حزيران 01, 2014

لــ محمد أبو رمان

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية


لم تفلح رسالة الظواهري “شهادة لحقن دماء المجاهدين في الشام” (بداية أيار 2014) في رأب الصدع داخل شبكة القاعدة، ولا في حقن الدماء في سورية بين أشقاء الأمس وأعداء اليوم وهما تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بقيادة الملقب بأبي بكر البغدادي وجبهة النصرة بقيادة الملقب الفاتح أبي محمد الجولاني[i].

استمر القتال وارتفعت وتيرة الحرب النفسية والإعلامية بين الطرفين، فبعد أن ردّت جبهة النصرة بالالتزام بأوامر البغدادي (نظرياً)، وجّه تنظيم الدولة ضربة أخرى للظواهري عبر المتحدث باسمه أبي محمد البغدادي (في رسالة عذراً أمير القاعدة) إذ تحدّث بلغة قاسية وحادّة مع الظواهري، ما استفزّ جبهة النصرة فردّت بدورها على العدناني في رسالة أبي ماريا القحطاني، المسؤول الشرعي، وأعلنت استمرار المعارك مع تنظيم الدولة الذي لم يُظهر احتراماً للظواهري ونداءه[ii]!

   على أرض الواقع استمرت المعارك بين التنظيمين، واشتعلت حرب التصريحات والاتهامات في الأوساط الجهادية المؤيّدة لكلٍّ منهم، فأنصار الدولة الإسلامية يتهمون النصرة ببيع أشقائهم للفصائل الأخرى والتخاذل عن منهج القاعدة الأصيل في مرحلة أسامة بن لادن، بينما تجاوز أنصار النصرة الإطار التقليدي في النقد إلى اتهام “أشقائهم” سابقاً بتبنّي فكر الخوارج.

لم تقف خطوط الاختلاف والتباين عند حدود المشهد السوري، إذ بدأت عرى التيارات والتنظيمات التي تنتمي إلى التيار السلفي الجهادي تتفسّخ وتنقسم ما بين مؤيد للظواهري ومعه النصرة أو موالٍ للبغدادي وتنظيم الدولة، وظهر ذلك الاستقطاب جليّاً في انقسام أبناء هذا التيار في كلّ من الأردن والمغرب العربي، إذ وقف كلّ من أبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني ومعهم مفاتيح التيار في الأردن مع النصرة بينما وقف تيار آخر مع تنظيم الدولة، وانقسم المهاجرون من الأردن إلى سورية بين التنظيمين، فيما أعلن حسن الكتاني، أحد أبرز القيادات الجهادية في المغرب، وقوفه إلى جانب النصرة في مقابل داعش[iii].

في نهاية اليوم؛ اشتعلت الخلافات والاتهامات وتباينت المواقف وتحول النقاش حول العلاقة بين التنظيمين، بعد إعلان البغدادي ضم النصرة في نيسان ورفض الجولاني ذلك ومبايعته الظواهري بدلاً منه، ثم الاقتتال والقتل المتبادل واستهداف القيادات بين التنظيمين، ما يكشف عن أخطر تحوّل في تاريخ القاعدة يتمثّل في أوّل تمرّد لأحد التنظيمات الإقليمية على القيادة المركزية.

تلك التحولات والتطورات المتسارعة على أرض الواقع من  الضروري أن تطرح أسئلة جوهرية عن المعالم الأساسية للخلاف بين الطرفين؟ وفيما إذا كان طارئاً فعلاً مع المشهد السوري أم أنّ هنالك إرهاصات ومقدمات سابقة على ذلك؟ وما هي النتائج والسيناريوهات المتوقعة المترتبة على ما يحدث اليوم؟..

-1-

بين إرث الزرقاوي ومراجعات بن لادن

بالرغم من أنّ الخلافات الراهنة انفجرت مع المشهد السوري إلاّ أنّ جذورها تعود إلى مرحلة سابقة، وتحديداً لحظة انضمام أبي مصعب الزرقاوي إلى القاعدة ومبايعته أسامة بن لادن (في العام 2004)، إذ اتسم منهج الزرقاوي بأنّه يقع في أغلب تفاصيله على يمين القاعدة، من زاوية التشدد الديني والمواقف السياسية الصلبة، والانحياز إلى الوصفة الطائفية للصراع بين السنة والشيعة، تحت وطأة الحالة العراقية، والتوسّع في العمليات الانتحارية، وما ابتدعه من مشاهد القتل المصوّر على أشرطة الفيديو.

