D9%81%D9%88%D9%81-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-.html

7-       مايكل نايتس، أسباب خسارة الدولة الإسلامية، موقع معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى  http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/why-the-

islamic-state-is-losing

8-       داعش يعدم 200 من قبيلة البو نمر السنية في الانبار، صحيفة القدس العربي، 2 تشرين ثاني نوفمبر/ 2014 http://www.alquds.co.uk/?p=243995

9-       مجاهد ديرانية، خرائط متحركة: القوى العسكرية في الثورة السورية، موقع مركزدراسات الجزيرة، 23 كانون اول ديسمبر/ 2013

http://studies.aljazeera.net/reports/2013/12/20131223111212549392.htm

10-     باراك مندلسون: على واشنطن أستغلال الصدع في العلاقة بين القاعدة و«داعش» لتعزيز مصالحها، مجلة لمجلة 17 آذار مارس/ 2014  http://www.majalla.com/arb/2014/03/article55250401

11-     جوزيف شينيونغ ليو، لتطرف في الشرق الأوسط لا ينتشر إلى الغرب فحسب: «داعش» تتحول نحو آسيا، مجلة المجلة 7 تشرين اول اكتوبر 2014 http://www.majalla.com/arb/2014/10/article55252293

12-     ليو، المصدر السابق

discount drug coupon free prescription cards discount prescription transfer coupon
aborted babies link types of abortion
abortion at 10 weeks unplanned pregnancy abortion clinics austin tx