تطوّر اتجاه الزرقاوي، لاحقاً، في المشهد العراقي، وانتقل إلى تسويغ الدخول في صدام مع القوى والفصائل الإسلامية الأخرى مثل كتائب ثورة العشرين والجيش الإسلامي، من ثمّ تأسيس الدولة الإسلامية على عدد من المحافظات العراقية، ومحاولة فرض البيعة على المجتمع السني، ما عزّز مشروع الصحوات وتفكك الحاضنة الشعبية السنية حينها، وكشفها الغطاء عن التنظيم، مما تسبب في تراجعه وانحساره منذ العام 2008 إلى لحظة الثورة السورية.

لم يؤدٍّ مقتل الزرقاوي في العام 2006 إلى تراجع منهجه، إذ التزمت أولاً القيادات الجديدة، مثل أبي حمزة المهاجر وأبي عمر البغدادي بالمنهج نفسه، وبقيت أمينة على ميراث الزرقاوي، كما هي حال أبي بكر البغدادي اليوم، وثانياً بدأ هذا المنهج يجد له أنصاراً ومؤيدين ومتأثرين في أنحاء مختلفة من العالم، إذ ارتبط بالهالة التي أحاطت بنجاح الزرقاوي السريع في العراق، وحرصه هو نفسه على التمدّد إقليمياً، عبر تأسيس أذرع في مناطق مختلفة، فأصبح هذا المنهج حاضراً ومؤثّراً في الأجيال الجديدة والجماعات التي أخذت في الانتشار في مناطق مختلفة، مثل الجزيرة العربية والمغرب العربي والمتأثرين به في أوربا وأميركا.

تكشف الوثائق التي أفرجت عنها السلطات الأميركية بعد مقتل أسامة بن لادن (في نيسان 2011)، وكانت قد حصلت عليها من وثائقه الشخصية عن وجود تذمّر وعدم ارتياح لديه ومعه القيادة المركزية من أداء أبي مصعب الزرقاوي وتنظيمه في العراق، وهو ما دفع ابن لادن إلى فتح باب النقاش في المراجعات مع مفاتيح فكرية وفقهية في القاعدة على نطاق ضيّق، منذ نهاية 2006 (أي غداة مقتل الزرقاوي) إلى الأيام الأخيرة عشية مقتل ابن لادن في 2011[iv].

بالرغم من الشعور بالقلق لدى قيادة القاعدة فقد كان جليّاً أنّها تجنبت تماماً إظهار أي نوع من الاختلاف والخلاف مع الزرقاوي، واكتفت بالنصائح والوساطات في القنوات السريّة الضيّقة، وتجنّبت إبداء أي موقف عندما وجّه أبو محمد المقدسي (الشيخ الروحي للزرقاوي) رسالة نقدية واضحة لسلوك الأخير ومنهجه، وعنونها بـ”الزرقاوي: مناصحة ومناصرة”، ما أثار غضب أتباع الزرقاوي وأدى إلى انقسام التيار في الأردن بين مؤيدي المقدسي ومن أُطلق عليهم إعلامياً مصطلح “الزرقاويون الجدد”[v].

    

-2-

“المسكوت عنه” يطفو على السطح

بقيت الخلافات بين القاعدة المركزية والزرقاوي مسكوتاً عنها في أروقة القاعدة وأوساط التيار الجهادي، فمن الواضح أنّ الزعيم السابق للقاعدة تجنّب الاصطدام بالزرقاوي، حينما كان نجم الأخير صاعداً، فيما تعرضت القاعدة المركزية لحرب أمنية عالمية قاسية، دفعت بقياداتها إلى الاختفاء واحترازات أمنية مشددة، وتقطّع خطوط الاتصال بينها وبين الفروع الأخرى للتنظيم، وحدثت مرحلة إعادة هيكلة في قيادات التنظيم وفي خططه المستقبلية، وتوسّعت المساحة التي تلعبها الجماعات المنضوية في القاعدة في مناطق مختلفة من العالم على حساب القاعدة المركزية.

أحدثت الثورات العربية هزّة كبيرة لأيديولوجيا القاعدة، فحملت هذه الثورات في ثناياها نقداً واقعياً سياسياً للفرضيات التي أسست القاعدة عليها منهجها في العمل، وبدت وجهة الشعوب، بالنسبة لقيادات القاعدة، نحو القبول بالنظم الديمقراطية وانخراط في بناء النظم السياسية الجديدة، ما دفع بقيادات القاعدة البارزة، مثل أنور العولقي والظواهري وأبي يحي الليبي، وحتى أسامة بن لادن إلى ما يمكن أن نطلق عليه عملية “تكيّف أيديولوجي” مع المرحلة الجديدة، عبر الحرص على عدم التصادم مع رغبة الشعوب بالتحرر، ورد الاعتبار للوسائل السلمية في العمل، بعد أن تخلت عنها القاعدة سابقاً، وهي الحيثيات التي نظر إليها أتباع الزرقاوي والمصرّين على منهجه المسلّح وأسلوبه الصدامي بأنّها تخلٍّ عن الأيديولوجيا الأصلية للقاعدة[vi].

خلال الثورة السورية، بدا واضحاً أنّ التنظيم الجديد المرتبط بالقاعدة، جبهة النصرة، ينمو بهدوء وراء الأضواء، ويتجنب الإعلان عن انتمائه للقاعدة ولا يصطدم بالفصائل المسلّحة الأخرى، يمثّل نموذجاً مختلفاً عن التنظيم الذي ولدت فكرته في أحشائه، أي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، ولم يعلن الجولاني عن بيعته للظواهري إلاّ في نيسان 2013، بعدما كشف أمير الدولة، أبو بكر البغدادي، عن فكرة الجبهة وتاريخها، وضمّها لتنظيمه، وهو الأمر الذي رفضته واستبدلته بالالتزام بالولاء للتنظيم الأم، أي القاعدة المركزية[vii].

تطوّرت الخلافات وانحاز الظواهري إلى الجولاني، وتحوّلت السجالات الإعلامية والفكرية وعملية الاستقطاب في أوساط السلفية الجهادية إلى عداوة شديدة بين الفرقاء، وصلت إلى معارك طاحنة في سورية، واغتيال للقيادات، واتهامات عميقة تكشف بأنّ حجم الفجوة بين الطرفين أصبح كبيراً، ما لم تنجح أغلب الوساطات من الشخصيات المحسوبة على التيار والمقرّبة منه في ردمه!

بينما تكشف رسالة الظواهري “شهادة حقن الدماء” ورد العدناني عليها عن جملة مهمة من القضايا الخلافية ومحاولة كلّ طرف التأكيد على شرعية تمثيله لمنهج القاعدة (السلفية الجهادية)، وانحراف الآخر عنه، وليس ترفاً أو كلاماً مسترسلاً إصرار الظواهري في رسالته على العودة التاريخية إلى نشأة قاعدة العراق وتطوّرها ومبايعة الزرقاوي وتنظيمه لابن لادن، إذ أنّ الجدل الكبير في أوساط التيار تمركز بدرجة كبيرة حول سؤال: من نقض العهد وسحب يده من البيعة، وهي مسألة عقائدية في أدبيّاتهم الفكرية، فالظواهري أصرّ على أنّ تنظيم البغدادي هو من خرج على القاعدة الأم، بينما تأخذ رواية العدناني وأنصار الدولة الإسلامية في العراق والشام منحىً مغايراً تماماً عندما تؤكّد بأنّ الزرقاوي نفسه (زعيم القاعدة في العراق) هو من بايع تنظيم الدولة الإسلامية وأصبح جزءاً منه، بينما الجولاني الذي يمثّل عضواً فيه هو من نقض بيعة الدولة وتخلّى عنها[viii].

السجال يمتد بين المراسلات فيمن انحرف عن نهج بن لادن وتخلّى عنه، فبينما يصر الظواهري على تطرف تنظيم الدولة وخروجه على المسار العام، فإنّ التنظيم يرى، من جهته، أنّ الظواهري (الزعيم الحالي) هو الذي انحرف وتخلّى عن القاعدة ومسارها الأصيل!

على أيّ حال يمكن اختزال هذه الخلافات بالقول أنّنا أصبحنا أمام منهجين ومدرستين؛ الأولى تمثلها جبهة النصرة، التي تعكس منهج القاعدة بعد المراجعات الأخيرة، ما يختصره الدكتور إياد القنيبي، أحد أبرز المنظّرين في هذه الأوساط، بوصفه الجبهة بـ”التيار التجديدي داخل القاعدة”، بينما تنظيم الدولة الإسلامية هو امتداد للزرقاوي ومنهجه الأيديولوجي بما يمثّله من مرحلة جديدة في القاعدة نفسها، لكنّه يقف على الطرف الأيمن (الأكثر تشدداً وأدلجة) من القيادة المركزية، ويعكس صعوده طبيعة التحولات لدى الجيل السلفي الجهادي الجديد، الذي أصبح أكثر تشدداً وعنفاً في تبنى رؤيته ومحاولة فرض هيمنته وسيطرته والتمادي في العداء مع كل المخالفين، حتى ممن يتبنون الرؤية الإسلامية، وهو الأمر الواضح من سلوكه في العراق وسورية، ورسالة العدناني التي تتهم القيادة المركزية بعدم الوضوح في الموقف من حكم الإخوان في مصر (الذي تصفه بالضال)، والمهادنة مع إيران خلال الأعوام الماضية.

بالضرورة ثمّة معالم رئيسة للاختلاف بين الاتجاهين أو التيارين الجهاديين اليوم؛ فالقاعدة بعد المراجعات أصبحت أكثر حرصاً على عدم الاصطدام بالمجتمع المحلي وعدم التوسّع في التكفير مع المخالفين، والتركيز على الصيغة العالمية للصراع مع العدو القريب المتزاوج بالعدو البعيد (أي ضد تحالف الأنظمة العربية بالولايات المتحدة الأميركية)، وهو ما ظهر في رسائل الظواهري وفي لقاء أبي محمد الجولاني مع الجزيرة، بينما تنظيم الدولة الإسلامية يرى ضرورة فرض سيطرته وهيمنته على المناطق التي يسيطر عليها، عبر ما يسمى باستراتيجية إمارة التوحّش، وبدا أكثر صرامة وحسماً في الصدام مع المخالفين، حتى من الإسلاميين، تحت وطأة تجربته مع “الصحوات في العراق”، والأهم من هذا وذاك الإغراق في البعد الطائفي من الصدام والصراع مع إيران والقوى الشيعية، بوصف ذلك أولوية في المنطقة العربية، وتحديداً في الأراضي التي ينشط فيها في كل من العراق وسورية.

 

-3-

المرحلة القادمة: تكريس الانقسام والاختلاف

يقف عاملان رئيسان وراء انفجار الخلافات الأخيرة في القاعدة، وما يمكن أن ينجم عنها مستقبلاً:

العامل الأول يتمثل بمقتل القيادات الكارزمية والمؤثّرة، فغياب شخصية بحجم أسامة بن لادن، ترك فراغاً كبيراً، وبالرغم من أنّ الظواهري يمتلك حضوراً كبيراً في أوساط القاعدة، إلاّ أنّه لا يحظى بالمستوى العالي من التوافق والقبول، الذي كان يميز سلفه الأول، فهنالك صراعات تقليدية في أروقة قيادة القاعدة بين الجناح المصري، الذي كان يضم الظواهري وسيف العدل وأبو حفص المصري وغيرهم من جهة والأجنحة الأخرى، بخاصة الخليجية التي تململت، سابقاً، من هذا النفوذ المصري الكبير.

غياب الزرقاوي، أيضاً، فاقم الصراع، إذ بالرغم من وجود إرهاصات وجذور للتباين بين منهجه ورؤية بن لادن؛ إلاّ أنّ ذلك بقي محدوداً ومسكوتاً عنه، ولم يخرج إلى السطح إلاّ بعدما رحل الاثنان بن لادن والزرقاوي، ومعهما قُتلت أيضاً قيادات مهمة وفاعلة كانت تلعب دوراً وسيطاً بين القيادة المركزية والفروع، مثل أبي يحي الليبي وجمال المصراتي (الملقب بعطيه الله) خلال السنوات الماضية، ما أثّر في قدرة التنظيم المركزي على احتواء الخلافات مع الفروع المختلفة.

أمّا العامل الثاني فيكمن في التحوّل في طبيعة تنظيم القاعدة نفسه، وانتقاله من الصيغة التنظيمية الصلبة والعلاقة الهرمية في تصميم العمليات وتنفيذها قبل 11 سبتمبر إلى الصيغة الشبكية الفضفاضة، وإعادة هيكلة العلاقة بين القاعدة والمجموعات الجديدة التي بدأت تظهر منذ ذلك الحين، لتصبح القاعدة نفسها أشبه بـ”رسالة سياسية” مثل العلامات التجارية، تعتمد على الفكرة والأهداف لا التنظيم، وهو ما أدّى إلى تزايد كبير في الاعتماد على شبكة الانترنت والعالم الافتراضي في التجنيد والتواصل، وبدأ يظهر ما نسميّه “الجيل الثالث” من القاعدة في السنوات الماضية، الذي لعبت الانترنت دوراً حيوياً ومهماً في صعوده، مثل حالة الطبيب الأردني نضال مالك، وعمر الفاروق، والطبيب همام البلوي (أبي دجانة الخراساني)، وفيصل شاهزاده وبدأ نجم شخصيات جديدة يظهر ويطغى مثل الدكتور أنور العولقي في اليمن (قُتل – في سبتمبر 2011، بقصف جوي أميركي).

   حقّقت القاعدة اختراقاً كبيراً وقفزة واسعة في هذه التحولات، فلم يعد استمرارها وبقاؤها مرتبطاً بقتل زعمائها أو تدمير مراكزها في أفغانستان وباكستان، إذ تحوّلت إلى رسالة وفكرة يمكن لأي مجموعة في أيّ مكان التقاطها وتبنّيها والعمل بها، والحصول لاحقاً على الاعتراف الرسمي من القاعدة المركزية ومباركتها، كما حصل في العديد من الحالات، منها مثال القاعدة في العراق نفسها، إذ لم يعلن الزرقاوي مبايعة ابن لادن إلاّ بعدما صعدت جماعته في العراق وأثارت رسائل المقدسي النقدية له لغطاً تخلص منه عبر الانضمام رسمياً للقاعدة.

بالرغم من هذه النقلة النوعية في عمل القاعدة وتوسّعها وانتشارها إلاّ أنّ الصيغة الجديدة لم تكن لتمرّ من دون ثمن باهظ أيضاً، وهو ضعف المركز وقوة الأطراف، وبروز الخلافات بين الاتجاهات والجماعات والتصوّرات المختلفة لدى الفروع من جهة والمركز من جهة أخرى، طالما أنّ الحلقة المركزية الصلبة في حالة من الضعف والحصار.

صحيح أنّ هنالك رسالة مركزية واحدة إلاّ أنّ هنالك، أيضاً، خلافات وتباينات فكرية وشخصية بين القواعد المتعددة، وطالما أنّ القيادة المركزية لن تتخلص من حالة الحصار الراهن، وستبقى ملاحقة ومحدودة الحركة فإنّ ذلك سيفتح باباً واسعاً للاختلافات في المستقبل وسيوسّع المسافة بين المركز والفروع من جهة، والفروع نفسها من جهة أخرى، وفي حال خرج الظواهري من المشهد فإنّ ذلك سيدفع إلى مزيد من التراجع في دور القيادة المركزية ويعزّز من الانقسامات والخلافات الراهنة[ix].

خلال السنوات الماضية بدا واضحاً بأنّ المتغيرات على أرض الواقع تفرض نفسها على تطور القاعدة والديناميكيات التي تعمل من خلالها، وما سيحدث في سورية والعراق اليوم مهم في تحديد مدى قوة ونجاعة الطرفين المتصارعين، تنظيم الدولة والجبهة، والحال كذلك فيما يحدث في المناطق الأخرى، إذ أصبحت شرعية أي تنظيم مرتبطة بكفاءته الواقعية وقدرته على تحقيق اختراقات وانتصارات سياسية وعسكرية، إذ سيسهّل ذلك عليه تسويق رؤيته وأجندته وزعاماته.     

للقراءة بنسخة Pdf، الملف يرجى تحميل الملف أعلاه.


[i] انظر: تسجيل الرسالة على موقع الوكالة الإسلامية حقّ، الرابط التالي:http://www.dawaalhaq.com/?p=12593 ، وكذلك: وقفة مع كلمة الشيخ الظواهري الأخيرة وقفة لحقن دماء المجاهدين في الشام، على موقع مدونة غير رسمية للدولة الإسلامية في العراق والشام، الرابط التالي: http://dawlaisis.blogspot.com/2014/05/blog-post_219.html

[ii] انظر النص الكامل لكلمة العدناني “عذراً أمير القاعدة” على الرابط التالي: http://www.dawaalhaq.com/?p=12828، وكذلك ردّ أبي ماريا  القحطاني على الرابط التالي: http://www.dawaalhaq.com/?p=12828 .

[iii] انظر تفاصيل هذه المواقف في: “المقدسي يحمل داعش فشل الصلح مع الفصائل الإسلامية الأخرى”، تامر الصمادي، الحياة اللندنية، 3 آذار 2014، وكذلك: “المقدسي يتحفظ على مبايعة البغدادي أميراً للمؤمنين”، محمد النجار، الجزيرة نت، 25-11-2013، الرابط التالي: http://www.aljazeera.net/news/pages/84a822d8-0f92-4ed0-8225-972bccf35cdc ، وكذلك تقرير “جدل الدولة والنصرة يحتدم بين الجهاديين”، محمد النجار، الجزيرة نت، 11-11-2013، الرابط التالي: http://www.aljazeera.net/news/pages/1f9557c7-1f50-4179-a424-107812d5317c، أما موقف حسن الكتاني فقد أوضحه على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي، الفيس بوك، ومن ذلك قوله:  بعد فتنة ( دا ع ش) في الشام كان من فضل الله على الحركة الإسلامية و الصحوة الدينية أنها بدأت تتخلص من خطاب الغلو في التكفير و الجرأة على الدماء و الأعراض و لا زالت أرض الشام المباركة تجيش علينا ببركاتها، فالحمد لله على ذلك. و خطاب العدناني الأخير يبين مدى الهاوية التي يتساقط فيها الغلاة و أنهم يمشون في خط الزوابري و جماعته حذو النعل ، نسأل الله العافية، و هذا طريق كل من ترك العلماء الربانيين و رضي بسفهاء الأحلام”.

[iv] حول وثائق بن لادن يمكن العودة إلى موقع مركز مكافحة الإرهاب التابع لكلية ويست بوينت الحربية الأميركية، انظر الرابط التالي: https://www.ctc.usma.edu/posts/letters-from-abbottabad-bin-ladin-sidelined  أو الرابط التالي:http://blogs.cornell.edu/mideastlibrarian/2012/05/10/17-bin-laden-documents-combating-terrorism-center-ctc/

[v] انظر حول الخلافات في أوساط التيار الجهادي الأردني: محمد أبو رمان وحسن أبو هنيه، الحل الإسلامي في الأردن: الإسلاميون والدولة ورهانات الديمقراطية والأمن، مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية ومؤسسة فريدريش أيبرت، عمان، 2013، ص311-323.

[vi] انظر: محمد أبو رمان، أيديولوجيا القاعدة ومحاولة التكيف مع الثورات العربية، مجلة السياسة الدولية، ع 158، يوليو 2011.

[vii] انظر: محمد أبو رمان، الإسلاميون والدين والثورة في سورية، مؤسسة فريدريش أيبرت في عمان، ص30 وما بعدها.

[viii] انظر: رسالتي الظواهري والعدناني مراجع سابقة.

[ix] انظر تقرير “الانترنت يدشن الجيل الجديد من القاعدة” محمد النجار، الجزيرة نت، 24-3-2010، الرابط التالي:http://www.aljazeera.net/news/pages/4733c338-4b72-453a-8f0d-1e79ed7f2a6f